رسالة منى

«عملت إيه؟» رانيا سألتني وهي بتترعش.
«جبت حقنا يا رانيا.. حق العيال وحقنا في السنين اللي ضاعت.. كل حاجة خلصت قانوناً، وبكرة الصبح الحجز هيتشال وهما اللي هيدوروا على واسطة عشان ميتسجنوش».
العربية اتمشت في شوارع المحلة الفاضية، والجو كان هادي، حسيت بـ جبل انزاح من على صدري.
وصلنا البيت، شيلت مروان وسجود ودخلتهم أوضتهم، وبست راس كل واحد فيهم. رانيا راحت المطبخ تعمل لنا شاي عشان نهدى بعد اليوم المرعب ده.
قعدت على الكنبة في الصالة، وبصيت على الثلاجة.. الكارت الأصفر بتاع سجود اللي مكتوب فيه “كل سنة وأنتي طيبة يا تيتة لبنى” كان محطوط، والقلوب المعوجة كانت بتنور تحت إضاءة المطبخ الخفيفة.
تليفوني رن تاني.. افتكرت إنه أشرف أو حد من أهلي بيستعطفني. بس الرقم كان غريب جداً.. رقم دولي.
رديت بـ استغراب: «ألو؟»
جالي صوت راجل كبير في السن، صوته فيه بحة تعب وخوف، بس النبرة هزت كياني كله: «حسن.. أنا عمك عبد الرحمن.. أخو أبوك الحاج حامد.. اللي قالولك إنه مات في العراق من عشرين سنة».
جسمي كله قشعر، وقفت في نص الصالة: «عمي عبد الرحمن؟ عمي مات! أبويا طلعله شهادة وفاة من سنين عشان يورث نصيبه في أرض المنصورة!».
الراجل على الناحية التانية بكى بـ قهر: «أبوك وزور شهادة وفاتي يا حسن عشان ياخد الأرض.. وأنا كنت محبوس هناك في قضايا سياسية والكل فاكرني مت. أنا رجعت مصر من أسبوع وعرفت كل حاجة.. وعرفت إن الشقة اللي أنتوا قاعدين فيها، والشقة اللي أبوك عايش فيها، هما في الأصل ملكي أنا وبـ اسمي أنا في السجل العقاري القديم، وأبوك نقل ملكيتهم بـ ورق مزور برضه لما افتكر إني مش راجع! حسن.. أنا مش عايز أئذي أولاد أخويا.. بس أبوك لازم يدخل السجن، والبيت كله لازم يتخلى بكرة.. هما.. وأنت كمان يا حسن.. قدامكم ٢٤ ساعة تفضوا الشقق لأن التنفيذ القضائي بـ طردكم هيطلع بكرة الصبح!».
قفل السكة.. والتليفون وقع من إيدي على الأرض اتكسر ميت حتة.
رانيا خرجت من المطبخ وهي شايلة صينية الشاي، شافت وشي اللي بقى أبيض زي الورقة وعيني المبرقة في الفراغ، الصينية وقعت من إيدها والكوبايات اتدشدشت على الأرض.
«حسن.. في إيه؟ مالك؟»
بصيت لها وأنا مش قادر أتنفس.. الحكاية مخلصتش.. الحكاية يلا بدأت، والبيت اللي كنت بحارب عشان أدفع قسطه وعشان أثبت حقي فيه.. طلع مبني على باطل.. وإحنا بكرة الصبح.. هنترمى في الشارع!



