شقه ابني

شيماء بصت للبنت، وحست بصدق كلامها ودموعها، ووفائها اللي مالوش ذنب في كبرياء أمها. تنهدت بتعب ومسحت دموعها، وطبطبت على إيد بنتي وقالت لها بصوت حنين: “نشفي دموعك يا حبيبتي.. قومي البسي فستانك وخدي حاجتك وروحي افرحي مع صاحبتك”.

بنتي بصتلها بصدمة ومش مصدقة، فردت شيماء بابتسامة مكسورة: “أنا زعلي ما كانش منك، ولا عمري كنت هستخسر فيكي فستان ولا جزمة ولا أي حاجة في دولابي.. أنتِ زي اختي الصغيرة، ولو كنتِ طلبتي مني قبل ما أسافر كنت هطلعلك أحسن ما عندي وأجهزك بإيدي. كل اللي وجعني هو إن بيتي اتفتح وحاجتي اتخدت من غير علمي كأني غريبة، والأسوأ إن ظنكم فيا كان سيئ وأنا شايلالكم الخير. قومي يا حبيبتي البسي وروحي فرحك، ما تخليش نكد الكبار يضيع عليكِ يومك، بس بعد كده لما تعوزي حاجة اعرفيني واطلبيها مني بنفسك.. عينيا ليكي”.

بنتي حضنتها بدموع وقالت لها: “ربنا يخليكي ليا يا شيماء.. أنتِ أصيلة أوي وإحنا ما نستاهلش قلبك الأبيض ده”.

نزلت بنتي بعد ما أخدت الفستان بإصرار من مرات أخوها، ودخلت شقتي وهي مش مصدقة النبل والأصل اللي أظهرته شيماء. بصتلي وقالتلي: “شفتي يا أمي؟ البنت اللي كنتِ فاكرة إنها استخسرت فيكي عباية، سامحتني وخلتني أروح الفرح، وقالتلي عينيا ليكي لو طلبتي.. أظن كده عرفتي مين فينا اللي كان نيته وحشة ومين اللي قلبه أبيض”.

الكلام ده نزل عليا أشد من الضرب، حسيت إني صغرت أكتر وأكتر قدام نفسي، واخدت درس في الأدب والأصل من بنت كنت فاكرة إني بأكسرها، فطلعت هي الأكبر والأعظم بكرامتها وأخلاقها.

ثاني يوم الصبح، البيت كان ساكت سكوت يوجع، ولا حد نازل ولا حد طالع، وأنا قاعدة من الفجر العباية فى حضنى مش قادرة أحطها على جنب ولا قادرة أحط عيني في عين حد. على الساعة خمسة بعد الظهر، سمعت خطوة ابني وهو راجع من شغله، خطوته كانت ثقيلة ومهمومة ومش هي دي خطوته اللي متعودة عليها.

مسكت الشنطة بالعباية وقومت وقفت ورى الباب، وأول ما فتح باب الشقة عشان يدخل، وقفته بصوت مكسور وواطي: “أحمد.. تعالى يا ابني لحظة”.

بصلي بنظرة جافة فاضية من أي حنية، ودخل خطوتين جوة الصالة من غير ما يسلم ولا يقول كلمة. مديت إيدي بالشنطة وأنا بصة في الأرض ومش قادرة أرفع عيني فيه، وقولتله ونبرة صوتي بتترعش: “خد يا ابني العباية دي معك وأنت طالع.. حطها مكانها في دولابها بالظبط زي ما كانت ملفوفة. واعمل خاطري ويا ريت ما تقولهاش إني عرفت ولا تقولها أي حاجة خالص.. سيبها لما ييجي عيد الأم وتجيبهالي بإيدها وتفرح بيتي، وأنا والله هعمل نفسي ما شفتهاش قبل كده ولا أعرف عنها حاجة، وهفرح بيها من قلبي كأني بكتشفها لأول مرة”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *