الحيطه نفسها اتحركت

الحيطة نفسها اتحركت، وظهر من وراها ممر ضلمة طالع منه صوت همس.. الصوت ده مكنش غريب عليا، ده كان صوت حماتي، دوحة الأصول، الست اللي كانت بتقولي “الست الأصيلة متبعيش جوزها”، كانت واقفه جوه الممر ده وماسكة في إيدها ورق كتير، وبتبص لرامي وللدكتورة رانيا بنظرات كلها غل وجشع، وقالت بصوت واطي بس حاد زي الموس: “خلصونا بقى.. البت فاليريا مشيت ومسافرة إسكندرية، والبيت مفيش فيه صريخ ابن يومين، امضي يا رامي على ورق البيع والتنازل بتاع المخزن والأرض اللي باسمها عشان نخلص، المحامي واقف تحت ومستني الإشارة، مش هقعد أنا ألعب دور الأم الحزينة أكتر من كده، أنا ركبي فوتت من القعدة جمبك والنبي الحارس”.
رامي نفخ دخان سيجارته في الهوا ببرود يقهر، ومسح شعره لورا وضحك، الضحكة اللي كنت بموت فيها زمان، بس المرة دي نزلت على قلبي زي مية النار، قالها: ” جرا إيه يا أمي؟ اهدى شوية، ست سنين نايم في السرير ده بمثل إني جثة عشان اللحظة دي، مش هنيجي على آخر كام ساعة ونبوظ الطبخة، رانيا مظبطة كل حاجة، والبت فاليريا مغفلة ومبتشكش في حاجة، دي كانت بتبكي فوق راسي كل يوم الصبح وتطلب السماح.. غبية.. فاكرة إن الحادثة كانت بسببي، ومش عارفة إننا كنا مرتبين كل حاجة عشان لما أموت إكلينيكيًا، كل قرش باسمها يجي تحت رجلينا بالبطيء من غير ما حد يشك فينا”.
رانيا حطت إيدها على بطنها اللي بدأت تظهر فيها علامات الحمل، وقالت بدلع يغث النفس: “حبيبي، أنا رتبت مع المستشفى تقرير جديد، هنقول إن حالته تدهورت فجأة ومات، بس الأول لازم العقود دي تتمضي، البيع والشراء للفيلا دي والمخازن لازم يخلص الليلة، والتوكيل اللي فاليريا عملتهولك زمان قبل الحادثة هو اللي هيخلصنا، أنا مش هسيب ابني يتولد وأبوه مستخبي ورا دولاب في أوضة ضلمة”.
أنا كنت واقفة ورا الستارة، دموعي مكنتش بتنزل، دموعي كانت بتتحرق جوه عيني، النفس اللي كنت باخده كان بيجرح حنجرتي كأنه قزاز مكسور، ست سنين.. ست سنين من عمري، من شبابي، من صحتي، كنت ببيع اللقومة من بوقي عشان أدفع مصاريف علاج رامي، كنت بمنع نفسي من اللبس، من الخروج، من الفرحة، كنت بنام على الكرسي الخشب جمب سريره وإيدي في إيده عشان لو اتحرك ثانية أحس بيه، وفي الآخر؟ رامي مش عيان.. رامي كان صاحي.. رامي كان بياكل ويشرب ويلبس بوكسرات ماركة وينام مع الدكتورة بتاعت الصدمات العصبية ورا الدولاب بتاعي! وفي بيتي! وبفلوسي!



