وقف العرق

وقف العرق سرد في زوري، ورجلي ما بقتش شيلاني. بصيت لنوال مراتي وهي واقفة في نص الصالة، وسط الموائد اللي كأنها شواهد قبور مرصوفة. وشهّا كان أبيض زي الملايات اللي فرشتها، وإيديها الملفوفة بالشاش كانت نازلة جنبهَا بقلة حيلة وترتعش. التعب بتاع أربع وعشرين ساعة شغل متواصل، والتصلب اللي في ضهرها، والحرارة اللي أكلت جلود صوابعها… كل ده اتداس عليه بجزمة شيماء قدام الخمسة وسبعين ضيف، وإسلام ابننا واقف زي التمثال، بيبص في تليفونه ومستني الباب يتقفل عشان يهرب.
الباب اتقفل. الرزعة ردت في حيطان الشقة وفي قلبي.
سكتنا. السكوت كان أتقل من الجبال. الملوخية اللي طالع بخارها، وطواجن البامية، وعرق الروستو، وتورتة الشوكولاتة الكبيرة اللي مكتوب عليها “كل سنة وأنتي طيبة يا جنى” بالكريمة البمبي… كل حاجة كانت محطوطة بنظام، زي ما نوال قضت طول الليل ترتبها بسعادة.
قربت من نوال بالراحة. مدت إيديها وحاولت تشيل غطا طاجن، بس إيدها التانية خانتها ومقدرتش تمسك المساكة. التفتت ليا، وعيونها اللي عاشت معايا أربعين سنة كانت مليانة دموع مش راضية تنزل.
“عملت حاجة غلط يا حاج؟” سألتني بأسلوب يتكسر له الحجر. “الأكل ريحته مش حلوة؟ ولا الفرن لسع الكيكة؟ أنا… أنا عملت كل اللي شيماء طلبته والله. حطيت الفلفل الألوان زي ما قالت، وما حطيتش سمنة بلدي في شوربة البنت اللي مابتاكلش دسم… أنا مشيت على الورقة حرف حرف.”
صوتها كان بيترعش. الدبوس اللي كان ماسك طرحتها وقع على الأرض، وما حاولتش ترفعه.
قلت لها بصوت مكتوم وأنا بحاول أتمالك نفسي: “الأكل زي الفل يا نوال. الأكل برقبتهم كلهم.”
“أمال مشيوا ليه؟” دموعها نزلت أخيرًا، كأنها سد واتهد. “عشان الكراسي بلاستيك؟ ما إحنا طول عمرنا بنقعد على الكراسي دي في لماتنا! عشان الشقة في شبرا مش في التجمع؟ إسلام كبر وتربى في الصالة دي… جنى مشيت يا حاج.. مشيت وما داقش حتى الخروب اللي بتحبه.. ولا داقوا البطاطس اللي إسلام كان بيموت فيها وهو صغير…”
انهارت على الكرسي البلاستيك الأحمر اللي شيماء تريقة عليه. حطت وشها بين إيديها الملفوفة بالشاش وقعدت تبكي بصوت مكتوم، صدمة خيانة ابنها ليها كانت أكبر من وجع الحرق اللي في صوابعها.
أنا ما بكتش.
الدم كان بيغلي في عروقي بضغط مش طبيعي. حسيت بنغزة في صدري، بس ماسك نفسي بالعافية. بصيت للتليفون اللي في إيدي. التليفون ده اللي أنا بشقَى بيه على العربية الصبح وبالليل، التليفون اللي فيه جروب العيلة، وفيه صفحة “مطبخ أم أحمد” اللي بنسترزق منها ونجمع منها القرشين، وفيه جروبات أصحاب المنطقة، وجروبات التاكسي والأوبر، وكل معارف المنطقة وسكان شبرا ومصر كلها.


