شقه ابني

دموعي نزلت غصب عني وكملت: “أنا مش عايزة أكسر فرحتها بالهدية اللي تعبت فيها يا أحمد.. يكفي الكسرة اللي أنا سببهالها البارح. رجعهالها وخلي بينكم السر ده، وعشان خاطري ما تحرمهاش من الفرحة اللي كانت منتظراها”.
ابني بص للشنطة اللي في إيدي، وبعدين بص لوشي وشاف الدموع والندم الحقيقي اللي آكل قلبي. ملامحه هديت شوية لكن القسوة ما اختفتش تماماً، مد إيده وأخد الشنطة بالراحة، وتنفس بصوت عالٍ وطويل وقال: “ماشي يا أمي.. هطلع أحطها مكانها وسرنا مش هيخرج، بس مش عشان خايف على زعلها وبس.. عشان كمان عايزك تشوفي بنفسك النية الصافية لما تتسلم بكرامة، وتعرفي قد إيه الظن السيئ يخرب البيوت”.
أخد الشنطة وطلع، وأنا قعدت على السلم أسمع خطواته وهو طالع.. حسيت بتقل انزاح من على صدري شوية، بس كان فاضل الثقل الأكبر: إزاي هبص في وش البنت دي لما تنزل، وإزاي هقدر أرد لها اعتبارها وأصلح اللي اتكسر في قلبها وقلب ابني.
مرت الأيام والبيت هادي، بس الهدوء كان يوجع أكتر من الزعيق. شيماء طالعة نازلة، تتصرف بقمة الأدب والذوق، تسلم عليا وتسأل عن صحتي بكل احترام، بس كان فيه حاجة اتكسرت.. النظرة اللي فيها حب ودفا زمان اتغيرت وبقت مجاملة رسمية، كأنها بتتعامل مع غريبة. وأنا كل ما أشوفها، قلبي يتقطع من الندم وأقول لنفسي: “يا ريتني كنت افترضت الخير بدال الغل والشك اللي عماني”.
وجاء يوم عيد الأم.. من أول ما صحيت وأنا قاعدة في الصالة، قلبي بيدق بسرعة كأني مستنية محاكمة. بنتي دخلت عليا بباقة ورد صغيرة وبستني على رأسي وقالتلي: “كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي”، وبعدها بشوية سمعنا خطوات على السلم.. خطوات ابني وشيماء نازلين سوا.
دخل ابني وباس إيدي ورأسي وقال: “كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي، ربنا يخليكي لينا وما يحرمناش منك”.
وراه على طول قربت شيماء، كانت مبتسمة ابتسامة رقيقة وصافية، وفي إيدها الشنطة إياها.. الشنطة اللي بكتني أيام! قربت مني، وقعدت على ركبتها قدامي زي ما بنتي عملت معاها يوم الفرح، وحطت الشنطة في حضني وقالت بصوت مليان حنية وأصل: “كل سنة وأنتِ طيبة يا حماتي، ويا رب تعيشي وتجيبي لنا وتجمعينا.. أنا عارفة إن ذوقي بسيط، بس العباية دي أول ما شفتها قولت دي مش هتليق ولا تزهى غير على ست الحبايب. يا رب تعجبك وتعيشي وتدوبي”.




