طوق نجاه

الشقة هديت فجأة، مفيش غير صوت دقات قلبي اللي بتجري زي خيل مبروك، وصوت المية اللي بتنزل مني على الأرض بتعلق مع كل نفس باخده. شاهندا وأمها لموا حاجتهم في ثواني، سمعت صوت رقعة الباب وراهم، والبيت بقى فجأه واسع وضلمة ومخيف. كنت مرمية في الطرقة بين المطبخ والحمام، مش قادرة أتحرك، الوجع مش مغص عادي، ده كان زي سكاكين ميتة بتقطع في ضهري وبطني.
بصيت على الكاميرا الصغيرة اللي فوق باب المطبخ، اللمبة الزرقا بتاعتها كانت بتطفأ وتطفي، يعني لسه شغالة بتنقل كل دقيقة وكل صرخة وكل نقطة دم نزلت مني لـ “سيرفر” أحمد في دبي. غمضت عيني ودعيت: “يارب، أحمد يشوف الإشعار.. يارب أحمد يفتح الموبايل”.
حاولت أزحف، السيراميك كان ساقع بس الوجع اللي جوايا كان بيغلي. مديت إيدي بالعافية تحت دولاب المطبخ، صوابعي اتعورت من حافة الخشب الناشفة، بس كنت بدور على التليفون.. التليفون هو طوق النجاة الوحيد. لمسته بأطراف صوابعي، شديته براحة، الشاشة كانت مشروخة بس نورت، مكتوب عليها: “تم إرسال تقرير الطوارئ ومقطع الفيديو إلى الرقم الأساسي”.
أول ما شوفت الكلمتين دول، حسيت بوجع الولادة بيزيد ضعف، صرخت صرخة هزت حيطان الشقة، وفقدت الوعي.
مفقتش غير على صوت خبط ورزع مرعب على الباب، وبواب العمارة، عم حسن، بيزعق برة: “يا ست ياسمين! يا ست ياسمين! أحمد بيه كلمني من دبي وقالي اكسر الباب!”.
سمعت صوت خشب الباب وهو بيتحطم، وبعدها خطوات كتيرة بتجري في الطرقة. عم حسن شهق لما شافني: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إلحقونا يا ناس، المدام بتولد والدم مغرقها!”. المسعفين دخلوا ورايا، شالوني على النقالة وأنا بين الحياة والموت، عينيا كانت بتفتح وتغمض، وشايفة خيالات، بس حاجة واحدة كانت واضحة في دماغي.. الغل اللي شوفت في عين شاهندا وحماتي.
في عربية الإسعاف، المسعف كان حاطط ماسك الأكسجين على وشي وبيقول لزميله: “النبض ضعيف جداً، والولادة مبكرة بسبب صدمة أو ضربة، كلم المستشفى يجهزوا غرفة العمليات حالاً، دي حالة تسمم حمل وإجهاض منذر!”. أنا كنت سامعة كل كلمة، وكنت بضم إيدي على بطني وبقول في سري: “عيالي لاء.. يارب احميهم”.
وصلنا المستشفى في المهندسين، الدنيا كانت مقلوبة، دكاترة وممرضين بيجروا بالنقالة في الممرات، وقبل ما الباب المقفول بتاع العمليات يقفل، شوفت خيال حد بيجري في الممر وهو بينهج وعرقه مغرقه.. كان أحمد!



