بعد سنتين غياب

​”يا بيه، مش محتاج شغالة؟ أنا بعمل أي شغلانة.. بنتي مأكلتش من الصبح.”

​وقفت مكان أول ما الست رفعت راسها تبص لي.

​دي كانت مراتي!

الست اللي اختفت من سنتين من غير أي أثر.

​كانت واقفة تحت مطر نوفمبر التلج، مبلولة ومكتكتة، ومطوقة بإيدها طفلة صغيرة نايمة في حضنها على كتفها بسلام.

​وبصوت مرعوش ومبحوح، همست لي:

“أمك هي اللي خطفتني.. وفهمت الكل إني مُت.”

​ابتسامة باردة اترسمت على وشي.

من غير ولا كلمة، طلعت تليفوني من جيبي وطلبت الشرطة فوراً.

قبل نص الليل، هتكون أمي في الكلبشات.

​لقاء غير متوقع

​”يا بيه، مش محتاج شغالة؟ أنا مستعدة أعمل أي حاجة.. بنتي هتموت من الجوع.”

​الست كانت واقفة تحت تندة الفندق اللي أنا نازل فيه، غرّقها مطر نوفمبر الساقع، وحاضنة بنت صغيرة نايمة وضمّاها لصدرها جامد.

​كنت خلاص هعدي من جنبها ومشي.

بس هي رفعت راسها وبصت لي.

الزمن وقف بيا في اللحظة دي.

​”خديجة؟!”

​شفايفها تترعش. كان فيه أثر كدمة دبلانة على جنب من وشها، وشعرها مقصوص ومتبهدل.. الست الشيك الأنيقة اللي كنت عارفها، كان باين عليها كأنها كبرت عشرين سنة.

​همست وهي خايفة: “مروان.. أوعى تبين أي رد فعل. أمك حاطة ناس بتراقب المكان.”

​البنت الصغيرة اتحركت في حضنها براحة.

بنتي!

كان باين إن عمرها يقرب من سنة، وده معناه إن خديجة كانت حامل وهي بتختفي.

​فتحت باب الفندق وعليت صوتي عشان اللي واقفين يسمعوا:

“المطبخ جوه ممكن يكون محتاج إيد مساعدة فعلاً.. تعالي ورايا.”

​من غير ما ألفت الانتباه، دخلتهم الصالة (اللوبي). كل غريزة جوايا كانت بتصرخ عشان أضمهم لحضني، بس جبرت نفسي أكون هادي وثابت.

​أول ما دخلنا جناح البنتهاوس فوق، قفلت الباب بالمفتاح، ونزلت الستائر كلها، ووقعت على ركبي قدامها بالراحة.

​خديجة حطت البنت في حضني بحرص وهي بتهمس:

“سميتها فريدة.”

​خيوط المؤامرة

​بقالي سنتين بتخيل اللحظة دي في كوابيس مابتخلصش.

خديجة وهي ميتة..

خديجة مدفونة تحت اسم حد تاني..

خديجة بتناديني من مكان مستحيل أوصل له.

​أمي، “فوزية”، كانت عملت جنازة وعزا بعد ما الشرطة لقت عربية خديجة محروقة، ومعاها تقرير أسنان مزور بيقول إن الجث..ة بتاعتها.

دي حتى كانت بتاخدني في حضنها وتطبطب عليا وأنا بانهار من العياط!

​خديجة قالت بصوت واطي: “هي اللي خطفتني.. أمك دفعت فلوس للدكتور اللي عمل التقرير المزور عشان يغير البيانات. وحبستني في فيلا مقفولة برا البلد. ولما عرفت إني حامل، قالت إن البيبي ده هيعقد حوار الميراث والتركة.”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *