رهان القلوب ١بقلم سمسمه

شريف قفل السكة مع والده وهو بيضحك وعيونه لمعت بانتصار حقيقي، وكأنه لسه كسبان أكبر صفقة في حياته، في حين أنا كنت قاعدة متنحة، جسمي كله اتخشب ونظراتي متثبتة على شاشة تليفونه اللي قفلت. الهوا في حديقة الأزهر فجأة حسيت إنه اتسحب من قفصي الصدري، والضحكة اللي كانت مالية وشه بدأت تتحول لعلامة استفهام وهو بيبصلي ويقرب وشه مني زيادة: “مالك يا سما؟ وشك جاب ألوان ليه؟ مش دي الشقة اللي كنتِ طالباها؟ أهو شقة وعليها شريف كمان، عرض مايترفضش أظن!”
​حاولت أجمع ثباتي الانفعالي اللي اتبعثر في ثانية، زقيت كتفه بعيد عني ووقفت بسرعة، وأنا بعدل فستاني وبحاول أبان قوية زي عادتي: “أنت أكيد اتجننت يا شريف! جواز إيه وبابا إيه اللي بتكلمه؟ أنت فاكر الموضوع لعبة؟ أنا كنت بتكلم عادي، يعني…” سكتت وملاقيتش كلام أقوله. هقوله إيه؟ إني كنت بحاول أطمعك عشان تزهق مني وتسبني؟ إني بقالي ست سنين بمثل دور البنت المادية اللي بتجري وراء قرشك عشان تمل وتجري؟
​شريف وقف هو كمان، حط إيديه في جيوب بنطلونه وبصلي بنظرة هادية جداً، نظرة خلتني أترعب لأول مرة. النظرة دي ماكنتش نظرة الشاب المراهق اللي جريت وراه البنات في الكلية، دي كانت نظرة راجل فاهم كويس هو بيعمل إيه، وواثق من كل خطوة. قرب مني خطوة واحدة، وطى رأسه شوية عشان يوازن طوله مع طولي، وقال بنبرة صوت واطية ورخيمة تخترق الودن: “ست سنين يا سما.. ست سنين وأنا بنفذ لك كل طلباتك من غير ما أقول لأ. آيفون، فساتين، دهب، ميكب.. فاكراني مغفل؟ فاكراني مش فاهم أنك كنتِ بتطلبي الحاجات دي عشان تكسري مناخيري وتخليني أقولك فكك مني؟ أنا كنت بشوف نظرة التحدي في عينك كل ما الحاجة تجيلك في أقل من ساعتين، وكنت بتبسط، عارفة ليه؟ عشان كل طلب كنتِ بتطلبيه كان بيثبتلي أنك لسه قافلة قلبك، وأنا معنديش مشكلة أشتري وقت زيادة عشان أفتح القفل ده. بس شقة؟ شقة يعني بيت، وبيت يعني إحنا مع بعض، ودي الإشارة اللي كنت مستنيها من ست سنين، ومش هضيعها من إيدي”.
​الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. الراجل ده قاريني؟ قاري كل ألاعيبي ومجاريها وهو بيضحك في سره؟ حسيت بكرامتي بتتوجع، وفي نفس الوقت بالخوف من اللي جاي. لويت بوزي ودرت وشي الناحية الثانية وقلت بنبرة حادة: “أنت واثق في نفسك زيادة عن اللزوم على فكرة. أنا وافقت أبقى معاك عشان أخلص من زنك وقرفك، ومش معنى إني طلبت شقة إني دايبة في دباديبك. الجواز ده مش هيتم يا شريف، ريح نفسك”.
​سبته ومشيت بخطوات سريعة وواسعة، كعب جزمتي كان بيخبط في أرض الحديقة بقوة وكأني بفرغ غضبي فيه. كنت مستنية يركض ورايا، يمسك إيدي، يعتذر، أو حتى يستفزني كالعادة، بس لما بصيت ورايا قبل ما أخرج من البوابة، لقيت واقف مكانه، مربع إيديه، وبيتفرج عليا وعلى عصبيتي بابتسامة هادية وواثقة.. ابتسامة بتقول “هتلفي وترجعيلي”.
​رجعت البيت في المطرية وأنا دماغي هتنفجر من كتر التفكير. دخلت شقتنا الصغيرة، لقيت أمي قاعدة في الصالة قدام التلفزيون وبتعمل محشي كالعادة، والريحة مالية المكان. أول ما شافتني ووشي مقلوب، حطت الصينية على التربيزة وقالتلي: “مالك يا بنتي؟ وشك عامل زي اللي ضارب مقلوب ليه؟ متخانقة مع شريف تاني؟”
​ترميت على الكنبة بتعب ودفنت وشي بين إيديا: “أمي، شريف كلم والده وعايزين يجوا يخطبوني رسمي بكرة.. وبيقول جواز عل طول!”
أمي زغرطت فجأة لدرجة إني اتنفضت من مكاني: “يا ألف نهار أبيض! وأخيراً الواد نطق؟ ده أنا كنت قايلة إنه هيموت ويمتلكك يا سما، ست سنين صابر عليكي وعلى دلالك يا مقصوفة الرقبة، ده لو واحد غيره كان طفش من زمان!”
​بصيت لأمي بذهول: “يطفش؟ ده أنا كنت بتمناه يطفش يا ماما! أنتي مش عارفة شريف ده بدأ معايا إزاي؟ ده كان واخدني درع ورهان، رهان قدام شلة البنات بتوعه!”
أمي سابت المحشي وقعدت جنبي، طبطبت على كتفي بنظرة حكيمة وعاقلة: “يا بنتي، الراجل لو مش شريكي وعايزك بجد، ماكنش قعد ست سنين يستحمل قرفك وطلباتك اللي تودي في داهية. الواد بيحبك، وأنتي كمان بتحبيه بس بتكابري عشان كبريائك الغبي ده. بطلي نشافية دماغ يا سما، شريف ابن ناس وشريك وشاريكي بالغالى”.
​كلام أمي وجعني لإنه حقيقي، أنا بكابر. بس في سر تاني، سر قديم ومستخبي جوة دولابي، سر لو شريف عرفه، الست سنين دول كلهم هيتحولوا لرماد في ثانية.
​تاني يوم بالليل، البيت كان مقلوب. أمي مسحت الشقة وخليتها بتبرق، وعملت شربات ورد وسبريزو، وأخويا الصغير كان لابس قميص وبنطلون ومستعد يستقبل “جوز أخته” المستقبلي. أما أنا، فكنت واقفة قدام المراية بلبس فستان زيتي هادي، بحط كحل خفيف، وإيديا بتترعش. كنت مرعوبة من اللحظة دي.
​الساعة جرس الباب رن. أمي جريت تفتح، ودخل شريف ووراه والده، الراجل الوقور اللي باين عليه الهيبة والثراء، الحاج أحمد المنصوري، رجل أعمال معروف في السوق. شريف كان لابس بدلة كحلي متفصلة عليه مخصوص، وحالق دقنه ومظبط شعره، وريحة برفانه سبقت خطواته للمكان. أول ما عينه جت في عيني وهو داخل الصالة، غمزلي بخبث من وراء والده، حرك شفايفه بكلمة: “منورة يا عروسة”.
​قعدنا كلنا، والكلام بدأ رسمي. الحاج أحمد كان راجل دمه خفيف وبشوش، اتكلم مع أمي وأخويا بكل احترام، ومحسسناش أبداً بفرق المستوى المادي بيننا. شريف كان قاعد بيمثل دور الشاب العاقل المؤدب، وكل شوية يبصلي نظرات خفت تلاحظها أمي.
​”بصي يا أم سما”، الحاج أحمد قال وهو بيشرب الشربات: “شريف ابني ما تعبش في حياته قد ما تعب عشان يقنع الآنسة سما توافق عليه. وأنا جاي وشاري، ومش هنختلف على أي حاجة. الشقة موجودة وجاهزة في التجمع، والشبكة اللي تختارها سما، والفرح في أكبر فندق في مصر الشهر الجاي لو وافقتوا”.
​أمي كانت هبطير من الفرحة، وأخويا هز رأسه بالموافقة، وشريف بصلي وقال بنبرة مليانة خبث: “ها يا سما؟ عندك أي شروط مادية تانية؟ أصل أنا جاهز لأي طلب.. زي ما أنتي عارفة”.
كنت عايزة أقوم أضربه في وشه. النبرة بتاعته كانت مستفزة، وكأنه بيقولي “وريني هتعملي إيه دلوقتي يا بتاعة الآيفون والدهب”.
بصيت لوالده وقلت بصوت واضح: “أنا موافقة يا عمو.. بس عندي شرط واحد”.
الكل سكت، وشريف رفع حاجبه باهتمام: “إيه هو الشرط؟”
قلت ببرود وثبات مصطنع: “الجواز ده يكون بـ ‘وصل أمانة’ بمؤخر صداق مليون جنيه، يتكتب دلوقتي قبل ما نقرأ الفاتحة”.
​أمي شهقت وبصتلي بصدمة، وأخويا برق عينه، والجو في الصالة فجأة بقى مكهرب. المليون جنيه في الوقت ده رقم كبير جداً، والطلب نفسه فيه إهانة وثقة مفقودة. أنا عملت كده قاصدة، قلت في سري “أهو أبوه يشوفني مادية وطماعة ويرفض الجوازة ويخد ابنه ويمشي”.
​الحاج أحمد بص لشريف عشان يشوف رد فعله، وشريف فض الموقف بضحكة عالية جداً، ضحكة رجت الصالة. طلع قلم من جيب بدلته، وسحب ورقة بيضاء كانت على التربيزة، وكتب بخط يده: “أقر أنا شريف أحمد المنصوري أنني ملتزم بدفع مؤخر صداق قدره مليون جنيه لزوجتي سما…” ومضى عليها وبصلي وهو بيقدم الورقة: “مليون جنيه بس يا سما؟ أنتي رخيصة نفسك أوي النهاردة.. عموماً، الورقة أهي، نقرأ الفاتحة بقا؟”
​وقفت مذهولة. الراجل ده مش طبيعي! مش بيهمه الفلوس؟ مش بتهمه كرامته قدام أبوه؟ أبوه نفسه ابتسم وقال: “ابني شاري يا بنتي، والفلوس تروح وتيجي بس شريف مش هيلاقي زي سما”. قرينا الفاتحة، والزغاريد اشتغلت، وأنا حاسة إني بدخل قفص حديد بقفل ملوش مفتاح، وبإرادتي الكاملة.
​بعد أسبوعين، كنا واقفين في الشقة الجديدة في التجمع. الشقة كانت عبارة عن قصر مصغر، عفش مودرن، ألوان هادية، وكل ركن فيها معمول بذوق عالي جداً. شريف كان واقف ورايا، ولف إيديه حوالين وسطي ودفن رأسه في كتفي زي ما عمل في الحديقة: “ها يا ست البنات؟ الشقة عجبتك؟ ولا لسه مادية وبتفكري في سعر المتر هنا كام؟”
​التفتت ليه، وكنت لسه هرد عليه ببرود، بس لقيت عيونه مليانة حنان حقيقي، نظرة خلت قلبي يدق بسرعة لأول مرة من ست سنين. سألت نفسي: أنا بجد لسه أكرهه؟ ولا التمثيلية دي طولت لدرجة إني صدقتها؟
شريف قرب وشه مني وهمس: “سما.. أنا عارف أنك مش مادية. وعارف أنك طلبتِ المليون جنيه عشان أرفض وأمشي. بس أنا مش همشي. أنا بحبك من أول يوم زقيتيني فيه في حوش الكلية وقلتِ لي ‘واحد زيك’. أنا من يومها قررت أكون الراجل الوحيد اللي في حياتك”.
​حسيت بدمعة بتفر من عيني، لفت وشي بسرعة عشان ما يشوفهاش، وقلت بصوت مخنوق: “أنت ما تعرفش عني كل حاجة يا شريف.. لو عرفت الحقيقة، يمكن أنت اللي تمشي”.
ضحك وشدني لحضنه أكتر: “مفيش حقيقة في الدنيا تبعدني عنك يا سما. أنتي بقيتي خطيبتي، ومراتي كمان أسبوعين”.
​يوم الفرح.
أكبر قاعة في الفندق، أنوار، معازيم من كبار رجال الأعمال، أصحابه وأصحابي، وأمي اللي كانت بتبكي من الفرحة. كنت واقفة بفستاني الأبيض الطويل، زي الأميرات، وشريف ماسك إيدي وبيرقص معايا ‘سلو’ على أغنية هادية. الكل كان بيبص لنا بحسد وإعجاب، الثنائي المثالي: الشاب الغني الوسيم والبنت الجميلة اللي خطفت قلبه.
​وأنا برقص معاه، كان بيمسح دموعي اللي نازلة ويبتسم: “خلاص بقيتي ملكي يا سما، مفيش هروب تاني”.
ابتسمت له لأول مرة من قلبي، وقلت في سري: “يمكن فعلاً حان الوقت إني أنسى الماضي وأعيش مع الراجل اللي حبني بجد”.
​خلص الفرح، ودخلنا شقتنا الجديدة. شريف دخل الأوضة يغير هدومه، وأنا قعدت على السرير بفستاني، وحسيت فجأة بتقل في قلبي. قمت وفتحت شنطتي الكبيرة اللي نقلتها من بيت أمي، وطلعت منها صندوق خشبي صغير مقفول بقفل قديم. الصندوق ده هو اللي فيه السر اللي مخبياه عن العالم كله، السر اللي بسببه كنت رافضة أدخل أي راجل حياتي، ورافضة فكرة الارتباط من أساسها.
​كنت ماسكة الصندوق وإيديا بترحش، ولسه هفتح القفل عشان أطلع الورقة القديمة اللي جواه، لقيت الباب بيفتح وشريف داخل وهو لابس لبس البيت المريح. أول ما شاف الصندوق في إيدي، ووشي المخضوض، ابتسامته اختفت وحل محلها نظرة ترقب وشك.
​قرب مني ببطء، وعينه على الصندوق: “إيه ده يا سما؟ وإيه الصندوق اللي أنتي مخبياه ومخضوضة كده بسببه؟”
حاولت أخبي الصندوق وراء ضهري: “مفيش يا شريف.. دي حاجات قديمة من ريحة أبويا الله يرحمه”.
شريف مد إيده بكل هدوء بس بنبرة حازمة ما قبلتش نقاش: “سما، إحنا بقينا في بيت واحد، ومفيش بيننا أسرار. هاتي الصندوق ده”.
​خد الصندوق من إيدي بالراحة، وفتح القفل اللي كان أصلاً مهزوز. طلع من جوه الصندوق ورقة قديمة، صفراء من كتر الزمن، ومكتوب فيها عقد رهن وتنازل عن أرض وبيوت قديمة تخص عيلتي.. والمفاجأة الكبرى، إن الطرف اللي مضى على العقد ده، الطرف اللي خرب بيت أبويا وجاب له جلطة مات بسببها بعد ما خسر كل ثروته وسابنا عايشين في فقر المطرية… كان توقيع “أحمد المنصوري”.. والد شريف!
​شريف قرأ الورقة، ووشه اتقلب تماماً، الألوان هربت من ملامحه، وبصلي بعيون مليانة صدمة وذهول وهو مش مصدق: “سما.. أنتي.. أنتي كنتِ عارفة؟”
​وقفت قدامه، والدموع مغرقة وشي، بس النوبة المادية والبرود اختفوا، وحل محلهم نظرة انتقام ووجع عشته ست سنين: “آه كنت عارفة يا شريف. من أول يوم خبطت فيا في الكلية وعرفت اسمك الكامل، عرفت أنت ابن مين. الست سنين دول كلهم ماكنوش رهان منك عليا.. دول كانوا خطة مني أنا عشان أدخل عيلتكم، عشان أذل فلوسكم اللي خربت بيتنا، عشان أخليك تحبني وتموت فيا، وبعدين أكسر قلبك وقلب أبوك زي ما كسرتوا أبويا!”
​شريف تراجع خطوة ورا، الورقة وقعت من إيده على الأرض، وبصلي بنظرة انكسار عمري ما شوفتها في عينه قبل كده، وقال بصوت مجروح لدرجة تبكي: “يعني.. كل الحب ده.. كل الست سنين دول.. كانوا كدبة؟ كنتِ بتنتقمي مني بذنب أبويا؟”
​أنا وقفت مكاني مش قادرة أنطق، الكلمة وقفت في زوري. كنت عايزة أقوله “لأ، أنا حبيتك بجد في الآخر”، بس كبريائي ووجع الماضي منعوني. شريف بصلي نظرة أخيرة كلها خيبة أمل، ولف وشه وخرج من الشقة ورزع الباب وراه بكل قوته، وسابني واقفة في صالة الشقة الكبيرة، بفستان الفرح الأبيض، وحيدة.. والسر اللي كان المفروض يحررني، بقى هو القبر اللي هيدفن حبي الوحيد. سمعت صوت عربيتة بتبعد في الشارع، وقعدت على الأرض أعيط وأنا مش عارفة.. هل دي النهاية؟ ولا الحكاية لسه بتبدأ وجرح الست سنين هيفتح أبواب تانية مكنتش في الحسبان؟الرزعة بتاعة الباب هزت الحيطان، وكأنها كانت رصاصة الرحمة اللي فوقيتني على كابوس أنا اللي رسمت أبعاده بإيدي. قعدت على الأرض بفستاني الأبيض المنفوش، وسط الصالة الواسعة اللي فجأة حسيت إنها اتحولت لزنزانة باردة. الورقة الصفراء كانت مرمية قدام رجلي، التوقيع بتاع “أحمد المنصوري” باين وواضح، بس لأول مرة من ست سنين، الورقة دي مابقاش ليها أي قيمة عندي.. لأول مرة محسش بنشوة الانتصار، بل حسيت بوجع وندم بياكل في قلبي زي النار.
​أنا خسرت شريف.. الراجل الوحيد اللي حبني بجد، اللي اشترى خاطري ست سنين، اللي كان مستعد يرمي فلوس الدنيا تحت رجلي بس يشوف ابتسامتي.
​تعدي ساعة.. وتانية.. والتالتة، والجو بدأ ليل التجمع يبرد، وأنا لسه قاعدة في مكاني مش قادرة أتحرك. تليفوني اللي مرمي على الكنبة بدأ يرن. شيلته بلهفة وأنا بتمتّع بأمل ضعيف إنه يكون هو.. بس لقيت اسم “أمي” بينور الشاشة. رديت بصوت مخنوق وبحاول أبان طبيعية: “إيوه يا ماما..”
صوت أمي جه مليان فرحة وزغاريط من بعيد: “إيوه يا قلب أمك! وصلتوا بالسلامة؟ ها، الشقة عجبتك؟ شريف عمل معاكي إيه؟ طمنيني عليكي يا عروسة!”
​الدموع نزلت من عيني بغزارة، حطيت إيدي على بقي عشان ما أصرخش وأنا بسمع صوتها اللي كله أمل، وقلت بصعوبة: “الحمد لله يا أمي.. كله تمام، شريف.. شريف نزل يشتري حاجة وجاي عل طول. هقفل معاكي عشان بيرن الجرس”.
قفلت السكة وأنا بحس بالذنب بيزيد؛ أمي لو عرفت إن الجوازة باظت ليلتها، وإن السر القديم طلع، ممكن تروح فيها.
​قمت وقفت، وبكل غضب، قطعت الفستان الأبيض من عليا ورميته في الأرض. لبست هدوم خروج عادية، ولميت الورقة القديمة وحطيتها في جيب الجاكيت. نزلت من الشقة وأنا مش عارفة أنا رايحة فين، بس رجلي خدتني لأقرب طريق رئيسي، وقفت تاكسي وقلت له بنبرة ضايعة: “على حديقة الأزهر يا سطي”.
​الساعة كانت داخلة على 4 الفجر. الحديقة طبعاً كانت قافلة، بس أنا قعدت على الرصيف اللي قبالها، في نفس المكان اللي كنا قاعدين فيه من أسبوعين لما طلب مني الجواز. افتكرت نظرته البريئة، وافتكرت كلمته: “خلاص يا قلب شريف، يلا بينا نتجوز الأسبوع ده”.
عرفت وقتها إني كنت غبية.. الانتقام أعمى، وعماني عن حقيقة إني وقعت في حبه من كتر ما كان حنين عليا، وإني كنت بطلب الطلبات المادية دي مش بس عشان أطفشه، لأ، كنت بختبر مدى حبه، وفي كل مرة كان بيكسب الاختبار ويهزمني بكرمه وحنانه.
​طلعت التليفون وجربت أتصل بيه. الموبايل كان بيدي جرس.. مرة.. واتنين.. وتلاتة.. لحد ما الخط فتح.
مفيش صوت طلع، بس كنت سامعة صوت نفس عالي ومجروح، وصوت كلكسات عربيات من بعيد، باين إنه سايق بأقصى سرعة.
قلت بنبرة هيموت فيها العياط: “شريف.. أرجوك اسمعني. أنا أسفة.. والله العظيم أنا حبيتك.. التمثيلية قلبت بجد وأنا…”
قبل ما أكمل الكلمة، جالي صوته ناشف، بارد، وخالي من أي مشاعر عرفتها فيه: “انتقامك نجح يا سما. برافو عليكي.. عرفتي تكسري شريف المنصوري وتخليه يندم على اليوم اللي شافك فيه. بس عايزك تعرفي حاجة واحدة.. أبويا لما مضى العقد ده مع أبوكي من خمستاشر سنة، أبوكي هو اللي كان جاي يترجاه يشتري الأرض عشان يسدد ديون تانية كانت هتوديه السجن.. أبويا ما خربش بيت حد.. أبويا كان بيحاول ينقذه، بس كبرياء أبوكي الله يرحمه هو اللي خلاه يعيشكم في وهم إننا سبب خرابكم”.
​الكلام نزل عليا زي الصاعقة. وشي جاب ألوان، والتليفون كاد يقع من إيدي: “إيه؟! أنت.. أنت بتقول إيه يا شريف؟”
شريف كمل بصوت مخنوق بالدموع لأول مرة: “مش مهم دلوقتي مين الصح ومين الغلط.. المهم إن الست سنين بتوعنا ماتوا النهاردة. متتصليش بيا تاني يا سما.. وورقة طلاقك هتوصلك الصبح”.
​”شريف! استنى! شريف!!!”
الخط قطع. وحاولت أتصل تاني لقيت الخط اتقلب “غير متاح”.. عملي بلوك.
​الصبح طلع، وأنا رجعت شقة المطرية بجر في أذيال الخيبة. أمي أول ما شافتني بشنطة هدومي ووشي المتبهدل، صرخت ولمت الجيران بنظراتها المذهولة. حكيت لها كل حاجة وأنا بنهار بين إيديها.. حكيت لها عن الصندوق، وعن العقد، وعن انتقامي وشريف.
أمي لطمت على صدرها وقالت ببكاء مرير: “يا مصيبتي! يا خيبتك القوية يا سما! شريف بيتكلم صح.. أبوكي الله يرحمه هو اللي ضيع الفلوس في البورصة ولما أفلس راح للحج أحمد يبيعه الأرض عشان ما يتسجنش! أنتي خربتي بيتك بإيدك وعشتي في وهم!”
​الأرض لفت بيا. خسرت كل حاجة في ثانية.. خسرت الراجل اللي حبني، وعرفت إن القض*ية اللي كنت بحارب عشانها طلعت كدبة كبيرة عيشت نفسي فيها.
​مرت تلات أيام وأنا قافلة على نفسي الأوضة، لا باكل ولا بشرب، ومستنية ورقة الطلاق تيجي عشان تكون الرصاصة الأخيرة. بس الورقة ما جتش.
في اليوم الرابع، جرس الباب رن. أمي جريت تفتح وهي فاكرة إنه المحضر، بس لقيت اللي واقف على الباب هو الحج أحمد المنصوري بنفسه.. والد شريف.
​الراجل كان باين عليه التعب والهم، ملامحه الهادية كانت مكسورة. دخل الصالة وقعد، وأنا خرجت له وأنا باصة في الأرض من كتر الكسوف والذنب.
الحج أحمد بصلي لفترة طويلة، تنهد وقال بصوت حزين: “كنت دايماً بقول لشريف إن عيونك فيها سر يا سما.. بس ماكنتش أتخيل إن السر ده هو كرهك لينا. أنا مش جاي أعاتبك على الماضي.. أنا جاي أقولك إن شريف عمل حادثة كبيرة بعربيته ليلة الفرح.. وهو دلوقتي في العناية المركزة بين الحياة والموت.. وبيخرف باسمك”.
​الدنيا اسودت في عيني، وحسيت إن قلبي وقف عن النبض. شريف بيموت؟ وبسببي أنا؟
وقفت بسرعة وأنا مش شايفة قدامي: “هو.. هو في مستشفى إيه يا عمو؟ أرجوك خدني ليه!”
​وصلنا المستشفى في أكتوبر. كانت الأجواء كئيبة، وأصحاب شريف بتوع الكلية كلهم واقفين قدام باب العناية ووشوشهم مقلوبة. أول ما شافوني، نظرات الإعجاب والترحيب القديمة اختفت، وحل محلها نظرات لوم وعتاب، وكأنهم عارفين إن أنا السبب في الحالة اللي هو فيها.
​وقفت قدام الإزاز بتاع غرفة العناية المركزة. شريف كان نايم، الأجهزة متوصلة بكل حتة في جسمه، وراسه ملفوفة بالشاش الأبيض. الراجل القوي، الواثق، اللي كان بيلف دراعه حوالين وسطي ويضحك، كان قاعد قدامي ضعيف ومش حاسس بالدنيا.
​الدكتور خرج من الأوضة، وبص للحج أحمد وهز راسه بيأس: “النزيف وقف.. بس هو دخل في غيبوبة كاملة، ومفيش أي استجابة للمؤشرات الحيوية. الموضوع دلوقتي متوقف على استجابته النفسية.. كأنه مش عايز يفوق.. كأنه رافض يرجع للحياة”.
​دموعي نزلت وعملت خطوط على وشي. جمدت قلبي وبصيت للحج أحمد: “أرجوك يا عمو.. خليني أدخل له. خمس دقائق بس”.
الراجل هز راسه بالموافقة وهو بيمسح دموعه.
​دخلت الأوضة، ريحة المعقمات والأجهزة كانت بتخنق. قربت من السرير ببطء، مسكت إيده اللي كانت دافية رغم كل حاجة.. الإيد اللي اشترتلي كل حاجة ودافعت عني من ست سنين.
وطيت راسي جنبه وهمست في ودنه وصوتي بيترعش: “شريف.. أنا سما. سما الطماعة، المادية، اللي كنت بتطلع عينها عشان تطلب منك آيفون وفستان.. أنا أسفة. أنا عشت عمري كله فاكرة إن الأرض دي حقي، بس الحقيقة إنك أنت اللي حقي.. أنت الحاجة الوحيدة النظيفة اللي طلعت بيها من الدنيا دي. شريف.. قوم عشان تكسر مناخيري تاني، قوم وماتجبليش الشقة، أنا مش عايزة شقة ولا عايزة آيفون.. أنا عايزاك أنت.. أنا بحبك يا شريف.. بحبك بجد ومقدرش أعيش من غيرك”.
​فجأة.. وبدون أي مقدمات، جهاز قياس نبضات القلب بدأ يصدر أصوات سريعة ومضطربة. المؤشر بدأ يعلى وينزل بجنون، وأنا اتخضيت ورجعت خطوة لورا. صوابع إيد شريف اللي كنت ماسكاها بدأت تتحرك حركة خفيفة، وجفن عينه المقفول بدأ يرتعش كأنه بيحاول يفتح عينه ويقاوم الضلمة اللي هو فيها.
​الدكاترة والممرضين دخلوا بيجروا الأوضة وزقوني لبرة بسرعة: “اخرجي برة يا آنسة فوراً! المريض بيحصله تشنجات والضغط بيعلى!”
​وقفت وراء الإزاز وأنا حاطة إيدي على قلبي اللي كان هيقف من الرعب، ودموعي مش بتوقف. شريف بدأ يتحرك على السرير والدكاترة بيحاولوا يسيطروا على الأجهزة.. هل كلامي فوقه وهيخليه يرجع للدينة عشان يسامحني؟ ولا دي كانت رقصة الموت الأخيرة والوداع اللي ملوش رجوع، والحكاية اللي بدأت بخبطة في حوش الكلية هتنتهي بصدمة أكبر في أوضة العناية؟جهاز ضربات القلب كان صوته عالي وضجيجه بيملا الأوضة، والمؤشر بيتحرك بجنون زي روحي اللي كانت بتروح وتيجي وأنا واقفة وراء الإزاز. الدكاترة والممرضين اتلموا حواليه، واحد بيقيس الضغط وواحد بيظبط الأجهزة، وأنا برا بضغط بوجعي على الإزاز وبدعي ربنا بكل جوارحي: “يارب متوجعنيش فيه.. يارب خده مني بس يعيش.. بلاش يموت بسببي”.
​بعد دقايق مرت عليا وكأنها سنين، الحركة جوة الأوضة بدأت تهدى. الصوت المنتظم السريع للجهاز بدأ يستقر ويرجع لطبيعته الهادية. الدكتور خرج وهو بيمسح عرق من على جبينه، وبصلي وبص للحج أحمد اللي كان ساند على عكازه ودموعه نازلة، وقال بنبرة هديت من روعنا: “الحمد لله.. الأزمة عدت. النبض استقر والمؤشرات الحيوية بدأت ترجع لطبيعتها. المريض بدأ يستجيب، وتقريباً كلام الآنسة عمل معجزة وفوقه من الغيبوبة.. هو نايم دلوقتي نوم طبيعي تحت تأثير المهدئ، وبكرة الصبح بالكتير هيفوق وتقدري تتكلمي معاه”.
​أول ما سمعت الكلمة دي، رجلي مأشلتنيش وقعدت على الكراسي اللي في الطرقة وأنا بتنفس لأول مرة من تلات أيام. الحج أحمد قرب مني، طبطب على كتفي بحنان أبوي وقال: “روحي يا بنتي ارتاحي النهاردة في بيتكم.. شريف مش هيجراله حاجة خلاص، والصبح تعالي أكون أنا اتكلمت معاه وهديت النفوس”.
​رجعت المطرية، نمت ليلتها وأنا حاسة بوزن جبل انزاح من على صدري. الصبح بدري، لبست ونزلت جري على المستشفى، مكنتش شايفة قدامي غير صورته وهو بيضحك. وصلت الأوضة، لقيت الحج أحمد واقف برا، وبصلي بنظرة هادية بس فيها عتاب خفيف: “شريف فاق يا سما.. وهو صاحي جوة. أنا اتكلمت معاه وفهمته حقيقة موضوع أبوكي كله، والواد كان بيسمع وهو ساكت. ادخلي له.. هو مستنيكي”.
​فتحت الباب ببطء وإيديا بتترعش. شريف كان قاعد على السرير، ساند ضهره على المخدات، وراسه لسه ملفوفة بالشاش بس عيونه كانت مفتوحة.. العيون اللي حفظت كل ملامحها ست سنين. أول ما دخلت، بصلي بنظرة طويلة، مكنش فيها الغضب بتاع ليلة الفرح، بس كان فيها هدوء ووجع حيرني.
​قربت من السرير بخطوات بطيئة، ووقفت قريبة منه وأنا باصة في الأرض ومش قادرة أرفع عيني في عينه من كتر الخجل: “حمد الله على سلامتك يا شريف.. أنا..”
صوته جه واطي ورخيم، بس كان حنين زي زمان: “اقعدي يا سما”.
​قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، ومديت إيدي بالراحة ومسكت طرف صوابعه، ودموعي نزلت تاني: “شريف.. أنا أسفة على كل كلمة قلتها. أنا كنت غبية وعميت عيني بالانتقام، بس والله العظيم أنا حبيتك.. أنا مكنتش بعرف أعيش يومي من غير ما أطلب منك حاجة وتجيبهالي، مكنتش بعرف أحس بالأمان غير وأنت لافف دراعك حواليا.. أرجوك سامحني”.
​شريف سحب إيده بالراحة من إيدي، وبص للفراغ وتنهد تنهيدة طويلة: “أنا مسمحِك يا سما.. مسمحِك عشان أنا اللي بدأت الحكاية دي برهان وغلطة، وعشان الحب اللي حبيت هولك في الست سنين دول كان حقيقي ومش ندمان عليه. وأبويا كمان مسمحِك وفهمتك إننا معملناش حاجة في أبوكي الله يرحمه”.
​قلبي دق بفرحة وسألته بلهفة: “يعني.. يعني هنرجع يا شريف؟ هنكمل حياتنا في شقتنا؟”
شريف بص في عيني مباشرة، ولقيت في عيونه نظرة حسم وجعتني أكتر من غضبه: “لأ يا سما.. مش هنرجع”.
​الكلام نزل عليا كأنه خنجر: “ليه يا شريف؟ مش بتقول مسمحني؟”
ابتسم ابتسامة هادية ومريرة وقال: “المسامحة حاجة.. وإني أقدر أأمنلك تاني حاجة تانية. الست سنين اللي عشناهم، كنت فاكر إنك بتطلبي حاجات مادية عشان تدلعي عليا أو تختبري حبي، وكنت ببقى فرحان وأنا بنفذ.. لكن لما عرفت إن كل نظرة حب، وكل ضحكة، وكل حضن، كان وراهم فكرة انتقام وغل.. الحاجز ده مش هعرف أكسره. أنا كل ما هبص في وشك بعد كده، هسأل نفسي: هي بتحبني بجد؟ ولا بتمثل ومخبية وراها سر جديد عشان تكسرني؟ العيشة بالشكل ده هتق*تلنا إحنا الاتنين”.
​دموعي شلت حركتي ومبقتش عارفة أقول إيه. كبريائي القديم تكسر تماماً قدام صدقه: “يعني دي النهاية يا شريف؟”
شريف مد إيده السليمة، ومسح دمعة نازلة على خدي بلمسة أخيرة حنينة، وقال بصوت مخنوق: “دي نهاية الحكاية اللي بدأت غلط.. ورقة طلاقك مش هتوصلك، إحنا هنطلق بالمعروف عند المأذون لما أخرج من هنا. الشقة اللي في التجمع هكتبها باسمك يا سما، عشان ميبقاش شريف المنصوري قصر معاكي في حاجة طلبتيها لحد آخر يوم.. بس قلبي.. قلبي خلاص مش هيبقى ملكك تاني”.
​بعد شهرين..
كنت واقفة في بلكونة الشقة الجديدة في التجمع، الشقة واسعة ومبهرة وفيها كل حاجة اتمنيتها في يوم من الأيام.. بس كانت فاضية، باردة، ومفيش فيها ريحة شريف. الطلاق تم بهدوء وبكل احترام، وشريف سافر برا مصر مع والده عشان يتابع شغله ويغير جو بعد الحادثة.
​مسكت تليفوني الآيفون الأحدث، وبصيت على خاتم الذهب اللي محفور عليه اسمي “سما” واللي لسه لابساه في إيدي ومش قادرة أقلعه. كل حاجة مادية طلبتها عشان أذله بيها بقت ملكي.. بس الراجل اللي كان بيديها لي بكل حب ضاع من إيدي للأبد.
​حطيت إيدي على وسطي واقتربت من سور البلكونة وبصيت للشمس وهي بتغيب، وعرفت إن الانتقام مبيجيبش غير الخراب، وإني كسبت كل الرهانات المادية.. بس خسرت الرهان الوحيد اللي كان يستاهل أعيش عشانه.. خسرت قلب شريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *