التابوت

اللي كان جوة النعش مكانش جثة نيرمين أصلاً، دي كانت صدمة العمر اللي جمدت الدم في عروق كل اللي واقفين.. النعش مكنش فيه جثة كفنها أبيض، النعش كان مليان قوالب طوب أسمنتي تقيلة، ومتربطة بسلاسل حديد جنزير عريضة مصدية، وفي وسط الطوب ده كانت محطوطة هدمة قديمة من هدوم نيرمين، بلوزة غرقانة دم ناشف ومحروقة من الأطراف!
​المدافن اتقلبت مأتم تاني خالص، صوت صريخ أم نيرمين شق السكون وهي بتلطم على وشها “بنتي فين؟ بنتي فين يا طارق؟”، الناس بدأت تتلفت حوالين نفسها، والهرج والمرج زاد، الشغالين بتوع المدافن تراجعوا لورا وأسلحتهم في إيديهم من الخوف، والشيخ اللي كان هيشرف على الدفن قعد يستغفر ربنا وهو مش مصدق عينيه. وسط كل الهيصة دي، طارق ملامحه اتقلبت تماماً، مكنش باين عليه ذهول.. كان باين عليه رعب قاتل، رعب واحد سرّه اتمسك قدام الدنيا كلها، وشه بقى أصفر زي الليمونة، وعينه بقت تروح وتيجي على الناس، وبدأ يرجع لورا خطوة خطوة وعيونه على المخارج بتاعة المدافن.
​أبو نيرمين، الراجل العجوز اللي كان هيموت من قهرته، قفش في رقبة طارق من قميصه بكل عزم وزعق في وشه وصوته طالع مكسور ومبحوح “بنتي فين يا طارق؟ إنت دفنت مين في المستشفى؟ وإيه اللي في النعش ده؟ انطق يا ابن الكلب مراتي فين؟!”، طارق زق إيد الراجل العجوز وهو بيتلعثم في الكلام “وأنا إيش عرفني؟ أنا استلمت الجثة من المشرحة زي ما هي متكفنة! المستشفى هي اللي لعبت في الجثة.. أو بتوع المغسلة!”، بس الكلام مكنش داخل دماغ حد، لأن طارق هو اللي أصر يغسلها في مكان برة المستشفى، وهو اللي أشرف على قفل النعش بنفسه ومنع أي حد من أهلها يبص عليها نظرة الوداع بحجة إن “الحادثة شوهت وشها وميرضيش ربنا تشوفوها كدة”.
​في ثواني، كان خال نيرمين، وهو راجل شديد وبيشتغل في الحكومة، طلع تليفونه وطلب البوليس، وقال بنبرة مفيهاش هزار “محدش يتحرك من مكانه، المدافن دي مقفولة لحد ما البوليس ييجي، والموضوع ده وراه جريمة”. أول ما طارق سمع سيرة البوليس، مأستناش ثانية، زق أبو نيرمين بكل قوته على الأرض، وجري بأقصى سرعة ناحية الباب العمومي للمدافن، وسط ذهول وصرخات الناس، الشباب جربوا يجروا وراه بس هو كان زي المجنون، ركب عربيته الـ “كيا” اللي كانت مركونة على الصف، ودور الموتور بأعلى صوت، وطلع أمريكاني وسط عفرة التراب، واختفى في ثواني على الطريق السريع.
​ساعتين زمن، وكانت المدافن عبارة عن ثكنة عسكرية، عربيات البوليس محوطة المكان، ورجال المباحث والنيابة مغرقين المدافن، ووكيل النيابة واقف قدام النعش المفتوح بيعاين الطوب والسلاسل والهدوم الغرقانة دم، وطلب فوراً حرز الهدوم دي عشان تترحل على الطب الشرعي لمعاينة البصمات وتحليل الـ DNA، وتم إصدار أمر ضبط وإحضار فوري لطارق، وتشكيل فريق بحث يقلب عليه مصر كلها.
​التحريات بدأت من المستشفى اللي نيرمين دخلتها بعد الحادثة، رئيس المباحث، المقدم حازم، راح بنفسه المستشفى ودخل مكتب المدير، وبدأ يستجوب الممرضين والدكاترة اللي كانوا في النبطشية ليلتها، والمفاجأة الأولى بدأت تظهر لما دكتور الطوارئ قال “يا فندم، حالة نيرمين لما جت كانت صعبة فعلاً، بس مكنتش ميتة، وجوزها أصر ينقلها مستشفى خاص بحجة إن الرعاية هنا مش عاجباه، ومضى على إقرار خروج على مسؤوليته الشخصية، وأخدها في عربية إسعاف خاصة هو اللي طلبها بنفسه، ومن ساعتها معرفناش عنها حاجة!”.
​المقدم حازم حس إن الخيط بدأ يوضح، رجع لدفاتر شركة الإسعاف الخاصة، واكتشف إن طارق مأخدش نيرمين على أي مستشفى تانية، العربية نزلتهم قدام فيلا معزولة في أطراف مدينة الشيخ زايد، وهي الفيلا اللي طارق ونيرمين متجوزين فيها من سنتين.
​في نفس الوقت، كان تقرير المعمل الجنائي وصل لمكتب المقدم حازم، والتقرير نزل عليه زي الصاعقة: “الدم اللي على البلوزة اللي كانت في النعش هو فعلاً دم نيرمين، بس القطوع اللي في البلوزة مش قطوع حادثة عربية.. دي طعنات بآلة حادة، والبلوزة فيها آثار مادة كاوية (مية نار)!”.. هنا الصورة بقت واضحة تماماً، مفيش حادثة عربية من الأساس، دي جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد، والنعش مكنش فيه جثة لأن الجثة لسة مخفية في مكان تاني!
​قوة من المباحث طلعت فوراً على فيلا الشيخ زايد، وكسروا الباب ودخلوا، المكان كان هادي وضلمة، وريحة المعطرات مغرقة الصالة بس كانت في ريحة تانية غريبة مدارية ورا ريحة الورد، ريحة كتمة وموت. فتشوا الفيلا حتة حتة، لحد ما وصلوا للمطبخ اللي في الدور الأرضي.. المطبخ كان نضيف وزي الفل، بس عين المقدم حازم لقطت حاجة غريبة.. الأرضية الباركيه في زاوية المطبخ كانت مرفوعة شوية، وتحتها في أثر لأسمنت جديد لسة منشفش تماماً.
​حازم شاور للعساكر “هاتوا كوريك واكسروا هنا”، وفعلاً بدأوا يكسروا الأسمنت، ومع كل ضربة كانت الريحة بتزيد وتطلع صعبة ومخيفة، لحد ما ظهر كيس بلاستيك أسود حجمه كبير جداً ومتربط بحبال تخينة، فتحوا الكيس بحذر.. وكانت الصدمة، جثة نيرمين كانت جوة، مشوهة تماماً بمية النار ومطعونة كذا طعنة في بطنها وصدرها، طارق قتلها ودفنها تحت بلاط المطبخ، وعمل مسرحية الحادثة والنعش الفاضي عشان يقفل القضية ويهرب بالفلوس!
​بس طارق فين؟ تليفونه مقفول وعربيته اختفت من على كل الكاميرات بعد ما دخل طريق الإسكندرية الصحراوي. المقدم حازم قعد في مكتبه يفكر، طارق مش غبي، ومخطط لكل حاجة، أكيد مش هيهرب جوة مصر وهو عارف إن صوره ملت الكمائن، أكيد مرتب يهرب برة البلد، وبما إنه اختفى على الصحراوي، يبقى غالباً مستخبي في شاليه من شاليهات الساحل الشمالي أو الإسكندرية لحد ما يلاقي طريقة يهرب بيها بمركب هجرة غير شرعية أو يزور باسبور.
​حازم أمر بتفريغ كاميرات البوابات على طريق مصر إسكندرية الصحراوي في الساعة اللي طارق اختفى فيها، وقعد يراجع الساعات واللوحات لحد ما لقط عربية طارق وهي بتعدي من بوابات الرسوم يدوب قبل ما البلاغ يتوزع بـ 10 دقايق، بس العربية مكملتش للإسكندرية، العربية انحرفت ودخلت في مدق ترابي ناحية منطقة وادي النطرون، وهي منطقة جبلية وفيها مزارع كتير ومستودعات مهجورة.
​قوة مكبرة من الأمن المركزي والمباحث طلعت في نص الليل على وادي النطرون، العربيات ماشية من غير أنوار عشان متلفتش الانتباه، والكل ماسك سلاحه ومستعد للمواجهة. وصلوا لمزرعة قديمة وسورها مهدود، وجواها بيت صغير مبني بالطوب الأحمر، وعربية طارق كانت مركونة ورا شجرة جميز كبيرة ومدارية بالخوص.
​المقدم حازم أدى إشارة الهجوم.. “اضرب!”، العساكر كسروا الباب ودخلوا بضرب نار في الهواء “اثبت مكانك يا طارق!”. طارق كان قاعد في الضلمة، على سرير قديم، وفي إيده طبنجة ميرى، أول ما شافهم صرخ زي المجنون وبدأ يضرب نار عشوائي على القوة، رصاصة جت في كتف عسكري، بس حازم بلمح البصر ضرب طلقه جات في رجل طارق، وقعته الأرض والسلاح طار من إيده.
​العساكر هجموا عليه وكلبشوه وهو بيصرخ ويتلوى من الألم والخوف “أنا مقتلتهاش.. هي اللي استفزتني.. هي اللي كانت عايزة تاخد كل حاجة!”.
​في غرفة التحقيق بقسم الشرطة، طارق كان قاعد مكسور، عينه في الأرض، والكلبشات في إيده، وقدامه المقدم حازم ومسجل الصوت شغال. حازم بص له بقر ف وقال “اتكلم يا طارق.. خلاص مفيش مفر، نيرمين لقيناها تحت بلاط المطبخ، والنعش الفاضي كشفك قدام الدنيا، قولي ليه عملت كدة في بنت ناس آمنتك على نفسها؟”.
​طارق أخد نفس طويل وبدأ يتكلم وصوته بيرتعش “الفلوس يا فندم.. الفلوس بتعمي النفوس. نيرمين ورثت عن عمها اللي مات في أمريكا ثروة كبيرة، أرض وفلوس في البنك تقدر بملابين. أنا شركتي كانت بتفلس وعليا ديون وشيكات وهدخل السجن، طلبت منها تديني الفلوس عشان أسدد ديوني ونبدأ من جديد، بس هي رفضت.. قالت لي الفلوس دي أمانة ومستقبل عيالنا اللي لسة مجوش، وإني طماع ومبشبعش. الخناقات زادت بينا، ويوم الجريمة الشيطان دخل بيننا، كنا في المطبخ وكنت بترجاها تديني توكيل أتصرف في الأرض، ولما زعقت في وشي وقالت لي إنت مش راجل وأنا هطلق منك.. مشفتش قدامي، مسكت سكين المطبخ وطعنتها.. طعنتها كتير لحد ما وقعت في دمي”.
​سكت شوية ودموعه نزلت بس مكنتش دموع ندم، كانت دموع حسرة على نفسه “بعد ما ماتت، خفت.. خفت جداً من الإعدام. قعدت ليلة كاملة بفكر هعمل إيه؟ فكرت أدفنها في المدافن بس كان لازم تصريح دفن وشهادة وفاة، وأنا مكنش معايا وقت. فجرت في دماغي فكرة شيطانية.. سحبت الجثة وحفرت تحت بلاط المطبخ ودفنتها، ورشيت عليها مية نار عشان ريحتها متطلعش بسرعة، وصبيت فوقيها أسمنت. تاني يوم، رحت عملت بلاغ كاذب في القسم إن عربيتها اتقلبت بيها على الدائري وهي راجعة، وبمعارفي وفلوسي قدرت أطلع شهادة وفاة مزورة وتصريح دفن من دكتور مرتشي من غير ما حد يشوف الجثة. وجبت النعش وحطيت فيه الطوب والسلاسل عشان يدي نفس وزنها ومحدش يشك، وكنت فاكر إن الخطة كاملة ومحدش هيكتشفها.. مكنتش أعرف إن الطمع هيقع في شر أعماله، وإن النعش هيقع من الشغالين والسر كله يتكشف في لحظة!”.
​المقدم حازم قفل المحضر وهو حاسس بقرف شديد من البني آدم اللي قدامه، وتم إحالة طارق للنيابة العامة ومنها لمحكمة الجنايات بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وتزوير أوراق رسمية.
​وفي يوم النطق بالحكم، المحكمة كانت زحمة جداً، أهل نيرمين كانوا قاعدين في الصف الأول ومعاهم صورها، وطارق واقف ورا قفص الاتهام وشه في الأرض والكل بيناظره بنظرات كره. القاضي مسك الأوراق، وبص لطارق بنظرة حاسمة، ونطق الحكم اللي ريح قلوب الكل: “حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء، بمعاقبة المتهم طارق بالظلم والإعدام شنقاً عما أسند إليه من اتهامات، وإحالة أوراقه لفضيلة المفتي”.
​قاعة المحكمة اتقلبت بصوت الزغاريد والصريخ من أهل نيرمين “يحيا العدل.. حقك رجعلك يا نيرمين يا بنتي!”. طارق انهار في القفص وقعد يبكي ويصرخ بس خلاص.. الندم مبيصلحش اللي انكسر، والطمع أخره دايماً حبل المشنقة. نيرمين أخيراً اتدفنت في قبر حقيقي، بحضور أهلها اللي دعوا لها بالرحمة، والقصة دي بقت عبرة لكل حد يفتكر إن الجريمة الكاملة موجودة.. لأن دايماً في تفصيلة صغيرة، زي كعب رجل يتكعبل في تراب، بيسقط القناع ويكشف الحقيقة العريانة.وبعد كام شهر من صدور الحكم، وفي ليلة شتا باردة وممطرة، كان طارق قاعد في زنزانته الانفرادية بالبدلة الحمراء.. بدلة الإعدام. السجن كان هادي مفيش فيه غير صوت الهوا اللي بيصفر برة، وصوت نقط المطر اللي بتخبط في الشباك السلك الضيق العالي. طارق مكنش بينام، الخوف كان واكل قلبه، وكل ما يغمض عينه يشوف مشهد النعش وهو بيقع في المدافن، ويشوف وش نيرمين وهي بتبص له قبل ما تطلع روحها.
​الساعة دقاتها كانت مسموعة وبتعد الثواني اللي فاضلة له في الدنيا. فجأة، سمع صوت خطوات رجلين تقيلة بتقرب من باب الزنزانة، الخطوات كانت منتظمة وبتعمل صدى صوت يرعب في الممر الفاضي. طارق قام وقف على رجليه وجسمه كله بيرتعش، عارف إن الخطوات دي في الوقت ده من الليل معناها حاجة واحدة بس.. تنفيذ الحكم.
​الباب الحديد اتفتح بصوت مزعج، ودخل مأمور السجن ومعاه الشيخ والجلاد “عشماوي” اللي لابس أسود في أسود وماسك في إيده الكلبشات. المأمور بص لطارق ببرود وقال له: “خلاص يا طارق، أمر التنفيذ جه، لو ليك أي طلب أو عايز تقول وصية قبل ما تقابل ربنا”. طارق دموعه نزلت بغزارة، وركبه خانته وقعد على الأرض يصرخ: “سامحيني يا نيرمين.. يارب ارحمني، أنا مش عايز أموت، مش عايز أموت!”.
​الشيخ قرب منه وهداه وبدأ يخليه ينطق الشهادتين وهو بيردد وراه بصوت مخنوق ومقطوع، وبعدها الجلاد قرب وسحب إيديه لورا وكلبشها جامد، وأخدوه وسط حراسة مشددة ومشوا بيه في الممرات الضلمة لحد ما وصلوا لأوضة الإعدام. الأوضة كانت باردة جداً، وفي وسطها طبلية خشبية نازل من فوقيها حبل المشنقة التخين والمشنشل.
​طارق أول ما شاف الحبل صرخ صرخة هزت جدران السجن، بس العساكر شدوه وطلعوه فوق الطبلية، والجلاد لبسه الكيس الأسود على راسه وحط حبل المشنقة حوالين رقبته وضبط العقدة ورا ودنه. المأمور وقف ومسك الورقة الرسمية وقرأ نص الحكم للمرة الأخيرة، وبعدها شاور بإيده للجلاد.
​الجلاد مسك الذراع الحديدي، وشدّه بقوة.. في ثانية واحدة اتفتحت الطبلية تحت رجلين طارق، وجسمه سقط في الفراغ، وانتهت حياته وحكايته للأبد، وأخد جزاءه العادل في الدنيا قبل الآخرة.
​الصبح طلع، والنيابة صرحت لأهل طارق باستلام جثته عشان يدفنوها، وبالمصادفة، مكنش فيه مكان متوفر غير في نفس المدافن القديمة اللي شهدت الفضيحة الكبيرة. في نفس اليوم العصر، وصلت عربية الموتى ومعاها كام فرد بس من قرايبه اللي كانوا ماشيين ورا النعش ووشوشهم في الأرض من الخزي والعار، مكنش فيه حد بيبكي عليه، ولا حد زعلان، الجنازة كانت شبه مهجورة.
​أربعة من العمال بتوع المدافن—مش الشباب القدام، دول ناس جديدة متصرفين—قربوا من النعش عشان يشيلوه ويدخلوه الممر اللي فيه المقبرة. مسكوا النعش من جوانبه، ولسة بيرفعوه.. فجأة العمال كلهم صرخوا ورجعوا لورا، والنعش وقع منهم على الأرض تاني!
​النعش مكنش راضي يترفع من الأرض، كأنه لزق في التراب، وكل ما يحاولوا يشدوا عزمهم يحسوا إن الوزن بيزيد أضعاف وأضعاف، لدرجة تخلي الظهر ينقطم. واحد من العمال القدام اللي شهدوا واقعة نيرمين كان واقف بعيد، أول ما شاف المنظر، جسمه قشعر ووشه ابيض من الرعب، رجع لورا خطوة ورا خطوة وهو بيشاور على النعش وبيهمس بصوت مرعوب: “التراب.. التراب مش عايزه.. الأرض رافضة تشيله!”.
​الناس اللي ماشية في الجنازة اتجمدوا في مكانهم، والكل بدأ يرجع لورا وخوف غريب ملوش تفسير سيطر على المكان، والنعش فضل مركون على الأرض وسط سكون قاتل، زي ما يكون اللعنة لسة مستمرة، والقصة لسة رافضة تتقفل.. تعالي يا سما أقولك السر اللي ظهر بعد كدة في التحقيقات واللي صدم الكل!الناس كلها بدأت تتراجع لورا والرعب أكل قلوبهم، والعمال رفضوا يلمسوا النعش تاني وهم بيمسحوا عرقهم وإيديهم بترتعش. قرايب طارق اللي كانوا حاضرين بقوا مش عارفين يعملوا إيه، المنظر كان مهيب ويخوف، النعش مركون على الأرض زي ما يكون حتة من جبل مش راضي يتزحزح.
​وسط حالة الذهول دي، خال نيرمين كان جاي المدافن بالصدفة عشان يقرأ لها الفاتحة، أول ما شاف اللمة وعرف إن دي جنازة طارق وإن النعش مش راضي يتشال، قرب بخطوات ثابتة ونظرته كلها قوة، وبص لقرايب طارق وقال بصوت جهوري سمعه كل اللي واقفين: “مستغربين ليه؟ ده عدل ربنا في الأرض قبل السماء.. اللي حط الطوب والسلاسل في نعش بنت ناس عشان يداري جريمته، ربنا بيوريكم آيته وفضيحته حتى وهو ميت.. شيلوا قذارته من هنا، المدافن دي فيها ناس طاهرة ومفيش مكان لقاتل!”.
​قرايب طارق من كثر الكسوف والخوف، جابوا عمال تانيين من برة وطلبوا منهم يجروا النعش جر على الأرض من غير ما يترفع، ودفنوه في أطراف المدافن في حتة مقطوعة، والكل جري وسابه من غير حتى ما حد يقف يدعي له بكلمة واحدة.
​بعد الليلة دي، المدافن رجع لها هدوءها، وبقت قصة نيرمين وطارق سيرة بتتصارع بيها الأجيال في المنطقة، عن الراجل اللي افتكر نفسه أذكى من البشر ونسي إن عين ربنا مبتنامش. وأم نيرمين وأبوها بقوا ييجوا كل جمعة، يقعدوا جنب قبر بنتها الحقيقي، يزرعوا صبار ويسقوا الورد، وهم حاسين بالراحة لأن حق بنتها رجع تالت ومتلت، والعدالة أخدت مجراها بالملّي.
​وانتهت حكاية طارق ونيرمين، وبقت عبرة لكل عين تقرأها: إن الجريمة مهما استخبت ورا أسمنت أو حديد، مسيرها تنكشف.. ولو بكعب رجل يتكعبل في وسط المدافن!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *