مريم

صدمة سارة خلتها تتسمر في مكانها، الضحكة الخبيثة اتبخرت من على وشها وفتحت بقها وهي مش مأمنة إن أختها “الغلابة” اللي كانوا بيدوسوا عليها عملت فيها كدة. النور الأحمر والأزرق بتاع عربية البوكس كان بيضرب في جدران الجراج الضيقة، والسرينة سكتت فجأة، وصوت قفل أبواب عربية الشرطة برة رج البيت كله.
الحجة تهاني لمت إيدها على صدرها وشبكت صوابعها ببعض ورجعت خطوة لورا وهي بتبص للموبايل في إيد مريم وكأنها شايفة قنبلة موقوتة: “إنتي.. إنتي بتسجلي لأختك يا مريم؟ أنتي اتجننتي؟ ده أنا هطين عيشتك!”
الحاج إسماعيل جرى على مريم وحاول يشد الموبايل من إيدها وهو بيزعق بصوت مكتوم عشان الجيران ميسمعوش: “هاتي البتاع ده هنا! إنتي عايزة تخربي بيتنا؟ عايزة تفضحينا في الحتة؟ هاتي!”
بس مريم رجعت خطوة سريعة لورا، وبحركة واثقة وسريعة حطت الموبايل في جيب جاكيت البدلة الداخلي، وقفلت عليه بسوستة، وبصت لأبوها بنظرة حادة وناشفة، نظرة خلت الحاج إسماعيل يفرمل في مكانه وعينه تبرق. مكنتش نظرة بنته الطيعة اللي بتخاف من زعيقه، دي كانت نظرة حد متعود يحكم وينهي ويسجن بكلمة واحدة.
في اللحظة دي، الباب الحديد الخارجي للجراج اتخبط عليه بقوة، وصوت جهوري من برة هز المكان: “يا فندم! يا سكان البيت! افتحوا الباب.. شرطة النجدة!”
سارة بدأت تترعش بجد، دموعها الحقيقية نزلت وسوخت الكحل الغالي اللي حطاه، مسكت في جلباب أبوها وهي بتعيط زي العيال الصغيرة: “بابا.. والنبي يا بابا متخليهمش ياخدوني.. أنا ماليش دعوة، هي العربية باسم مريم! مريم اللي تروح معاهم!”
الحجة تهاني بدأت تلطم على خدودها براحة وهي بتهمس لمريم بوعيد: “لو منطقتيش وشيلتي الليلة، لا أنتي بنتي ولا أعرفك ليوم الدين، وسامعاني؟ هتقولي أنا اللي كنت سايقة!”
مريم مالت على ودن أمها وقالتلها بابتسامة باردة مفيهاش أي مشاعر: “أنا فعلاً مش بنتك من زمان يا أمي.. من اليوم اللي كنت ببات فيه جعانة وأنتي بتاكلي سارة في بوقها. ودلوقتي.. افتحوا للحكومة بدل ما يكسروا الباب وتبقى الفضيحة بجلاجل في المربع كله.”
الحاج إسماعيل، وإيده بترتعش، قدم خطوة وفتح الباب الحديد الصغير.
دخل ملازم أول لابس ميري، ووراه أمين شرطة واثنين عساكر ماسكين أسلحتهم. الضابط عينيه لفت في الجراج بسرعة الصاروخ، ونظراته وقعت فوراً على العربية البيضا.. الإكصدام المكسور، الزجاج المشروخ، والأسوأ.. بقع الدم اللي على الرفرف والكبوت واللي بدأت تنشف وريحتها النفاذة تملأ المكان المقفول.
الضابط بص للحاج إسماعيل وقال بنبرة حازمة: “السلام عليكم. العربية دي بتاعت مين؟”
الحجة تهاني زقت مريم لادام بسرعة وقالت: “بتاعت بنتي الكبيرة دي يا باشا.. مريم.. هي لسه راجعة بيها حالا، وكانت غفلانة ومش مركزة وعملت حادثة وتلقيها خبطت عمود ولا حاجة وجت جري من خوفها.. هي اللي كانت سايقة يا بيه!”
الضابط بص لمريم من فوق لتحت.. شاف جديتها، بدلتها الرسمية، الهدوء الرهيب اللي هي فيه، وخدها المحمر من أثر القلم. وبعدين بص لسارة اللي واقفه ورا أبوها بستان السواريه المتوسخ وبتترعش ودموعها مغرقة وشها.
الضابط طلع دفتر الصغير وقلم: “بنتك الكبيرة؟ تمام. يا أنسة مريم، إنتي اللي كنتي سايقة العربية دي في شارع النزهة من نص ساعة؟”
مريم بصت للضابط بكل ثبات، ومشت إيدها على جاكيت بدلتها، وقالت بصوت نقي وواضح: “لأ يا فندم. أنا مش أنا اللي كنت سايقة. العربية دي اتسرقت من قدام البيت من ساعتين، واللي سرقتها وأخدتها بدون إذن وهي تحت تأثير مواد مسكرة.. هي الأنسة سارة إسماعيل، واقفة هناك اهي بفستان الفرح بتاعها.”
سارة صرخت: “كدابة! والله كدابة يا فندم! هي اللي كانت سايقة وعايزة تلبسهالي عشان بتغير مني!”
الحجة تهاني هجمت على مريم وكان هتمسك في شعرها: “يا فاجرة! بتبيعي أختك لحبل المشنقة؟ يا قاطعة صلة الرحم!”
أمين الشرطة اتدخل بسرعة وحجز بين الأم ومريم: “حاسبي يا ست حاسبي! اتلمي واقفي مكانك ومتحركيش إيدك!”
الضابط زعق فيهم كلهم: “بس! بس أنتوا فاكرين نفسكم قاعدين في غرزة؟ قسماً بالله اللي هيفتح بوقه بكلمة تانية لهاخده في البوكس بتهمة التعدي على السلطات وتسهيل هروب متهم!”
المكان سكت تماماً، ومبقاش مسموع غير صوت نفس سارة العالي والمكتوم من العياط.
الضابط بص لمريم وقالها بحدة: “أنتي بتقولي إنك مش أنتي اللي سايقة، وأمك وأختك بيقولوا أنتي.. إحنا كدة هناخدكم كلكم على القسم، وهناك النيابة تتصرف. بس أحب أقولكم.. الحادثة اللي حصلت في النزهة مش خبطة عمود.. العربية دي طيرت راجل مسن كان بيعدي الشارع، والحالة خطيرة جداً وفي العناية المركزة بين الحياه والموت، والشهود ووحدات المرور فرغوا الكاميرات وجابوا نمرة العربية ووصف البنت اللي كانت سايقاها.. يعني اللعب مش هيفيدكم.”
لما سارة سمعت كلمة كاميرات ووصف البنت، ركبها سيبت ووقعت على الأرض وهي بتصرخ: “يا مامي! هتحبس! ضعت يا بابا.. ضعت يا إسماعيل!”
الحاج إسماعيل وشه جاب ألوان، وبص لمريم بنظرة رجاء مكسورة، نزل على ركبه تقريباً وقالها بصوت واطي: “بوس إيدك يا مريم.. شيل القض..ية دي.. أنتي دارسة قانون وعارفة الثغرات، هتعرفي تطلعي منها كأنها حادثة عادية، لكن أختك تضيع؟ أختك هتموت في الحجز يا بنتي!”
مريم بصت لأبوها وهو على الأرض. في اللحظة دي، شافت شريط حياتها كله بيمر قدامها.. شافت نفسها وهي عندها ١٢ سنة لما سارة وقعت الفازة الغالية وباباها ضربها بالخرطوم لحد ما جسمها علم، وسارة كانت واقفة تضحك وتاكل شيكولاتة. شافت نفسها وهي في الكلية، بتشتغل بالليل في مكتبة وبتذاكر بالنهار تحت لمبة السلم عشان توفر تمن الكتب، في الوقت اللي أبوها كان بياخد قروض عشان يشتري لسارة أحدث موبايل ويفسحها في الساحل. شافت القلم اللي أمها لسه مدياله ليها من خمس دقايق بكل قسوة.. لمجرد إنها رفضت تتدفن صاحية عشان سارة تعيش.
مريم خدت نفس عميق، وبصت للضابط وقالتله: “يا فندم، أنا مش هروح القسم كمتهمة ولا حتى كشاهدة عادية.. اتفضل حضرتك شوف الكارنيه ده.”
مريم مدت إيدها في جيبها، وطلعت محفظة جلدية صغيرة، فتحتها وقدمتها للضابط.
الضابط أخد الكارنيه بملل في الأول، بس أول ما عينه وقعت على الشعار الذهبي، والصفة المكتوبة بالخط العريض: (المستشارة / مريم إسماعيل محمود Ríos – قاضي بمحكمة الجنايات المستأنفة – وزارة العدل).. عينه اتسعت، وجسمه اتشد تلقائي، ورفع إيده لحد جبهته وضرب تعظيم سلام عسكري محترم يهز الجراج: “تمام يا فندم! العفو يا سيادة المستشارة.. مكناش نعرف معالي ومقام حضرتك!”
أمين الشرطة والعساكر أول ما شافوا تحية الضابط، اتسمروا هما كمان وضربوا تعظيم سلام.
الحاج إسماعيل بق الفتوح من الصدمة، وبص لبنته وكأنه بيشوفها لأول مرة في حياته. الحجة تهاني حطت إيدها على بوقها ونطقت بذهول: “سيادة المستشارة؟ قاضية جنايات؟ أنتي؟ مش أنتي الحمارة اللي بتدبسي الورق؟”
مريم مبصتلكش حتى، وفضلت باصة للضابط وقالت بصوت رخامي حازم: “ولا يهمك يا فندم، حضرتك بتعمل شغلك. أنا بقدم بلاغ رسمي دلوقتي بصفتي صاحبة المركبة، ضد المدعوة سارة إسماعيل محمود، بتهمة سرقة السيارة واستخدامها بدون إذن، والقيادة تحت تأثير مسكر، والتسبب في حادث قطار بشري (دهس) والهروب من موقع الحادث دون إسعاف الضحية.”
الضابط هز رأسه بسرعة: “مفهوم يا فندم. البلاغ هينزل فوراً. يا عسكري! كلبش المتهمة دي وهاتها على البوكس!”
العسكري قدم بسرعة وطلع الكلبشات الحديد. سارة لما شافت الكلبشات بدأت تصرخ زي المجنونة ورفست برجلها: “لأ! ابعد عني يا حيوان! بابا.. ماما.. الحقوني! مريم أنتي بتعملي إيه؟ أنا أختك الصغيرة! حرام عليكي!”
الحجة تهاني رمت نفسها على رجل مريم وهي بتعيط بحرقة: “بوس قدمك يا مريم! بلاش الكلبشات دي فضيحة وسط الجيران! أبوس إيدك يا بنتي اعفي عنها، دي لحمك ودمك!”
مريم نزلت لمستوى أمها، وشالت إيد أمها من على رجلها بهدوء رهيب وقالت: “لما ضربتيني بالقلم من شوية يا أمي.. مكنتش لحمك ودمك؟ لما كنتوا عايزين تسجنوني بدالها عشان تتجوز وتعيش حياتها وأنا أتعفن في السجن.. مكنتش لحمك ودمك؟ القانون ميعرفش لحم ودم يا حجة تهاني.. القانون بيعرف الحق. والراجل الغلبان اللي بيموت في المستشفى ده.. ليه عيلة وليه دم برضه.”
وقفت مريم وبصت للضابط: “يا فندم، أنا مسجلة اعتراف كامل للمتهمة بصوتها وهي بتقر بالواقعة وبأنها سرقت العربية، والتسجيل ده هبعتهولك رسمي على الواتساب دلوقتي عشان يرفق بملف القض..ية.”
الضابط: “تمام يا سيادة المستشارة، ده هيسهل إجراءات النيابة جداً ويثبت التهمة ويفند أي ادعاء بالباطل.”
العساكر مسكوا سارة من كتافها، وكلبشوا إيديها ورا ضهرها وهي بتصرخ وتعيط وفستانها السواريه الغالي اتبهدل في تراب الجراج، وسحبوها لبرة وسط ذهول وصرخات الحجة تهاني اللي قعدت في الأرض تصوت وتلطم على وشها، والحاج إسماعيل اللي ساند ضهره على الحيطة ووشه شاحب كأنه مات إكلينيكياً.
الضابط بصل مريم باحترام: “تحت أمرك في أي وقت يا فندم، وإحنا أسفين جداً على الإزعاج. تقدري حضرتك تتفضلي، وبكرا الصبح المحضر هيكون أمام النيابة المختصة.”
مريم: “شكراً يا فندم. اتفضلوا شوفوا شغلكم.”
خرج الضابط وقفل الباب وراه، ومبقاش فاضل في الجراج غير مريم الواقفة بكل شموخ وقوة، وأبوها وأمها المكسورين على الأرض.
الحاج إسماعيل رفع عينه لمريم وقال بصوت مرتعش وخايف: “أنتي.. أنتي هتعملي إيه في أختك يا مريم؟ أنتي قاضية.. هتقدري تنقذيها من الحبس صح؟ هتحكمي ببراءتها لو القض..ية جت تحت إيدك؟”
مريم بصت لأبوها بنظرة سخرية مريرة، وطلعت موبايلها وبدأت تكتب رسالة، وقبل ما تتحرك من مكانها وتبعد عنهم، بصتله وقالت: “لو القض..ية دي جت تحت إيدي يا بابا.. أنا هتنحى عنها عشان حرج القرابة. بس أحب أطمنك.. الدائرة اللي هيمسك القض..ية دي، رئيسها يبقى المستشار جلال العدلي.. وده أستاذي، ومبيحبش الكوسة ولا الواسطة، وبإذن الله.. أختك هتاخد أقصى عقوبة في القانون عشان تكون عبرة لأي حد مستهتر بيكسر أرواح الناس وفاكر إن فلوسه أو عيلته هتحميه.”
سابتهم مريم وخرجت من الجراج، وراحت ناحية الشارع الرئيسي وهي بتتنفس الهوا النضيف لأول مرة من سنين. حست إن الحمل الثقيل اللي كان على كتافها انزاح. ركبت تاكسي، وطلبت منه يوديها على المستشفى اللي فيها الراجل المسن اللي أختها خبطته، عشان تطمن عليه وتتأكد إن حقه مش هيضيع.
بعد مرور شهرين..
داخل قاعة محكمة جنايات القاهرة.. الجلسة كانت زحمة جداً، والصوت عالي، والكل مستني النطق بالحكم في القض..ية اللي شغلت الرأي العام، قض..ية “بنت رجل الأعمال اللي دهست مسن وهربت”.
في قفص الاتهام، كانت واقفة سارة.. وشها خاسس، هالات سودا تحت عينيها، لابسة لبس الحبس الأبيض، ومبقاش فيها أي أثر للبنت المغرورة بتاعة زمان. وفي الصفوف الأولى من قاعة المحكمة، كان قاعد الحاج إسماعيل والحجة تهاني، وشهم باين عليه العجز والهم، وكل شوية يبصوا لباب القاعة مستنيين معجزة.
فجأة، دخل الحاجب وزعق بأعلى صوته: “محكممممممة!”
الكل وقف في نفس اللحظة.. ودخلت هيئة المحكمة بكامل هيبتها، وبدأت الجلسة.. المستشار جلال العدلي مسك الأوراق، وبدأ يقرا الحيثيات بصوت يهز القاعة: “بعد الإطلاع على الأوراق، وسماع الشهود، وتفريغ الكاميرات، ومراجعة التسجيل الصوتي الحاسم المقدم في الأحراز والتي تقر فيه المتهمة بجرمها دون إكراه..”
الحجة تهاني بدأت تبكي وتهمس لأبو سارة: “فين مريم؟ مش هتيجي تنقذ أختها؟”
في اللحظة دي بالظبط، اتفتح الباب الجانبي للقاعة.. ودخلت مريم Ríos.. المستشارة مريم إسماعيل.. كانت لابسة وشاح القضاء الأخضر فوق بدلتها السوداء، ووشها يحمل هيبة تهز القلوب. بس مدخلتش تقعد مع عيلتها.. دي مشيت بخطوات ثابتة وراحت قعدت في منصة القضاء، على الكرسي المجاور للمستشار جلال بصفتها مستشارة شابة بتحضر الجلسات الكبيرة للاستئناف.
سارة لما شافت أختها قاعدة فوق المنصة، فوق في العالي.. والكل بيبصلها باحترام.. صرخت من جوة القفص ودموعها نازلة: “مريم! عشان خاطر ربنا كلمي المستشار! أنا هضيع يا مريم!”
الحجة تهاني والحاج إسماعيل وقفوا وهما مش مصدقين عينيهم.. بنتهم اللي طردوها وظلموها، هي نفسها القوة اللي ماسكة حبل المشنقة والمستقبل ليهم.
المستشار جلال بص لمريم، ومريم هزت رأسها بهدوء، كأنها بتديله الضوء الأخضر لإحقاق الحق دون أي عاطفة.
المستشار جلال ضرب بالشاكوش على المنصة وصوته رن في القاعة: “حكمت المحكمة حضورياً على المتهمة سارة إسماعيل محمود، بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات، مع الشغل والنفاذ، ومصادرة المركبة، وإلزامها بالتعويض المدني المؤقت لأسرة المجني عليه!”
سارة صرخت صرخة هزت أركان المحكمة ووقعت مغمى عليها في القفص.. الحجة تهاني صرخت “بنتي ضاعت!” ووقعت هي كمان في الأرض.. والحاج إسماعيل بص لمريم وهو بيبكي ودموعه على لحيته البيضا، كأنه بيترجاها بنظرته الأخيرة تعمل أي حاجة.
لكن مريم وقفت بكل ثبات، لمت أوراقها، وبصت لعيلتها لأخر مرة نظرة أخيرة مفيهاش تراجع.. نظرة بتقول إن العدل مبيجاملش حد، وإن اللي يزرع الظلم والقسوة.. لازم يحصد الندم. نزلت مريم من على المنصة وخرجت من الباب الخلفي، وهي عارفة إن القصة دي قفلت صفحة عيلتها للأبد.. بس فتحت صفحة جديدة لعدالة مريم Ríos اللي مفيش قوة في الأرض تقدر تكسرها.خرجت مريم من الباب الخلفي لقاعة المحكمة، وصدى صرخات عيلتها لسه بيرن في ودنها، بس غريبة.. مكنتش حاسة بأي ذنب، بالعكس، حست بوزن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح. لأول مرة من سنين تحس إنها بتتنفس هوا نضيف، هوا ملوش ريحة قهر ولا ظلم.
وهي ماشية في الممر الطويل المؤدي لمكتبها، الموبايل بتاعها اتهز في جيبها. طلعته ولقت رسالة من الأستاذ أحمد، ابن الراجل المسن اللي سارة خبطته وعجزته.. الراجل اللي مريم فضلت تتابع حالته في المستشفى كل يوم وتتكفل بمصاريف علاجه من ورا عيلتها. الرسالة كان مكتوب فيها:
“سيادة المستشارة مريم.. بابا فاق النهاردة الصبح ونطق، وأول حاجة قالها إنه بيتدعيلك بالستر لأنك مجامليتش أهلك على حساب دمه.. الحمد لله، الحق ظهر، والعدل اللي في قلبك أحيا فينا الأمل من تاني.”
دمعة واحدة بس، دمعة دافية نزلت من عين مريم ومسحتها بسرعة وهي بتبتسم. الدمعة دي مكنتش حزن على سارة ولا على أمها وأبوها، دي كانت دمعة انتصار للطفلة اللي جواها، الطفلة اللي طالما اتهانت واتظلمت وجيه اليوم اللي ربنا نصرها فيه وبقت هي يد العدالة اللي بتاخد حقوق الغلابة.
عدت الساعات، وجيه وقت روحوحها. وهي خارجة من باب المحكمة الرئيسي، لقت أبوها، الحاج إسماعيل، قاعد على الرصيف برة، ضهره محني، ووشه دبلان كأنه كبر عشرين سنة في ساعتين. أول ما شافها، قام بسرعة ووقف قدامها، وعينيه مكسورة ومليانة رجاء مرير.
”مريم يا بنتي..” صوته كان مخنوق ومتحشرج: “أنا عارف إننا ظلمناكي.. وعارف إننا جينا عليكي كتير عشان خاطر سارة.. بس تبات أختك في السجن سبع سنين يا مريم؟ دي هتموت جوة.. والنبي يا بنتي، أنتي ليكي معارفك وليكي كلمتك في الاستئناف، شوفي أي ثغرة، أي نقض للحكم.. طلعيها عشان خاطر شيبتي.”
مريم بصت لأبوها.. وبمنتهى الهدوء حطت إيدها على كتفه، وقالتله بنبرة حنينة بس حاسمة زي السيف: “يا بابا.. أنا زمان كنت مستعدة أديكم عيني لو طلبتوها، بس أنتوا مكنتوش عايزين عيني، أنتوا كنتوا عايزين تدفنوني صاحية عشان سارة تعيش عميا ومستهترة. السبع سنين دول مش عقاب لسارة لوحدها.. ده عقاب ليكم أنتوا كمان، لأنكم أنتوا اللي ربيتوها على إنها فوق القانون وفوق الحساب.”
الحاج إسماعيل دموعه نزلت: “يعني مفيش فايدة يا مريم؟ خلاص كدة؟”
مريم رجعت خطوة لورا، وعدلت وشاحها الأخضر بكل فخر، وبصتله النظرة الأخيرة وقالت: “خلاص يا بابا.. المحكمة حكمت، والعدل اأتنصب، وقضيتي معاكم قفلتها بـ ‘رفعت الجلسة’.. ربنا يقويكم على اللي جاي.”
سابته مريم ومشت بخطوات ثابتة وواثقة ناحية عربيتها الجديدة، اللي اشترتها من شقاها وتعبها. ركبت ودورت العربية، وبصت لنفسها في المراية.. شافت قاضية قوية، مريم Ríos اللي مبقتش تخاف من حد، ولا بتسمح لحد يكسرها. طلعت بالعربية في شوارع القاهرة وزحمتها، وهي عارفة إنها من اليوم ده مش بس قاضية بتحكم بالعدل بين الناس.. دي بقت قاضية على ماضيها القديم، وبداية لحياة جديدة كلها شموخ وحق مبيملش.




