ثلاث اسابيع2

أحيانًا، حماية الناس اللي بتحبهم بتحتاج منك تقول «لأ» لأول مرة، حتى لو الكلمة دي هتوجعك إنت قبل ما توجع غيرك.
وفي ليلة هادية، بعد ما بنتنا نامت، خرجت أنا ويارا نقعد في البلكونة.
كان الجو لطيف، وصوت الشارع بعيد، والمدينة حواليّنا بدأت تهدى.
يارا سندت راسها على كتفي، وقالت:
— فاكر الليلة اللي رجعت فيها البيت وشوفتني في الحوش؟
غمضت عيني للحظة.
— فاكر كل تفصيلة فيها.
— أنا وقتها كنت فاكرة إن حياتي انتهت. كنت خايفة من البرد، ومن الوجع، ومن اللي ممكن يحصل لبنتي، لكن أكتر حاجة كانت مخوفاني إني أخسرك.
مسكت إيدها وقلت:
— وأنا وقتها اكتشفت إني كنت بخسرك فعلًا، من غير ما أحس. كنت موجود في حياتك بالجسم، لكني ما كنتش شايف اللي إنتِ بتمري بيه.
بصتلي بحنان.
— بس إنت رجعت.
هزيت راسي.
— رجعت، لكن الأهم إني اتعلمت إني ما ينفعش أسيبك تواجهي حاجة لوحدك تاني. مش هقدر أوعدك إن الدنيا مش هيكون فيها مشاكل، لكن أقدر أوعدك إننا هنواجهها مع بعض، وإن محدش هيجبرك تسكتي عن حقك عشان خاطر أي حد.
ابتسمت، وبعدها سكتنا شوية.
كنت ببص لأنوار الشارع، وبفكر في كل اللي حصل من أول الليلة اللي شوفت فيها مراتي على الأرض لحد اللحظة دي.
كنت فاكر إن أكبر خسارة ممكن أتعرض لها هي خسارة فلوسي أو شغلي أو بيتي.
لكن الحقيقة إن أكبر خسارة كانت ممكن تحصل لي هي إني أخسر إنسانيتي، وأسمح للخوف من زعل أمي يخليني أتفرج على ظلم مراتي وأسكت.
وفي المقابل، أكبر مكسب ما كانش إننا كسبنا قضية أو رجعنا فلوسنا.
أكبر مكسب كان إننا قدرنا نبدأ حياة جديدة، من غير ما نظلم نفسنا أو نسمح لحد يظلمنا.
بصيت ليارا، لقيتها بتبصلي بنفس النظرة اللي كنت بحبها من أول يوم عرفتها فيه، لكن المرة دي كان فيها هدوء واطمئنان افتقدته سنين.
قلت لها:
— بحبك يا يارا.
ابتسمت وردت:
— وأنا كمان بحبك يا حسام.
ومن جوه الأوضة، سمعنا بنتنا بتتحرك في سريرها وتصدر صوتًا صغيرًا وهي نايمة.
قمنا إحنا الاتنين في نفس اللحظة، وبصينا لبعض وضحكنا.
دخلت شيلتها، وحطيتها بين إيديا، ويارا قربت وباست خدها الصغير.
في اللحظة دي، حسيت إن كل اللي فات، بكل وجعه وخوفه، علّمني درسًا عمره ما هيروح من بالي.
إن العيلة مش مجرد دم واحد، وإن الحب مش مجرد كلام، وإن السكوت عن الظلم مش دايمًا بيحافظ على البيوت… ساعات بيكون هو أول خطوة في هدمها.




