بعد سبع شهور

وبعدين وقفت قدام المراية، وحاولت أوطّي صوتي.
«اسمي آدم رشاد.»
صوتي كان ناعم زيادة عن اللزوم.
جربت تاني.
«آدم رشاد.»
المرة دي، صوتي كان مقنع.
الساعة 3:17 الفجر، طلعت من شباك أوضة الغسيل، وأنا شايلة 684 دولار، وشنطة العِدّة القديمة بتاعة يوسف، وشنطة هدوم صغيرة.
ومع أول ضوء للنهار، إيلينا رشاد كانت اختفت من الدنيا.
وبعد سبع شهور، كان آدم رشاد شغال ميكانيكي في ورشة «موريتي موتورز» في منطقة شعبية على أطراف شيكاغو.
التنكر بقى جزء من حياتي اليومية.
أفرول واسع، صوت واطي، مفيش تغيير هدوم قدام حد، مفيش خروجات مع زمايلي بعد الشغل، مفيش ارتباط، مفيش صداقات قريبة، ومفيش أي غلطة ممكن تفضحني.
كل يوم كنت بصحى وأنا عارف إن حركة واحدة غلط، أو كلمة في غير مكانها، ممكن تدمّر كل اللي بنيته في سبع شهور.
ورشة موريتي موتورز كانت في الظاهر مجرد ورشة متخصصة في ترميم العربيات القديمة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
من ورا بواباتها الحديد، كانت بتدخل عربيات فيراري نادرة، وعربيات دفع رباعي مصفحة، وعربيات كلاسيك بملايين، وعربيات أصحابها محدش بيسأل عنهم ولا عن شغلهم.
صاحب المكان كان دانتي موريتي.
نص شيكاغو كان بيخاف منه، والنص التاني كان بيحسب كل كلمة قبل ما يقولها قدامه، عشان ما يزعلوش.
وكان فيه قانون واحد كل اللي شغالين في الجراج حافظينه كويس:
ممنوع الكذب على دانتي موريتي.
وأنا؟
كنت بكدب عليه مع كل نفس باخده تحت سقف ورشته.
سبع شهور كاملة عدّوا من غير ما يلاحظني تقريبًا.
لحد ما حصلت مشكلة في عربية الموستنج السودا موديل 1967 بتاعته.
الموتور كان بيقطع، وصوته مش مظبوط.
تلاتة من أمهر الميكانيكية في الورشة حاولوا يصلحوه وفشلوا، ومن ضمنهم توني مراد، مدير الورشة نفسه.
كنت شغال على بُعد حوالي تلاتة متر منهم، ولما سمعت صوت الموتور وهو بيدور، كل حواسي اتشدّت مرة واحدة.
كان فيه حاجة غلط.
حاجة صغيرة جدًا، لدرجة إن أي حد تاني كان ممكن يسمعها ويعتبرها صوت عادي.
لكن أنا سمعتها.
ومن غير ما أفكر، قلت:
«دوّرها تاني.»
توني لفّ ناحيتي باستغراب.
«إنت بتقول إيه يا آدم؟»
رديت وأنا مركز مع العربية:
«بقولك دوّرها تاني.»
بصلي لحظة، وبعدها أشار للميكانيكي اللي جوه العربية إنه يشغّل الموتور.
صوت المحرك العالي ملأ الجراج، وأنا وقفت مغمّض عيني نص غمضة، بسمع كل نَفَس بيطلعه الموتور.




