عشق العطار

زين فتح الباب بنفسه ونزل، الشمسية في إيده. قرب منها، وغطاها بالشمسية، وكانت ريحة برفانه البرفيوم القوي طاغية على ريحة المطر. بصلها في عينها مباشرة وقال: “الجو برة يمرض، ومفيش تواكس هتعدي في المطر ده دلوقتي. اركبي، أنا أوصلك الشغل التاني بتاعك.”
سما فتحت عينها على آخرهم بذهول: “أنت.. أنت عرفت منين إني رايحة شغل تاني؟”
زين ابتسم ابتسامة خفيفة، وفتح لها باب العربية اللي ورا: “أنا بعرف كل حاجة عن الحاجات اللي تهمني. اركبي ومش هنتكلم في الشارع.”
ركبت سما وهي خايفة وترتعش، مش بس من البرد، بس من وجوده. العربية من جوة كانت دافية وريحتها جلد فاخر ومريحة. زين ركب جنبها ورا، وقفل الباب، وقال للسواق: “على عمارة الحاجة فاطمة في جاردن سيتي يا عم حسنين.”
سما بصتله بذهول أكتر: “أنت مراقبني؟”
زين اتعدل في قعدته، وبصلها بجدية: “مش مراقبة.. اهتمام. بقالي أسبوع اختفيت عشان كنت بظبط شوية شغل، وعشان كمان أشوف هل غيابي هيفرق معاكي ولا لأ. وواضح من لغة عينيكِ لما شفتيني إنك كنتِ مستنياني.”
سما وشها احمر وودت وشها الناحية التانية تبص على المطر: “أنا بس.. كنت خايفة أكون زعلتك في آخر مرة.”
زين ضحك بصوت واطي، صوت خفيف وهادي يجنن: “تزعليني؟ أنتي بالكلام اللي قولتيه ده خلتي العذاب اللي بشوفه في شغلي طول اليوم يختفي. أنتي متخيلة إن كلمة منك قطعت أسبوع كامل من التفكير؟”
سما سكتت، وقلبها كان بيدق بسرعة رهيبة. زين كمل وهو بيبص لإيدها اللي بتترعش من البرد: “أمك عاملة إيه في المستشفى؟”
هنا سما اتجمدت.. الدمعة تجمع في عينها: “أنت عرفت عن أمي كمان؟”
زين حط إيده على إيدها بالراحة، ولمسته كانت دافية وأمان مش طبيعي: “أنا عارف كل حاجة يا سما.. عارف إنك بشتغلي 16 ساعة في اليوم، عارف إنك بتشيل حمل جبال لوحدك، وعارف إنك أجدع بنت أنا قابلتها في حياتي. ومبقاش ينفع أسيبك تشيلي كل ده لوحدك.”
سما سحبت إيدها بشويش، وقالت بنبرة فيها كبرياء: “أنا بعرف أشيل نفسي يا زين باشا. أنا مش شحاتة، ولا مستنية حد يعطف عليا.”
زين عينيه حادت شوية، بس كان فيها حنية كبيرة: “مين سيرة العطف؟ أنا بتكلم عن راجل شاف بنت حلال وشريفة ومحترمة، وعايزها في الحلال. أنا مش بعطف عليكِ، أنا بطلب إيدك.”
الكلمة نزلت على سما زي الصاعقة. الكلمة رنت في العربية والهدوء ساد لحظات، ومفيش غير صوت المطر اللي بيضرب في الزجاج.
زين كمل وهو بيتكلم بثقة وثبات: “أنا زين العطار.. الشغل والفلوس والمناصب تحت رجلي، بس بقالي شهور بدخل الكافيه ده بس عشان أشوف ابتسامتك.. عشان أسمع صوتك. أنا مش عايز واحدة عشان مظاهر اجتماعية، أنا عايز اللي تدفي بيتي وتصون اسمي.. عايزك أنتي يا سما.”
العربية وقفت قدام عمارة الحاجة فاطمة. السواق وقف ونزل الشمسية.
سما بصت لزين وهي مش مصدقة، حاسة إنها في حلم أو في فيلم: “أنت بتتكلم جد؟ أنت عارف الفروق اللي بيننا؟ أنتي ابن العطار، وأنا شغال في كافيه وأمي مريضة..”
قاطعها زين وهو بيحط صباعه على شفايفها بشويش: “الفروق دي في دماغي أنا بس لو سمحت بيها.. وأنا قفلت الدفتر ده. أنتي بكره هتاخدي إجازة من الشغل، وأنا هكون عند والدتك في المستشفى، ومعايا الحج والعيلة عشان نطلب إيدك رسمي.”
سما نزلت من العربية ودماغها بتلف، دخلت العمارة وهي حاسة إن رجليها مش شايلها. طوال الليل، وهي بتراعي الحاجة فاطمة، عقلها مش مع الشغل، عقله مع زين العطار، نظرة عينيه، وصوته وهو بيقول “أنا عايزك أنتي يا سما”.



