كوابيس شقه ٧

وده اللي خلى قلبك يسقط في رجليكي في ثانية!
​الواد اللي كان من لحظة واحدة عامل فيها “شهريار Zaman” ومتسلطن ودمه خفيف، إيده دلوقتي متلجّة وبتترعش وهي ماسكة معصمك. الشدة اللي شدك بيها لجوة الشقة كانت أسرع من البرق، لدرجة إن شبشبك الإسبونج اتقلع من رجلك عند العتبة. الباب اترزع وراكم بصوت هز الحيطان، وهو حط ظهره على الباب وبقى ينفخ بصوت عالي، صدره يعلى ويوطى وشعره المنعكش نزل على عينيه اللي كانت متسعة على الآخر من الرعب.
​الصالة جوة كانت مضلمة، الضوء الوحيد اللي طالع كان من شاشة التلفزيون الكبيرة اللي معروض عليها القائمة الرئيسية للعبة البلايستيشن، والأنوار الألوان الخافتة عمالة تلف على السقف وتضرب في الوشوش.
​بس الغريبة… المكان كان هادي. هدوء مقبرة!
​فين الزيطة؟ فين صوت الصحاب اللي كانوا بيصرخوا وبيضحكوا من خمس ثواني بس؟ الصالة فاضية خالص! الذراعين بتوع البلايستيشن مرميين على السجادة، وفي كوبايتين شاي بنعناع لسه البخار طالع منهم على الترابيزة، بس ما فيش بني آدم واحد واقف أو قاعد!
​سحبتِ إيدك منه بسرعة، وبصيتِ له بحدة وأنتِ بتحاولي تجمعي شتات نفسك، صابك مزيج من الغضب والرعب، وقلتِ بصوت مهزوز بس متغاظ: “أنت بتستهبل يا كابتن؟! أنت بتشدني كده ليه؟ وايه الحركة البيخة دي؟! فين أصحابك اللي كانوا جوة؟!”
​حط إيد على بوقك بسرعة وشدك لورا الستارة الكبيرة بتاعة الصالون. إيده كانت ريحتها سجاير وكولونيا رخيصة، بس البرودة اللي في أطرافه كانت مرعبة. قرب من ودنك ووشوشك بصوت يادوب مسموع، أنفاسه السخنة كانت بتخبط في خدك: “وهيات عيالك اسكتي خالص!.. اقسم بالله لو طلعتِ صوت هنروح في داهية إحنا الاتنين!”
​نزعتِ إيده عن بوقك بالعافية وقلتِ بصوت واطي جداً بس محروق: “أنت مجنون؟ مين دول اللي مش أصحابك؟ أمقاطيع دول ولا إيه؟”
​بص لك بنظرة عمري ما شفتيها في عين بني آدم، نظرة واحد شاف عزرائيل قدامه: “أنا اسمي سيف… وصحابي اللي كانوا معايا من شوية، أكرم ومصطفى… أنا شفتهم بعيني بيختفوا!”
​”يعني إيه بيختفوا؟ هي فزورة؟!”
​سيف مسك رأسه بإيديه الاتنين وبدأ يكلم نفسه بصوت واطي ومخطوف: “كنا بنلعب… وبعدين تخبطي أنتِ على الباب… أخرج أكلمك… أرجع أبص من العين السحرية أو ألتفت ورائيا… ألاقي أكرم قاعد، بس دماغه متدورة ورا! ظهره لي وشة ورا! ومصطفى… مصطفى كان بيبتسم لي ابتسامة وسعة أوي… أوسع من البق الطبيعي بتاع البني آدمين… وسنانه… سنانه كلها كانت سودا ومتكسرة!”
​قشعريرة باردة مشيت في ظهرك من الساس للرأس. الكلام كان طالع منه بتلقائية ورعب مش ممكن يكون تمثيل. أنتِ لسه جديدة في العمارة، ما تعرفيش أصلها من فصلها، بس الكبار في الشارع لما جيتي تأجري كانوا بيبصوا للرجل بتاع العقارات بنظرات غريبة.
​وفجأة…
​صوت حركة خفيفة جاية من المطبخ.
​صوت رجلين بتتسحب على السيراميك… “تششش… تششش… تششش”.
​سيف مسك إيدك جامد، وضغط عليها لدرجة إن دوافره كادت تغرس في جلدك. المكان بقى كتمة، وصوت ضربات قلبكم أنتم الاتنين كان عالي لدرجة إنك خفتِ المجهول اللي في المطبخ يسمعه.
​من بين فتحات الستارة، شفتوا خيال طالع من المطبخ.
​خيال طويل زيادة عن اللزوم، كتفه الشمال أعلى من كتفه اليمين بكثير، وماشي ببطء شديد ناحية الصالة. الخيال قرب من الترابيزة اللي عليها كوبايات الشاي… ومد إيده.
​الإيد مكانتش إيد بني آدم! كانت أصابعها طويلة ورفيعة زي أغصان الشجر الناشفة، ولونها أزرق داكن زي لون الجثث. مسك كوباية الشاي… وبدل ما يشربها… دلّق الشاي السخن على إيده! وما اتأوهش! بالعافية بدأ يلف وشه ناحية الستارة اللي أنتم مستخبيين وراها.
​الوش… مكانش وش أكرم ولا مصطفى. مكانش وش أصلاً! كانت حتة جلد ملدومة على بعضها، ما فيهاش مناخير ولا بوق، بس فيها عين واحدة في النص… عين بيضا خالص ما فيهاش نني، وعمالة تلف في كل الاتجاهات زي الكاميرا!
​سيف كاتم نفسه بالعافية، ودموعه بدأت تنزل من كثرة الخوف والضغط. أنتِ حسيتِ إن رجليكي مش شايلاكي، الدنيا بدأت تدور بيكِ. العمارة اللي افتكرتيها هادية وشيك في حي راقي، طلعت جحر للموت!
​الكائن دا بدأ يقرب من الستارة بخطوات بطيئة… “تششش… تششش…”
​سيف قرب من ودنك ببطء شديد، ووشوشك: “على عد ثلاثة… هنط من ورا الستارة ونجري على باب الشقة… ماشي؟”
​هزيتِ رأسك بسرعة والدموع محبوسة في عينيكي.
​”واحد…”
“اتنين…”
“ثلاثة!”
​سيف زق الستارة بقوة في وش الكائن دا، وصرخ بأعلى صوته: “اجريييي يا سماااا!”
​أنتِ ما صدقتِ! جريتِ بPage واحدة ناحية باب الشقة، سيف كان وراكي بسرعة، الكائن طلعت منه صرخة مش بشرية، صوت زي حديد بيتحك في بعضه مع صوت خنزير بيتذبح! الصوت هز أركان الشقة والزجاج بتاع الشبابيك اتشرخ!
​سيف وصل للباب قبلك بكسر من الثانية، فتح الترباس والأكرة ودفش الباب للشارع، وخرجتوا أنتم الاتنين للطرقة بتاعة الدور. الباب اترزع وراكم بفرقعة شديدة.
​أنتم الاتنين طايحين على الأرض في الطرقة، بتلهثوا كأنكم كنتوا بتجروا في ماراثون. النور بتاع الطرقة كان بيطفي ويقيد (يرعش).
​سيف بص لك وهو حاطت إيده على صدره وبيقول بصوت مقطوع: “أنتِ… أنتِ كويسة؟”
​”كويسة إيه يا بني آدم أنت!” صرختِ فيه والدموع نزلت من عينيكي خلاص: “إيه القرف دا؟! إيه المصيبة اللي أنا وقعت فيها دي؟! أنتوا مين والعمارة دي فيها إيه?!”
​سيف مسك دماغه: “والله العظيم ما أعرف! أنا ساكن هنا من سنة كاملة! الشقة دي كانت طبيعية جداً! أكرم ومصطفى أصحابي من الأيام الإبتدائي، جم يسهروا معايا عشان نلعب بلايستيشن… والله ما أعرف إيه اللي حصل ده!”
​وفجأة… صوت خبط شديد من جوة شقة سيف (رقم 7).
خبط على الباب من جوة!
​وصوت أكرم طالع من ورا الباب… بس الصوت كان صافي وهادي أوي، عكس الرعب اللي جوة: “سيف؟ أنت رح فين يا عم؟ افتح الباب… إحنا بنلعب جوة أنت خرجت ليه؟”
​وبعديه صوت مصطفى: “يا سيف افتح يا عم… البنت جارتك دي مشيت خلاص؟ تعالي كمل الماتش!”
​سيف اتسمر في مكانه، وبص للباب برعب. قرب من الباب بخطوات مرعوبة، وبص من العين السحرية…
​فجأة سيف رجع لورا ووقع على ظهره، وشه ابيض زي الملاية، وشاور لك بإيده وهو بترعش: “لا… لا… لا…”
​”في إيه يا سيف؟ شفت إيه؟!”
​سيف بلع ريقه بالعافية وبص لك بفرغ: “أنا… أنا شفت نفسي جوة! شفت نفسي قاعد مع أكرم ومصطفى بنلعب بلايستيشن وبنضحك!”
​أنتِ اتجمعتِ في مكانك، الرعب أكل دماغك. يعني إيه شاف نفسه جوة؟ أمكانيات العقل البشري مش قادرة تستوعب اللي بيحصل.
​وفجأة، النور بتاع الطرقة طفى خالص!
​ضلمة كحل. ما فيش غير صوت أنفاسكم المرعوبة.
​ومن أخر الطرقة… من ناحية الأسانسير المغلق من سنين… سمعتوا صوت خطوات منتظمة…
​”كعب جزمة” بيبتعد ويقرب… “تك… تك… تك…”
​سيف مسك إيدك في الضلمة، صوته كان بيرتعش على الآخر: “سما… شقتك فين؟”
​”شقتي رقم 6… جنبك على طول!”
​”معاكي المفتاح؟”
​أنتِ حسيتِ بجيب البنطلون… المفتاح مكانش موجود! أنتِ خرجتِ بالشبشب والترينج السريع لما الصوت أزعجك، والباب اترزع وراكي بالتكّة!
​”المفتاح… المفتاح جوة الشقة يا سيف! الباب اتقفل!”
​الخطوات بتاعة الكعب كانت بتقرب أكتر… “تك… تك… تك…”
​ومعاها صوت راديو قديم وشواش، طالع منه صوت مذيع بأداء درامي قديم جداً من الخمسينيات بيقول: “وسيداتي وسادتي… ننتقل الآن إلى نقل وقائع الجريمة البشعة التي شهدتها العمارة رقم 13…”
​سيف شدك من إيدك وقومك: “تعالي ورايا! ننزل السلم بسرعة!”
​جريتوا أنتم الاتنين في الضلمة ناحية السلم. النزول على السلم في الضلمة دي كان انتحار، بس الخوف كان زاققكم. نزلتم دور… اتنين… ثلاثة…
​بس الغريبة… إنكم كل ما تنزلوا دور… تلاقوا نفس اللوحة المعدنية المكتوب عليها: “الدور الرابع”!
​نزلتم تاني بفريرة… الدور الرابع!
نزلتم ثالث… الدور الرابع!
​سيف وقف وهو بينهث، مسك سور السلم الحديدي وقال بذهول: “إحنا في محبوسين في السلسلة! السلم مش بيخلص!”
​بصيتِ لفوق… وبصيتِ لتحت… السلم ممتد لفوق ولتحت لما لا نهاية، وضلمة ملهاش أول من آخر.
​وفجأة، صوت الكعب وقف.
​وقف فوق رأسكم بالضبط! على البسطة بتاعة الدور اللي فوقكم مباشرة.
​نظرتوا أنتم الاتنين لفوق…
​كان في ظل راجل لابس طربوش وبدلة كلاسيكية قديمة جداً، واقف على حرف السلم وبيطل عليكم. نوره الأبيض الخافت كان منور وشه…
​وشه مكانش فيه ملامح غير بق كبير ومفتوح على وسعه، وطالع منه نفس الصوت بتاع الراديو: “أهلاً بكم في العمارة… الزوار الجدد لا يغادرون أبداً…”
​سيف مسك إيدك بقوة وقال بصوت حاسم رغم الرعب: “سما… مفيش قدامنا غير حل واحد!”
​”إيه هو؟!” صرختِ فيه.
​”نرجع لشقتي… رقم 7!”
​”أنت مجنون؟! الشقة فيها الكائن دا وفيها أصحابك المزيفين!”
​سيف بص لك بنظرة غريبة، فيها يقين مرعب: “المكان الوحيد اللي فيه باب… هو الشقة. اللعنة دي مش هتسيبنا هنا. لازم نرجع للمكان اللي بدأت منه الكارثة!”
​قبل ما تترددي، الظل اللي بالطربوش نزل أول خطوة على السلم… والخطوة دي أحدثت صوت انفجار زي القنبلة!
​سيف مسك إيدك وبدأ يجري بيكِ لفوق… العكس! راجعين للدور الرابع!
​وصلتم للدور الرابع، شقة رقم 7 كان بابها مفتوح على المدار!
​الضوء الأحمر والخافت طالع منها، وصوت أغاني الدي جي الشعبي رجع يشتغل تاني بصوت عالي جداً يرم العظام!
​سيف زقك لجوة الشقة ودخل وراكي، وقفل الباب بالمفتاح المرة دي!
​أول ما دخلتوا… الصوت قطع فجأة!
​والصالة رجعت هادية.
​بس المرة دي… الترابيزة اللي في النص كان قاعد عليها ثلاثة أشخاص بيلعبوا بلايستيشن.
​الأولاني كان أكرم… والثاني كان مصطفى…
​والثالث… كان سيف!
​سيف اللي واقف جنبك ماسك إيدك، بص لنفسه اللي قاعد على الكنبة بذهول وذهول وشلل تام!
​سيف اللي قاعد على الكنبة ساب الذراع بتاع البلايستيشن، ولف وشه ببطء شديد ناحيتكم… ابتسم نفس الابتسامة الغليظة المستفزة وقال بصوت سيف بالضبط:
​”إيه ده؟ جارتنا الجديدة جابت نسخة ثانية مني معاها ولا إيه؟”
​أكرم ومصطفى لفوا وشوشهم هما كمان… بس وشوشهم مكانتش وشوش بني آدمين… كانت عبارة عن مرايات سودا بتعكس وشتِ أنتِ وسيف المرعوبين!
​سيف اللي جنبك بدأ جسمه يتلاشى ويتحول لدخان أسود، مسك إيدك بأخر ما عنده من قوة وهو بيصرخ: “سماااا! اجري! أنا مش سيف الحقيقي! أنا…”
​وقبل ما يكمل كلمته، اختفى تماماً من جنبك!
​أنتِ بقيتي واقفة لوحدك في نص الصالة.
​ثلاثة مجسمات بيقربوا منك ببطء… سيف المزيف، وأكرم ومصطفى اللي بوجوه المرايات السودا.
​سيف المزيف قرب منك، مد إيده ولمس خدك صباعه كان متلج… وبص في عينيكي بابتسامة مرعبة وشديدة السواد وقال:
​”كنتِ بتقولي إنك عايزة تنامي صح؟… هنا… محدش بيصحى أبداً.”
​وفجأة، الباب بتاع الشقة خبط من برة!
​تخبيطة سريعة ومظبوطة… نفس التخبيطة اللي أنتِ خبطتيها في الأول خالص!
​ومن برة الباب… سمعتِ صوتك أنتِ! صوت “سما” وهي بتقول بغضب من الشارع: “أنا بحاول أنام يا كابتن!”
​عينيكِ اتسعت من الصدمة، المتاهة الزمنية قفلت عليكِ! أنتِ محبوسة جوة اللحظة دي للأبد!
​سيف المزيف قرب من إذنك ووشوشك وهو بيضحك ضحكة شيطانية: “سمعتِ؟… دا دورك أنتِ المرة دي عشان تفتحي الباب!”جسمك اتجمد مكانك، الرعب شل كل حتة فيكي. الصوت اللي برة الباب كان صوتك أنتِ بالضبط.. بكل نبرة غضب وضيق كنتِ حاساها لما طلعتِ تشتكي من الدوشة.
سيف المزيف واقف قصادك، ابتسامته المرعبة عمالة تتسع لدرجة إن حواف بوقه قربت توصل لودانه، وغمزلك بعينه وقال بصوت فحيح: “يلا يا حلوة.. الجار للجار، مش عيب نسيب جارتنا الجديدة واقفة على الباب؟”
أكرم ومصطفى اللي بوجوه المرايات السودا قاموا وقفوا وراكي.. شفتِ انعكاس وشك المرعوب والدموع نازلة منه على الوجوه الزجاجية بتاعتهم. حسيتي بأنفاسهم الثلجية بتخبط في قفاكي.
التخبيط على الباب زاد: “إيه يا كابتن! مش هترد ولا إيه؟!”
أنتِ أخدتِ نفس مكسور، ورجليكي كانت بتترعش وهي بتتحرك غصب عنك ناحية الباب، كأن في خيوط خفية زي خيوط العرائس الماربيونيت بتسحبك. إيدك اتمدت للأكرة الرخام الباردة.. مسكتيها، وببطء شديد.. لفيتيها وفتحتِ الباب.
اللي شفتيه برة الباب خلي عقلك يوقف تماماً عن التفكير.
مكانتش أنتِ!
اللي واقفة برة كانت جثة محنطة، لابس بنفس ترينج البيت بتاعك، ووشها ملتف بلفافات قماش قديمة ومتهالكة زي المومياوات، ومن بين اللفافات دي كانت طالعة عين واحدة حمراء زي الجمرة الشعلة، وبتقول بنبرة صوتك أنتِ بالضبط: “أنا بحاول أنام!”
قبل ما تصرخي، إيد المومياء دي اتمدت وسحبتك من رقبتك لبرة الشقة ب do قوة غير بشرية، وترزعتِ على أرضية الطرقة. الباب اتقفل وراكي بفرقعة شديدة هزت الدور كله.
قعدتِ على حيلك وأنتِ بتكحي وبتتنفسي بالعافية، مسكتِ رقبتك اللي كانت بتتحرق مكان إيدها. الطرقة كانت ضلمة كحل، بس المرة دي.. مكانش في صوت كعب ولا صوت راديو.
كان في صوت.. “شوشرة” زي صوت التلفزيونات القديمة لما تقطع إشارة.
وفجأة، نور أحمر خافت اتفتح في أخر الطرقة.. كان نور الأسانسير!
الأسانسير اللي كان محطوط عليه يافطة “عطلان” ومسدوج بأسياخ حديد من سنين، باب الشبك بتاعه اتفتح ببطء وصوت صرير الحديد الصديء كان يوجع الضروس.
جوة الأسانسير.. كان في صندوق خشب قديم، زي صناديق الموتى.
صوت طالع من جوة الصندوق.. صوت سيف الحقيقي! بس الصوت كان طالع ضئيل ومكتوم كأنه تحت الأرض: “سما.. الحقيني! أنا جوة.. اللعنة محبوسة في الصندوق ده! لو قدرتي تفتحيه هنخرج إحنا الاتنين!”
أنتِ قمتِ وقفتِ على رجليكي بصعوبة، الخوف كان بيصرخ في عقلك إنك ما تتحركيش، بس أملك الوحيد في الخروج من الكابوس ده كان الصوت ده. خطوتِ خطوات مرعوبة ناحية الأسانسير.. كل خطوة تقربيها، ريحة رطوبة وعفن مقابر تبدأ تفوح في المكان.
وصلتِ لشبك الأسانسير.. مديتِ إيدك المسكينة وبدأتِ تفتحي الباب الحديد. الصرير كان بيكبر، والصندوق الخشب جوة بدأ يتهز ب do قوة، كأن في حاجة بترفص من جوة عايزه تخرج.
سحبتِ أكرة الصندوق الخشب وفتحتِ الغطا…
مكانش سيف جوة!
اللي كان جوة الصندوق.. كان مراية كبيرة جداً كاسرة الضلمة.
وفي المراية دي.. شفتِ شقتك أنتِ! شقتك الجديدة اللي سبتيها من ساعة!
شفتِ نفسك أنتِ الحقيقية.. نايمة على السرير في أوضتك، بتتنفسي بهدوء وغرقانة في نوم عميق، وشباك الأوضة مفتوح وبيدخل هواء الليل اللطيف.
فهمتِ الحقيقة المرة في ثانية واحدة..
أنتِ اصلاً.. عمرك ما قمتِ من السرير!
أنتِ ما صحيتيش على صوت الأغاني.. أنتِ ما لبستيش الشبشب.. أنتِ ما خبطتيش على شقة رقم 7!
كل اللي حصل ده.. كان الكابوس اللي سحبك من سريرك للبعد ده أول ما غمضتِ عينك في العمارة الملعونة دي!
صوت سيف المزيف ظهر ورا ودنك بالضبط، حاسّة بأنفاسه الثلجية، ووشوشك بنبرة مليانة شماتة: “عرفتِ السر؟.. العمارة دي مش بتسيب حد ينام.. اللي بيغمض عينه هنا.. روح بتسيب جسمه وتنزل عندنا في شقة رقم 7.. عشان نلعب بيه!”
أنتِ صرختِ بأعلى صوت عندك، ومديتِ إيدك للمراية تحاولي تلمسي نفسك النايمة عشان تصحيها، تحاولي تصرخي في أذنك النايمة عشان تفوقي من الكابوس ده..
أصابعك لمست سطح المراية الزجاجي.. وفجأة، المراية اتشرخت لمليون حتة!
شفتِ المومياء اللي بلباسك، وسيف المزيف، وأصحاب المرايات، والراجل اللي بالطربوش.. كلهم ملمومين حواليكي وبيضحكوا بصوت هيستيري هز مجرة العمارة كلها، وإيديهم كلها اتمدت في وقت واحد ومسكتك من كل ناحية وبيسحبوكي لجوة الصندوق الخشب!
أنتِ بتتسحبي للظلام المطلق.. بتصفي في القاع.. والدنيا بتسود…
وفجأة!
“شهقة” قوية أخدتيها وأنتِ بتقلبي على السرير!
فتحتِ عينيكِ بفرعة! قلبي كان بيدق زي الطبلة، وعرقك مغرق الملاية والترينج.
بصيتِ حواليكي.. أوضتك! شقتك الجديدة! النور الخافت بتاع الشارع داخل من الشباك، والهدوء التام يعم المكان.
أخدتِ نفس طويل، حطيتِ إيدك على صدرك وابتسمتِ بقلة حيلة وأنتِ بتقولي لنفسك: “الحمد لله.. كان كابوس.. كابوس بشع!”
قمتِ قعدتِ على السرير، مسحتِ العرق من على أونتك..
وفجأة..
سمعتِ صوت حركة خفيفة تحت السرير!
صوت “تكتكة” أظافر طويلة بتتحك في الخشب..
ومن تحت السرير.. اتمدت إيد أزرق داكن زي لون الجثث، ماسكة كارت صغير أبيض، وحطته على الأرض جنبك ورجعت اختفت تحت السرير تاني!
جسمك اتجمد مكانك، ونفسك اتقطع..
وبصيتِ للكارت الرعب بياكلك..
الكارت كان مكتوب عليه بدم أسود ناشف:
“شقة رقم 7.. البلايستيشن مستنيكي الماتش الجاي!”النفس اتقطع في صدرك، والدم اتجمد في عروقك. الكارت الأبيض اللي محطوط جنبك على الأرض بيميل لونه للأصفر، والدم الأسود الناشف المكتوب بيه كلمة “شقة رقم 7″ كان لسه بيطلع منه ريحة زفارة وعفن مقابر.
​كنتي قاعدة على طرف السرير مش قادرة حركي صباع واحد، عينيكي متنحة على الفراغ اللي بين مفرش السرير والأرض.. الفجوة الضلمة اللي اتمدت منها الإيد الزرقا من شوية.
​صوت ضربات قلبك كان عالي لدرجة إنك حسيتي العمارة كلها سامعاه.
​”أنا بصحى.. أنا أكيد لسه بحلم.. صحي نفسك يا سما!”
​قرصتي نفسك في دراعك بقوة.. وجع شديد حسيتي بيه، علامة حمرا ظهرت على جلدك.. أنتِ مش بتحلمي! أنتِ صاحية، والكارت الملعون ده محطوط جنبك على السرير حقيقة ملموسة!
​وفجأة..
​”تك.. تك.. تك..”
​صوت خبط خفيف خالص.. مش على باب الشقة.. ولا على شباك الأوضة.. الخبط كان طالع من الخشب بتاع ملل السرير من تحتك مباشرة!
​كأن في حد نايم تحت السرير ومستنيكي تردي عليه!
​أنتِ نطيتي من على السرير بصرخة مكتومة، واترميتي ناحية الحيطة البعيدة عند باب الأوضة. مسكتِ أكرة الباب وحاولتي تفتحيه عشان تجري لشارع.. الأكرة لفت في إيدك فاضي! الباب محشور ومكتوم كأنه اتلحم في الحلق بتاعه!
​ومن تحت السرير.. بدأ يطلع صوت راديو قديم وشواش.. نفس الصوت اللي سمعتيه في السلم الملعون:
“ونعود إليكم أيها السادة الحضور.. ونحييكم في سهرتنا الليلة من شقة رقم 7..”
​المفرش بتاع السرير بدأ يترفع ببطء من الجنب.. ورأس بني آدم بدأت تخرج من تحته!
​شعر نكش ومنعكش.. ووش سيف!
​بس الوش ده مكانش طبيعي.. الجلد كان مشدود على العظم بطريقة مرعبة، وعينيه الاتنين كانوا مقلوبين للبياض خالص، وابتسامة واسعة ومفتوحة بشكل غير آدمي رسمت على وشه وهو بيقول بصوت متقطع وزي الميكروفون الخربان:
“إيه يا جارتنا؟.. الماتش بدأ من غيرك.. مصطفى وأكرم مستنيين الدور!”
​أنتِ اتصرختِ بكل القوة اللي فاضلة فيكي، ضربتي الباب بكتفك مرة.. اتنين.. وفي المرة التالتة الباب اتفتح بفرقعة وشقك لبرة في الصالة!
​الصالة كانت ضلمة، بس نورا أزرق غريب طالع من تحت باب الشقة الرئيسي (باب شقتك رقم 6).
​جريتي على الباب وبمنتهى القوة فتحتيه وخرجتي للطرقة وأنتِ بتصرخي وبستنجدي بأي حد: “لحقووووني! يا نهار اسود يا جدعان!! الحقوووووني!”
​بس الطرقة كانت فاضية ومقفورة.. والهدوء فيها يقطع الخلف.
​واقفة بتلهثي، وفجأة بصيتي على باب الشقة اللي جنبك.. شقة رقم 7.
​الباب مكانش مقفول.. كان مفتوح على المدار.
​وجوة الشقة.. الصالة كانت منورة بنور دافئ ولطيف.. شاشات بلايستيشن شغال عليها لعبة كورة عادية جداً، وصوت ضحكات بني آدمين طبيعيين طالع منها!
​خرج من الباب شاب بنفس الملامح.. سيف! بس المرة دي وشه كان طبيعي، لابس تيشيرت قطن وبنطلون ترينج، ماسك في إيده كوباية شاي بنعناع، وبص لك بستغراب وذهول أول ما شافك واقفة بتترعشي وبتصرخي في الطرقة:
​”إيه ده؟!.. خير يا آنسة؟ في حاجة حصلت عندك في الشقة؟! أنتِ كويسة؟!”
​أنتِ رجعتِ لورا خطوتين من الصدمة، عيونك عمالة تتنقل بين وشه وبين الشقة.
​خرج وراه أكرم ومصطفى.. شبان طبيعيين جداً في العشرينات، بيبصولك بنظرات قلق واستهجان: “في إيه يا سيف؟ مين دي؟”
​سيف قرب منك خطوة بالراحة، ومسك كوباية الشاي بإيد واحدة ورفع الثانية كأنه بيهديكي: “يا آنسة اهدئي.. أنا سيف جارتك في شقة 7.. إحنا كنا بنلعب بلايستيشن وسمعنا صراخك.. في حد اقتحم شقتك ولا إيه؟!”
​أنتِ بلعتِ ريقك، ودموعك نازلة زي المطر، وشاورتِ على شقته بصوت بيرتعش: “أنت.. أنت من شوية.. والكارت.. واللي تحت السرير..”
​سيف بص لأصحابه بنظرة عدم فهم، وبعدين بص لك بابتسامة هادية وشفوقة وقال: “كارت إيه وتحت السرير إيه؟! يا آنسة أنتِ شكلِك كنتِ بتحلمي كابوس وحش أوي.. العمارة هنا هادية خالص ومافيهاش غيرنا أصلاً في الدور ده.. اهدئي خالص، تحبي نجيبلك كوباية مية؟”
​أنتِ بدأتِ تتنفسي ببطء.. معقول؟ معقول كل ده كان مجرد الجاثوم؟ الكابوس المركب اللي بيخلي البني آدم مش عارف هو صاحي ولا نايم؟
​أخدتِ نفس طويل ومسحتِ دموعك، وبصيتي لسيف وقلتي بصوت مهزوز: “أنا.. أنا آسفة جداً.. شكلها كانت خيالات وكابوس تقيل أوي.. آسفة إني أزعجتكم في نص الليل..”
​سيف ابتسم ابتسامة لطيفة جداً وقال: “ولا يهمك يا ستي.. تحصل في أحسن العائلات، حمد لله على سلامتك من الكابوس.”
​أنتِ اتنهدتِ براحة، ولفتِ ظهرك عشان ترجعي شقتك رقم 6..
​وفي اللحظة اللي لفتِ فيها ظهرك ومديتِ إيدك لأكرة باب شقتك..
​سمعتِ سيف من وراكي بيحط كوباية الشاي على الترابيزة.. وبصوت واطي جداً.. نبرة ثلجية خالية من أي مشاعر بشرية.. وشوش لأصحابه وقال:
​”أول ما تدخل وتقفل الباب.. اقفلوا اللعبة وشغلوا الشريط الأسود.. البنت بلعت الطعم.”الكلمات نزلت على ودنك زي المية المغلية!
​جمود تام أصاب جسمك.. إيدك اتسمرت على أكرة باب شقتك. النبرة اللطيفة اللي كان بيكلمك بيها سيف من ثانية واحدة تبخرت، وحل محلها صوت فحيح زي صوت تعبان في مغارة ضلمة.
​بدون ما تفكري، ولفتِ وادّيتيهم وادكي عشان تراجعي اللي سمعتيه…
​بس المشهد وراكي كان اتغير في لحظة!
​الثلاثة مكانوش واقفين على رجليهم.. سيف وأكرم ومصطفى كانوا متعلقين في سقف الطرقة زي الخفافيش! رقابيهم متدورة لورا 180 درجة، عينيهم بيضا خالص مفيهاش نني، وابتسامة شيطانية واسعة شاقة وشوشهم بالنص.
​سيف وهو متعلق فوق رراسك بالضبط، نزل راسه لقريب من وشك ووشوش بنبرة مرعبة: “اللعنة مش بتسيب حد يا سما… العمارة دي مبنية على مقبرة، واللي بيدخلها… بيبقى جزء من اللعبة!”
​أنتِ ما استنيتيش!
​بدل ما تدخلي الشقة وتتقفلي على نفسك وتتحاصري، أخدتي قرار خطير في كسر من الثانية… لفتِ ظهرك وجريتِ على السلم بسرعة جنونية!
​صوت صريخ مرعب وراكي هز العمارة كلها، وصوت خطوات مكتومة وكتيرة عمالة تنزل السلم وراكي بتجري بكل قوتها… “تششش… تششش… تششش!”
​بتنزلي السلم دور… اتنين… ثلاثة…
الدور الثالث… الثاني… الأول!
​المرة دي السلم ما حبسكيش! الخوف الحقيقي والرفض التام للعضلات والهروب فتح لك الباب!
​وصلتي لمدخل العمارة الرئيسي، باب الكريتال الحديد الكبير كان مقفول بسلسلة.. ضربتِ السلسلة بكوعك بكل طاقتك، السلسلة اتقطعت والباب اتفتح بفرقعة، واترميتِ لبرة في الشارع!
​وقعتِ على الإسفلت، الشارع كان فاضي ونور كشافات الشارع الأبيض بينور المكان. نسيم الفجر البارد خبط في وشك، وصوت عربية معدية من بعيد أكد لك إنك أخيراً… في العالم الحقيقي!
​قعدتِ على حيلك بتلهثي وتصرخي وتعيطي، وجسمك كله بيتنفض.
​بصيتِ لورا… على واجهة العمارة رقم 13 اللي لسه ناقلة فيها.
​العمارة كانت ضلمة كحل ومطفية بالكامل… ماعدا شباك واحد بس في الدور الرابع!
​شباك شقة رقم 7.
​كان منور بنور أزرق خافت، وورازجاج الشباك… كان واقف خيال سيف، وواقفين جنبه خيالين تانيين، عمالين يلوحوا لك بإيديهم من بعيد وبيبتسموا…
​وفي إيدك اللي كنتِ قافلة عليها بقوة طول ما أنتِ بتجري… حسيتِ بورقة ملموسة.
​فتحتِ إيدك بالراحة وأنتِ بتترعشي…
​كانت نفس الكارت الأبيض، بس المرة دي الدم الأسود كان لسه طري وبينقط، ومكتوب فيه:
​”الماتش يخلص لما إحنا نقول إنه خلص… أشوفك في الحلم الجاي يا سما.”
​سحبتِ نفسك بالعافية وجمعتِ أخر نقطة قوة فيكي، وقمتِ بتجري في الشارع الضلمة بعيد عن العمارة الملعونة، وحلفتِ إنك عمرك ما هترجعي للمكان ده تاني… بس السؤال اللي بياكل دماغك وأنتِ بتجري في الشارع: هو أنتِ فعلاً صحيتي… ولا دي مجرد مرحلة ثانية في اللعبة؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *