الحساب يجمع

بين قفلة باب الإسعاف وصوت السرينة اللي شق الليل، قلبي رجع يدق تاني.
فتحت عيني، لقيت أحمد مائل فوقي وبيطمني إني بأمان. وبعدها شفت شريف من الشباك اللي ورا، باصص لي وكأنه مش مصدق إني رجعت من الم/وت. الأجهزة اللي حولي بدأت تصفر بهستيريا.. جسمي اتخشب من الرعب.. وبنتي رجعت تخبط جوايا بجنون.
في اللحظة دي، شفت الحقيقة واضحة زي الشمس:
لو طلعت من المستشفى دي عايشة، شريف مش هيسكت.
ولو فضلت ساكتة، هيخلص اللي بدأه.
وصلت المستشفى وأنا مش قادرة أنطق حرف، بس مكنتش لوحدي. وصلت ومعايا كدمات على شكل صوابع معلمة على رقبتي، وشاهدة شافت كل حاجة، ومسعف صمم إن كذبة شريف متبقاش هي آخر سطر في حكايتي.
الدكتورة هالة فحصت رقبتي وقالت بوضوح إن الإصابات دي ملهاش أي علاقة بوقعة من على السلم. والمحققة سارة وقفت جنيد سريري وقالت لي إن الست “هانم” (جارتنا) أدلت بأقوالها. إيدي كانت بتترعش لدرجة إن القلم كان بيقطع الورق، بس عافرت وكتبت تلات كلمات غيروا كل حاجة: “شريف هو اللي عمل كدة”.
كان المفروض ده كفاية.. كان المفروض الموضوع يخلص هنا، بكلبشات وقضية وزنزانة مقفولة. بس للأسف، دي كانت مجرد بداية لأبشع فصل في حياتي.
أهل شريف اتحركوا أسرع من الحزن نفسه. على الصبح كان المحامي بتاعه في المستشفى، وبعد الظهر كانت والدته، “مدام ناهد”، بدأت تنشر إني ست مش متزنة ومريضة نفسية. عيلة شريف كان معاهم فلوس ونفوذ وقسوة متدارية ورا ضحكة الكاميرات. مسألوش هو عمل فيا إيه، كان كل همهم إزاي يلموا الفضيحة.
أمي، “ست كريمة”، جت المستشفى ومعاها شنطة هدوم، اعترفت لي إنها كانت مجهزاها من سنين ومستنية اللحظة دي. كانت شايفة العلامات من زمان قبل ما أنا أقدر أواجه نفسي بيها. اكتشفت إني ضيعت سنين وأنا بمثل إن “الخطر” ده شيء عادي وطبيعي. صراع بين الحياة والم/وت
في نفس الليلة، حالة البنت ساءت جداً. ض/ربات قلبها بدأت تقع، وبعدين تعلى، وبعدين تقع تاني، والدكاترة بيحاربوا عشان ينقذونا إحنا الاتنين. كنت نايمة وماسك الأكسجين على وشي، مش قادرة أبلع ريقي من الألم، وبسأل نفسي: هل شريف سـ,ـرق مني أكتر من مجرد صوتي؟ أنا متّ مرة، ومش هسمح لبنتي تم/وت معايا.
بعد تلات أيام، خرجت من المستشفى على بيت أمي. مرحعتش البيت اللي خنقني فيه. رجعت أوضتي بتاعة زمان وأنا كلي كدمات، مابنمش، ومرعوبة من كل ركن في البيت. صاحبة عمري، هبة، جابت لي اللابتوب بتاعي. عليه مذكراتي.. سنتين من الكتابة كنت مسجلة فيهم كل إهانة، كل كدمة، كل كذبة، وكل مرة شريف كان بيلعب بدماغي ويقولي إني بتخيل حاجات محصلتش. آخر جملة كتبتها كانت يوم الحادثة الصبح: “لو حصل لي حاجة، شريف هو السبب”.


