بعد سبع شهور

وهناك… سمعتها.

تقطيعة صغيرة جدًا، مستخبية وسط صوت المحرك، لكنها كانت كفاية تقول لي إن العيب مش في الجزء اللي الكل بيدوّر عليه.

قربت من العربية، وبدأت أفك أجزاء من الموتور واحدة واحدة.

بعد حداشر دقيقة بالظبط، لقيت المشكلة.

شرخ رفيع جدًا في خرطوم فاكيوم قديم، مستخبي تحت مجموعة السحب، في مكان محدش فكّر يبص فيه.

أشرت عليه وقلت:

«أهو العيب. الخرطوم ده فيه شرخ، والهواء بيدخل من مكان مش المفروض يدخل منه.»

توني قرب، وبص للخرطوم، وبعدها بصلي كأنه مش مصدّق.

«يا نهار أبيض… إنت لقيت ده إزاي؟ إحنا بقينا يومين بنلف حوالين العربية!»

ابتسمت غصب عني.

ابتسامة صغيرة، طلعت من قلبي قبل ما ألحق أمنعها.

لكن في نفس اللحظة…

الجراج كله سكت.

ولا صوت مفتاح، ولا صوت موتور، ولا حتى همسة بين اتنين من الصنايعية.

سمعت وقع خطوات تقيلة جاية من ورايا، بطيئة ومنتظمة، وكل خطوة كانت بتقرّبني من الكابوس اللي هربت منه طول الشهور اللي فاتت.

توني كان أول واحد اتغيرت ملامحه.

وشه اصفر، وعينيه اتحركت من ناحيتي للي واقف ورايا.

والدم انسحب من وشي قبل حتى ما ألف.

لأني كنت عارف مين اللي دخل.

دانتي موريتي بنفسه كان واقف ورايا مباشرة.

ولأول مرة من سبع شهور، أخطر راجل في شيكاغو ما كانش بيبص للميكانيكي الهادي اللي اسمه آدم رشاد…

كان بيبصلي أنا، وكأنه أخيرًا بدأ يشوف الشخص الحقيقي اللي مستخبي ورا الاسم ده.

والمصيبة؟

إن نظراته ما كانتش نظرات إعجاب بميكانيكي شاطر وبس.

كان فيه حاجة تانية في عينيه.

حاجة خلت قلبي يدق بعنف، وإيديا تتجمد فوق موتور العربية.

لأن دانتي موريتي كان معروف عنه إنه ما بيسيبش تفصيلة تفوته…

وأنا كنت أكبر تفصيلة غامضة دخلت حياته من غير ما يعرف.

الجزء الثاني

🔥 لما الهارب وقع في إيد أخطر راجل في شيكاغو
دانتي موريتي كان واقف ورايا، وإيده اليمين في جيب بنطلونه، وعينيه ثابتة على وشي بطريقة خلتني أحس إنه مش بيبص لملامحي وبس، لكنه بيحاول يشوف كل الأسرار اللي مخبيها جوايا.
قال بصوت هادي، وده كان أخطر من لو كان بيزعق:
«إنت اللي صلحت عربيتي؟»
بلعت ريقي، ونزلت عيني للأرض.
«أيوه يا باشا.»
«ارفع راسك وإنت بتكلمني.»
رفعت راسي ببطء.
كان طويل، عريض الكتفين، وشعره الأسود فيه خصلات فضية خفيفة عند الصدغين. ملامحه حادة، وعينيه رمادي غامق، من النوع اللي يخليك تحس إنه شايف الكدبة قبل ما تخرج من بقك.
فضل ساكت شوية، وبعدين سألني:
«اتعلمت الميكانيكا فين؟»
«مع أخويا.»
«أخوك كان ميكانيكي؟»
«أيوه.»
«اسمه إيه؟»
قلبي اتقبض.
«يوسف.»
هز راسه كأنه بيسجل المعلومة في دماغه، وبعدين بص لتوني.
«من النهارده، آدم هيشتغل على عربياتي الخاصة.»
توني فتح بقه عشان يعترض، لكن دانتي رفع إيده، فسكت فورًا.
وبعدين دانتي قرب مني لحد ما بقيت شايف انعكاس وشي في عينيه.
«بس عندي شرط واحد.»
حاولت أحافظ على هدوئي.
«إيه هو يا باشا؟»
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
«أنا ما بحبش الأسرار في بيتي وشغلي. واللي بيشتغل معايا لازم أعرف عنه كل حاجة.»
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
«أنا ماليش أسرار يا باشا.»
ابتسامته اختفت.
«دي أول كدبة تقولها لي في وشي يا آدم.»
وبعدها مشي.
لكن قبل ما يخرج من الجراج، وقف عند الباب وقال من غير ما يبصلي:
«جهّز نفسك. من بكرة هتشتغل في الجراج الخاص بتاعي جوه القصر.»
خرج دانتي، وفضلت واقف مكاني، مش عارف أفرح إن مرتبي هيزيد، ولا أعيط لأن أخطر راجل في شيكاغو قرر يحطني تحت عينه مباشرة.
كنت فاكر إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لي هي إنه يكتشف إني بنت.
ما كنتش أعرف إن الحقيقة أخطر بكتير من كده.
1. القصر اللي مفيهوش مكان للهروب
تاني يوم الصبح، عربية سوداء مصفحة وقفت قدام الورشة.
السواق نزل وفتحلي الباب.
«السيد موريتي مستنيك.»
ركبت وأنا حاضن شنطتي الصغيرة، اللي كان جواها هدوم الشغل وبعض الحاجات اللي ما كنتش بسمح لأي حد يقرب منها.
بعد حوالي نص ساعة، وصلنا لقصر ضخم على أطراف شيكاغو.
بوابات حديد، كاميرات في كل مكان، حراس واقفين على مسافات منتظمة، وحديقة أكبر من الشارع اللي كنت ساكن فيه.
لكن اللي شد انتباهي فعلًا كان عدد الرجالة المسلحين عند المدخل الخلفي.
ده ما كانش مجرد بيت رجل غني.
ده كان حصن.
دخلت، ولقيت دانتي قاعد في مكتبه، قدامه فنجان قهوة وملف أسود.
أشار للكرسي المقابل.
«اقعد يا آدم.»
قعدت على طرف الكرسي.
فتح الملف، وبدأ يقلب صفحاته.
«أبوك اسمه إيه؟»
«رشاد.»
«وده اسم عيلة ولا اسم أبوك؟»
اتجمدت.
أنا كنت مجهز قصة كاملة عن نفسي، لكن واضح إن دانتي مش من النوع اللي بيقبل إجابات ناقصة.
قلت بسرعة:
«اسم العيلة يا باشا.»
«وأبوك اسمه؟»
سكت لحظة، وبعدين قلت اسمًا مستعارًا كنت مجهزه من شهور.
«محمود.»
قفل الملف.
«غريبة.»
«إيه الغريب؟»
رفع عينيه ليا.
«لأنك لما دخلت الورشة، قلت لتوني إنك مش فاكر اسم أبوك كويس.»
قلبي وقع.
كنت فعلًا قلت كده أول يوم، عشان أبرر عدم وجود أوراق كاملة معايا.
دانتي سند ضهره للكرسي، وشبك صوابعه.
«أنا عندي مشكلة مع الكدابين يا آدم. مش لأنهم بيكدبوا، لكن لأنهم بيخلوني أضيّع وقتي وأنا بحاول أفهم هم بيخفوا إيه.»
قلت بصوت واطي:
«أنا مش شخص مهم يا باشا.»
رد من غير تردد:
«دي حاجة أنا اللي بقررها.»
وبعدين قام من مكانه، وفتح باب جانبي بيؤدي لجراج خاص، مليان عربيات نادرة.
«هنا هتشتغل. محدش يدخل من غير إذني، ومحدش يسألك عن ماضيك إلا أنا.»
بصيتله باستغراب.
«ليه؟»
قرب مني وقال:
«لأنك أول شخص من سنين يسمع صوت الموتور ويعرف إن المشكلة مش في المكان اللي كل الناس بتدور فيه.»
وبعدين أضاف:
«وأنا بحب أعرف الناس اللي بتشوف اللي غيرها مش شايفه.»
ما كانش عندي رد.
دخلت الجراج، وبدأت شغلي.
لكن من اللحظة دي، حياتي بقت أصعب.
لأن دانتي ما اكتفاش إنه يراقبني.
بقى يراقب كل تفصيلة في يومي.
مواعيد أكلي.
ساعات شغلي.
إمتى بوصل وإمتى بمشي.
وحتى الأيام اللي كنت فيها تعبان.
وفي كل مرة كنت أحاول أختفي في الزحمة، ألاقيه فجأة واقف قدامي، بيسألني سؤالًا جديدًا.
كأنه بيلعب لعبة طويلة، وأنا الوحيد اللي مش فاهم قواعدها.
2. الليلة اللي انهرت فيها
عدّى أسبوعين.
وفي ليلة شتوية، كنت بصلح عربية قديمة لما سمعت صوت دانتي في الجراج.
«آدم.»
مسحت إيدي في قطعة قماش، ولفيت ناحيته.
«أيوه يا باشا؟»
«تعالى اتعشى.»
افتكرت إني سمعت غلط.
«حضرتك بتقول إيه؟»
«قلت تعالى اتعشى. ولا لازم أبعثلك دعوة مكتوبة؟»
حاولت أعتذر.
«متشكر يا باشا، أنا أكلت.»
بص للساعة.
«الساعة تسعة، وإنت من الضهر ما خرجتش من الجراج. هتيجي تاكل.»
ما كانش عندي اختيار.
دخلت وراه غرفة الطعام، ولقيت السفرة متحضرة لشخصين بس.
قعدت وأنا حاسس إني داخل امتحان مش عارف أسئلته.
دانتي بدأ ياكل بهدوء، وبعدين قال:
«إنت بتخاف من إيه؟»
كادت المعلقة تقع من إيدي.
«مش فاهم.»
«كل ما حد يقرب منك، بتتوتر. لو حد لمس كتفك بالغلط، بتبعد كأنك اتلسعت. ولو حد سأل عن عيلتك، بتغيّر الموضوع.»
سكت، وبعدين كمل:
«أنا مش بسألك عشان أتسلى. أنا بس عايز أعرف إيه اللي مخليك عايش كأنك مستني حد يفتح الباب ويقبض عليك.»
حسيت إن الكلام دخل في مكان جوايا كنت بحاول أقفله من سبع شهور.
حاولت أضحك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *