وقف العرق

ما رديتش.
وبعد نص ساعة… سمعنا خبط هستيري على باب الشقة!
خبط متواصل، وصوت بكاء ورجاء من ورا الباب.
فتحت الباب بالراحة… لقيت إسلام واقف على العتبة.
هدومه متبهدلة، وشّه أسود من الكسفة والتعب، عينيه أحمر من كتر البكاء.
وقع على أركانه قدام الباب، ومسك رجل نوال وهو بيصرخ ويبكي زي العيل الصغير: “سامحيني يا أمي! سامحيني والله العظيم ما كنت أقصد! أنا كنت غبي ومسحور بكلامها! سامحيني يا أمي ارفعي عني اللعنة دي.. الناس في الشارع والميديا بياكلوا فيا.. شغلي هيروح ومستقبلي هيدمر!”
نوال بصت له.
في لحظة… حسيت إن قلب الأم الحنين هيتحرك. حسيت إنها ممكن تمد إيدها الملفوفة بالشاش وتطبطب عليه وتسامحه.
بس نوال سحبت رجلها بالراحة من تحت إيده.
بصت له بنظرة هادية جداً… نظرة أتقل وأقسى من مية صرخة غضب.
قالت له بصوت هادي ومجروح: “أنا مش زعلانة منك يا إسلام.. لأن الزعل بيبقى على الغاليين.. وأنت النهارده بعتني ورخصت بيا عشان شوية كراسي بلاستيك وأكل مسامط.. أنت ما كسرثش قلبي بس.. أنت مسحت كل سنة تعبت فيها عشان أربيك.”
إسلام صرخ: “يا أمي عشان خاطري امسحي البوست! التليفونات مش بتبطل رن! أصحاب شغلي والمدير باعتينلي مسجات بيهددوني بالطرد! امسحي البوست واللايف!”
بصيت له وقلت له بمنتهى القسوة والهدوء: “المنشور مش هيمسح يا إسلام.. الكلام اللي بيتكتب على النت ممكن يتمسح، بس الوجع اللي حطيته في قلب أمك وإيدها المحروقة مش هيمسح بحبة مسح.”
“بابا أرجوك!”
قلت له: “اخرج برة يا إسلام.. الباب ده اتأفل خلاص.”
زقيته بالراحة برة الشقة وقغلت الباب في وشه.
سمعنا صوته وهو بيخبط بقلة حيلة وبعدين صوت خطواته وهي نازلة على السلم وهو بيبكي بكاء الندم اللي جه بعد فوات الأوان.
تاني يوم الصبح…
الشمس طلعت على شبرا. نوال صحيت، وشها كان هادي ومستريح لأول مرة من فترة طويلة. المحل بتاعنا “مطبخ أم أحمد” اتفتح، والناس كانت طوابير واقفة قدامه بتطلب أكل نوال بالاسم، والفرن الجديد الصاج وصل لحد باب المحل ومدفوع ثمنه بالكامل من حب الجدعان.
وفجأة… وأنا واقف قدام المحل بساعد نوال…
وقفت عربية تاكسي.
نزلت منها جنى… حفيدتنا.
كانت ماسكة في إيدها شنطة هدوم صغيرة، ووشها باكي. جرت على نوال واترمت في حضنها وهي بتعيط: “تيتا! أنا سِبت البيت عند بابا وماما.. أنا مش هعيش معاهم تاني.. أنا جاية أعيش معاكي هنا وأتعلم منك الشغلانة وأقف جنبك في المطبخ!”




