صاحب الضل

سليم وقف ورا الباب الحديد وهو حاسس بضربات قلبه زي طبول الحرب. الثواني كانت بتمر كأنها سنين، وصوت دبات الجزم بره بيقرب، والتراب بينزل من السقف مع كل خطوة تقيلة لرجالة مدحت الهواري.
​بص للبنت الصغيرة، سمر، اللي كانت ضامة أخوها يوسف لصدرها وبتحاول تكتم نفسه بإيدها وهي بتترعش من الرعب. يوسف كان وشه أزرق تمامًا، وعينيه مبرقة من كتمة النفس وكأنه بيموت بين إيديهم في صمت. سليم حس بمسئولية لأول مرة من سنين طويلة م تتربطش بفلوس ولا بنفوذ، مسئولية رقبة العيال دي اللي دفعوا تمن أمانتهم غالي أوي.
​حط الفلاشة في جيب بدلتها الداخلي، وبصوت واطي جدًا كأنه فحيح أفعى، قال لسمر:
​”اسمعيني يا بت يا سمر.. النفس ده مش عايز أسمعه واضمي أخوكي أوي.. لو حصل إيه متتحركوش من مكانكم.”
​البنت هزت راسها بسرعة والدموع نازلة تغرق وشها المترب.
​بره الأوضة، صوت مدحت الهواري كان بيعلى وهو بيأمر رجالته:
​”اكسروا الباب ده.. الواد والبنت ملهمش مكان تاني يستخبوا فيه، والبرنس سليم شكله فص ملح وداب.. عادل بيه مش هيرحمنا لو سليم هرب بالفلاشة اللي مع العيال.”
​سليم فهم اللعبة كلها في لحظة. الفلاشة دي فيها خراب بيوت لـ عادل الصاوي وكل اللي وراه. عادل مكنش بس عايز يخلص من سليم، ده كان عايز يمحى عيلة المحاسب مجدي السكري من على وش الأرض عشان يدفن السر معاه.
​سليم سحب أجزاء مسد\\سه الـ “حلوان” التسعة ملم ببطء وبدون صوت. بص للباب الحديد؛ القفل بتاعه كان جنزير قديم ومصدي، والترابيس متآكلة. ضربة واحدة قوية برجل من بره كانت كفيلة تطير الباب.
​وقف سليم بزاوية ورا الباب مباشرة، بحيث لما الباب يتفتح لبره أو يتكسر لجوه، هو يفضل مستخبي وراه في الزاوية الضلمة.
​”بوم!”
​الضربة الأولى جت في الباب، والحديد صرخ بصوت مزعج. يوسف اتنفض في حضن سمر، وسما مسكت بوقه بقوة وهي بتغمض عينيها وبتدعي ربنا من كل قلبها.
​”بوم!”
​الضربة الثانية طيرت القفل المصدي، والباب اتفتح بعنف لجوّه وخبط في الجدار وضيق المساحة اللي سليم واقف فيها. سليم كتم نفسه تمامًا، وشه بقا لازق في ضهر الباب الحديد السخن والمليان تراب.
​دخل أول راجل.. ضخم، شايل في إيده طبنجة “بريتا” وجهاز لاسلكي بيرق، وراه عل طول دخل التاني.
​الراجل الأولاني بصلنا بحذر وقال بصوت جهوري:
​”الأوضة ضلمة كحل يا مدحت.. بس شكلهم هنا، في ريحة كرتون محروق ودوا.”
​مدحت الهواري وقف على عتبة الباب بره، مكنش عايز يدخل رجله جوة العفونة دي، وقال بنبرة مليانة غل:
​”اخلص يا جابر.. هات الواد والبنت واخلص، ولو لقيت سليم الرفاعي.. صفي عل طول، عادل قالي سليم م يرجعش السيدة زينب صاحي.”
​في اللحظة دي، جابر لمح طرف الجاكت بتاع يوسف الصغير اللي ظاهر من ورا الكرتونة الكبيرة اللي في الركن. جابر ابتسم بابتسامة صفرا ورفع مسد\\سه وهو بيقرب بخطوات بطيئة:
​”لقيتكم يا قطاقيط.. تعالوا بقا عشان عمو مدحت هيمرجحكم.”
​قبل ما جابر يرفع صباعه على الزناد، سليم خرج من ورا الباب زي الشبح. الحركة كانت سريعة لدرجة إن جابر ملحقش يلف وشه. سليم لف دراعه الشمال حوالين رقبة جابر، وبإيده اليمين نزل بمقبض المسد\\س الحديد التقيل على نغاشيش دماغه.
​”طق!”
​صوت شرخ الجمجمة كان واضح في هدوء الأوضة. جابر وقع على الأرض زي شوال الرز ومطلعش منه الهوا.
​الراجل التاني اللي كان واقف وراه اتفاجئ، لسه بيلف مسد\\سه ناحية سليم، سليم كان أسرع.. مسك دراعه اللي فيه السلا\\ح، لواه لورا بقوة جبارة كسرت المفصل، وبكف إيده التانية ضربه ضربة قوية تحت دقنه رجعت راسه لورا، سليم م كذبش خبر، غرس ركبته في بطن الراجل ووقعه على الأرض، وبحركة احترافية ثبت رقبته برجليه وضغط بكل تقله لحد ما الراجل غاب عن الوعي تمامًا.
​كل ده حصل في أقل من خمس ثواني وبدون صوت رصاصة واحدة.
​مدحت الهواري بره على الباب حس بقلق لما لقى الصمت حل فجأة:
​”جرى إيه يا جابر؟ سكتوا ليه؟ لقيتوا العيال؟”
​سليم وطى على الأرض بسرعة، سحب مسد\\س جابر الـ “بريتا” وبقى معاه مسد\\سين. بص لسمر وأشار لها بعينيه تفضل مكانها وتكتم نفس أخوها.
​سليم غير نبرة صوته وبحشرجة خفيفة قلد صوت جابر التعبان وقال:
​”تعال يا مدحت بيه.. العيال هنا بس الواد قاطع النفس وشكله بيموت.. تعال شوف هنعمل إيه.”
​مدحت الهواري صدق اللعبة، ودخل الأوضة وهو بيبرطم بشتائم:
​”يموت داهية تاخده وتاخد أبوه.. المهم الفلاشة معاه ولا…”
​ملحقش يكمل الكلمة. سليم طلعله من ورا الضلمة، فوهة المسد\\س الـ “حلوان” لزقت في جبهة مدحت مباشرة. مدحت اتسمر في مكانه، عينه وسعت برعب وصدمة لما شاف سليم الرفاعي واقف قدامه بكامل هيبته، مفيش فيه خدش واحد، وعينيه بتلمع بشر من كتر الغضب.
​سليم همس بصوت يرعش الحيطة:
​”مساء الخير يا دفعة.. وحشتني شربات فرح ابن عمك اللي شربناها سوا.. فاكرها؟”
​مدحت الهواري ريقه نشف، إيديه بدأت تترعش وتلقائي رفعهم لفوق:
​”سـ.. سليم بيه! والله العظيم أنا مالي ذنب.. عادل هو اللي…”
​سليم قاطعه بضربة قوية بظهر المسد\\س على بوقه، طيرت سنتين من سنانه وخلت الدم يسيل على قميصه الأبيض:
​”اششش.. مش عايز أسمع صوتك النجس ده.. السلا\\ح اللي في حزامك نزله بصباعينك وارفعه على الأرض بالراحة.”
​مدحت نفذ الأمر وهو بيبكي من الألم والخوف:
​”حاضر.. حاضر يا سليم بيه.. توبة والله، أنا كنت عبد مأمور.”
​سليم: “عبد مأمور لعادل الصاوي؟ عادل اللي بايعنا كلنا؟ مجدي السكري مات إزاي يا مدحت؟ انطق بدل ما أفرغ الخزنة دي في دماغك هنا ومحدش هيسمعلك حس.”
​مدحت وهو بيترعش وراسه بتنزف دم:
​”عادل هو اللي قتله! مجدي عرف إن عادل بيسرب ورق الأراضي والجمارك لـ ‘عيلة الشنواني’ وبياخد منهم ملايين لحسابه الخاص.. مجدي لما واجهه بالورق، عادل م تفاهمش معاه.. رمينا مجدي من البلكونة وقولنا للناس إنه انتحر عشان الديون.. وعادل كان بيدور على الفلاشة دي اللي عليها النسخ الأصلية للحسابات عشان يمسح أي دليل ضد الشنواني.”
​سليم حس بنار بتاكل في صدره. عادل الصاوي، اللي كان بيعتبره أخوه، اللي سليم شال ولاده يوم ولادتهم، واللي وقف معاه في كل أزمة.. هو اللي غدر بيه وباع الشغل كله للشنواني، ألد أعدائهم في السوق.
​سليم بص لسمر ويوسف اللي كانوا بيبصوا لمدحت برعب حقيقي، كأنهم شايفين الشيطان اللي حرمهم من أبوهم.
​سليم سأل مدحت ببرود قاتل:
​”في كام راجل لسه فوق؟”
​مدحت: “اتنين بس.. اتنين واقفين عند السلم في الدور السابع مستنيين الإشارة بالتليفون.”
​سليم: “تلفونك فين؟”
​مدحت أشار لجيب جاكته برعشة. سليم مد إيده وسحب التليفون، ولقى مكالمة قيد الانتظار من “عادل الصاوي”. سليم فتح الخط وحط التليفون على ودن مدحت وهو ضاغط بالمسد\\س تحت دقنه بشدة:
​”رد عليه.. وقوله سليم مات والعيال معانا والفلاشة في جيبنا.. لو غيرت كلمة، الطلقة دي هتخرج من نفوخك.”
​مدحت بلع ريقه المختلط بالدم، وفتح السبيكر ب إيد بتترعش:
​”أيوة.. أيوة يا عادل بيه.”
​صوت عادل الصاوي جه من الناحية التانية، نبرته كانت مليانة لهفة وغلظة:
​”إيه يا مدحت؟ خلصتوا؟ سليم جراله إيه؟”
​مدحت وعينيه على مسد\\س سليم:
​”كله تمام يا باشا.. سليم خد الواجب وخلصنا عليه.. والعيال معانا والفلاشة في جيبنا وجايين لك عل طول.”
​عادل ضحك ضحكة شريرة هزت سماعة التليفون:
​”الله ينور عليك يا مدحت! كده السوق فضيلنا.. هات العيال والفلاشة وتعال على المخزن القديم بتاع بحري السيدة.. أنا مستنيك هناك عشان نقفل الصفحة دي للأبد.”
​الخط قطع.
​سليم قفل التليفون وحطه في جيبه. بص لمدحت بنظرة خلت ركب مدحت تخبط في بعضها:
​”سليم بيه.. أنا قولتلك كل حاجة.. أبوس إيدك سيبني أعيش.. أنا عندي عيال.”
​سليم بصل بريق قرف:
​”ومجدي السكري مكنش عنده عيال يا واد يا مدحت؟ العيال دي ذنبها إيه تتيتم وتعيش في الرعب ده جوة خرابة؟”
​وبدون مقدمات، سليم ضرب مدحت ب كعب المسد\\س على دماغه ضربة قوية ومتقنة وقعته فاقد الوعي جنب زمايله.
​سليم التفت بسرعة لسمر ويوسف. نزل على ركبتيه وبقى في مستواهم. ملامحه الحادة اللي كانت بتخوف رجالة بشنبات، فجأة بقت دافية وحنينة. مد إيده ومسح الدمعة اللي على خد سمر:
​”متخافيش يا سمر.. عمك سليم معاكي.. مفيش مخلوق يقدر يمس شعرة منكم تاني.”
​شال يوسف الصغير بالراحة على دراعه الشمال، والولد كان خفيف جدًا زي الريشة وراسه دبلانة على كتف سليم. وبإيده اليمين مسك إيد سمر:
​”يلا بينا نخرج من هنا.”
​سمر بصتله بعيون واسعة تملأها الثقة والدفا اللي افتقدته من يوم موت أبوها:
​”هنروح فين يا عمو؟”
​سليم وعينيه بتلمع بوعيد قاتل:
​”هنروح نجيب حق أبوكم.. ونظف السيدة زينب من الأوساخ.”
​خرج سليم من البدروم وسلك طريق السلم الضلمة الخلفي اللي سمر دلته عليه. البنت كانت بتمشي جنبه زي ضله، واثقة في الراجل اللي الكل بيترعب من اسمه بس هي شافت فيه طوق النجاة.
​طلعوا لبرة العمارة المهجورة من باب خلفي بيفتح على زقاق ضيق ومظلم. سليم ركب سمر ويوسف في الكنبة الورانية لعربيته الجيب السودة، وشغل التكييف الدافئ عشان يدفيهم، وجاب علبة مناديل ومطهر جروح من درج العربية وبدأ يمسح وش يوسف وسمر بالراحة.
​سليم اتصل بـ “سعد”، راجل حراسته الشخصية المخلص، اللي ملوش في اللعب القذر وشغال مع سليم من أيام والده:
​”سعد.. اسمعني كويس ومتقاطعنيش. عايزك تجيب عربية تانية وتجيلي حالا عند ناصية جامع السيدة.. معاك دكتور ثقة من بتوعنا.. ومعاك حراسة مشددة من الرجالة اللي رقبتهم تسد معانا.”
​سعد بصوت مخلص وجاد:
​”تحت أمرك يا سليم بيه.. ربع ساعة وأكون عندك.”
​سليم: “تمام.. في أمانة هسلمها لك.. لو حصلها حاجة يا سعد، رقبتك قصادها.. فاهم؟”
​سعد: “برقبتي يا باشا.. متقلقش.”
​بعد ربع ساعة، كانت عربية سعد واقفة في المكان المحدد. سليم نزل وسلم يوسف وسمر لسعد والدكتور اللي بدأ عل طول يعمل إسعافات أولية لجلسة التنفس بتاعة يوسف.
​سمر كلبشت في إيد سليم وهي بتبكي:
​”عمو سليم.. هتروح فين؟ متسبناش!”
​سليم طبطب على شعرها بحنان وقالها:
​”أنا هروح مشوار صغير أوي يا سمر.. هجيبلك حق بابا وأرجع.. سعد ده عمك وهيحافظ عليكي زي عينيه.. اسمعي كلامه وكلي كويس انتي ويوسف لحد ما أجيلكم.”
​سمر هزت راسها ودموعها نازلة، وسليم قفل الباب وبص لسعد نظرة أخيرة معناها “العيال دي في حمايتك”.
​العربية مشيت، وسليم وقف لوحده في ضلمة الشارع. سحب نفسه، ركب عربيته الجيب، وحط الفلاشة قدامه على التابلوه. الفلاشة دي فيها الدليل اللي هيدمر عادل الصاوي وعيلة الشنواني كلها. بس سليم مكانش من الرجالة اللي بتشتكي للبوليس أو بتستنى القانون ياخد مجراه.. سليم كان هو القانون في منطقته.
​شغل سليم العربية وطار بيها في شوارع القاهرة الفاضية في نص الليل، متوجها لمخزن بحري السيدة.. المخزن القديم اللي شهد بداياته مع عادل الصاوي، واللي هيكون الليلة دي.. مقبرة الخيانة.
​وصل سليم للمخزن. المكان كان عبارة عن هنجر حديد كبير وسط أرض فاضية محاطة بأسوار عالية. النور كان شغال جوة خفيف، وعربية عادل الصاوي الـ “مرسيدس” واقفة بره.
​سليم ركن عربيته بعيد شوية في الضلمة عشان محدش يحس بيه. نزل ب هدوء غريب، مسك مسد\\سينه في إيديه، وعينيه على الباب الصغير المفتوح من الهنجر.
​جوّه الهنجر، كان عادل الصاوي واقف بيشرب سيجار فخم، وبيتكلم في التليفون مع حد من رجالة الشنواني:
​”بقولك يا باشا كله تمام.. سليم الرفاعي خلاص بقا في ذمة الله.. والورق والفلاشة كلها معايا الليلة دي.. السوق بقا ملكنا لوحدنا.. السيدة زينب كلها بقت تحت طوعنا.”
​وفجأة.. رن صوت سليم الرفاعي من وراه، هادي وقاتل زي الموت:
​”بس السوق لسه فيه صاحب الشغل يا عادل.. وصاحب الشغل م بيموتش بالسهولة دي.”
​عادل الصاوي اتجمد في مكانه. السيجار وقع من إيده على الأرض الترابية. لف وشه ببطء شديد، وهو مش مصدق عينيه. سليم واقف قدامه، لابس بدلتها الكحلي اللي عليها شوية تراب خفيف، وفي إيديه مسد\\سين متوجهين لقلبه مباشرة.
​عادل وشه بقا أصفر زي الليمونة، وبدأ يرجع لورا بخطوات مرعوبة:
​”سـ.. سليم؟ إنت.. إنت عايش إزاي؟ مدحت قالي إنك…”
​سليم بابتسامة باردة هزت كيان عادل:
​”مدحت بيمسي عليك.. وبيقولك إنك اخترت الشخص الغلط تلعب معاه.. واختارت العيال الغلط تظلمهم.”
​عادل حاول يستجمع شجاعته ويدور على أي مخرج:
​”يا سليم.. اسمعني بس.. الشغل كبر مننا والشنواني عرضوا ملايين.. احنا كنا هنبقى ملوك القاهرة كلها.. أنا عملت كده عشاننا سوا!”
​سليم وهو بيقرب خطوة بخطوة، وعينيه مفيهاش أي رحمة:
​”عشاننا سوا؟ ترمي مجدي السكري من البلكونة وتيتم عياله عشاننا سوا؟ تبيع سري للي يسوى واللي م يسواش عشاننا سوا؟ الأمانة ملهاش تمن يا عادل.. وأنا علمتك زمان إن الخاين ملوش دية في سوقنا.”
​عادل اترمى على ركبه وهو بيبكي ويصرخ بصوت عالي:
​”سامحني يا سليم.. سامحني عشان عشرة العمر.. عشان ولادي!”
​سليم وقف قدامه بالظبط، وبص في عين عادل الصاوي اللي باعه وقال بنبرة خالية من أي مشاعر:
​”ولادك في عيني يا عادل.. بس إنت.. ملكش مكان وسطنا تاني.”
​سليم سحب أجزاء المسد\\س وصوب على راس عادل..
​وفجأة.. صوت سرينة بوليس قوية جدًا ورجالة كتير بتقتحم المخزن وصوت ميكروفون بيصرخ:
​”سلم نفسك يا سليم.. المكان كله محاصر!”
​سليم بص حواليه بصدمة.. هل عادل كان عامل حسابه على كمين تاتي؟ ولا الشنواني غدروا بالكل؟ وبص لعادل اللي ملامح وشه اتغيرت فجأة لابتسامة خبيثة كأنه كان مستني اللحظة دي..
​نهاية الجزء الأول.. واللعبة لسه بتبدأ!السرينة كانت بتصرخ برة الهنجر زي ديب جعان، وأنوار البوليس الحمراء والزرقاء كانت بتلعب على الحيطان الصاج بتاعة المخزن في ضلمة الليل.
​عادل الصاوي، وهو لسه على ركبه، ضحكته الخبيثة وسعت وبقت مالية الوش اللي كان من ثواني هيموت من الرعب. مسح الدموع المزيفة من على خده ووقف بالراحة وهو بيعدل ياقة قميصه وقال بثقة قذرة:
​”فاكر نفسك أذكى واحد في الدنيا يا سليم؟ فاكر إنك لوحدك اللي بتعرف تخطط؟ أنا كنت عارف إن مدحت حمار وهيخر بكل حاجة لو وقع في إيدك.. وكنت عارف إنك مش هتبعت رجالتك يخلصوا عليا، هتيجي بنفسك عشان تاخد غليلك.. عشان كده عملت حسابي.”
​سليم متهزش، عينيه فضلت حادة ومركبة على عادل، والطبنجة لسه متوجهة لراس الخاين بالملّي:
​”فاكر اللعبة خلصت يا عادل؟ تفتكر الكام بوكس اللي برة دول هيمنعوني أطير نفوخك قبل ما رجلك تخطي عتبة الباب؟”
​عادل ضحك وبدأ يرجع لورا خطوتين وهو رافع إيديه بنوع من الاستهزاء:
​”طير يا سليم.. طير نفوخي! بس ساعتها هتطلع من هنا قاتل، قض\\ية قتل مع سبق الإصرار والترصد وجث\\ة على الأرض ورجالة الحكومة برة سادة المخارج.. وبدل ما تطلع كبير السيدة، هتطلع حبل المشنقة بيلف حوالين رقبتك.. والعيال الغلابة اللي انت خايف عليهم؟ سمر ويوسف؟ هجيبهم برضه وهدفنهم جنب أبوهم، بس المرة دي محدش هينجدهم.”
​الكلمتين دول نزلوا على ودن سليم زي الشرارة اللي ولعت في بنزين. فكرة إن العيال دي ممكن تتأذى بسببه خلت دمه يغلي. هو مكنش خايف على نفسه من السجن أو الموت، بس الوعد اللي قطعه لسمر وهو بيمسح دموعها كان دين في رقبته.
​وفجأة، الباب الصاج الكبير بتاع المخزن اترزع واتكسر، ودخلت قوة من رجالة العمليات الخاصة معاهم دروع وكلاب حراسة، وصوت ضابط بيصرخ بعلو صوته:
​”ارمي السلا\\ح اللي في إيدك! ارمي السلا\\ح فورًا وإلا هنضرب في المليان!”
​سليم، وبحركة سريعة ومدروسة، لقى لوح خشب كبير وراه. زق اللوح برجله عشان يعمل حاجز يعمي عيون العساكر لثانية واحدة، وفي نفس الثانية، رمى نفسه ورا صفائح زيت ضخمة مرصوصة في ركن المخزن.
​الرصاص بدأ يضرب في الهنجر بصوت يرعب الحجر. الرصاص كان بيخبط في الصاج ويعمل شرار وصوت صفير مرعب.
​عادل الصاوي استغل المعمعة دي وجري بسرعة ناحية الباب الخلفي للمخزن وهو بيصرخ للظابط:
​”المتهم جوة ورا الصفائح يا فندم! معاه سلا\\ح ومقاوم للسلطات!”
​سليم كان قاعد ورا الصفائح، نفسه هادي ومنظم رغم ضرب النار. بص حواليه يدور على مخرج. الهنجر ده هو اللي بناه مع عادل، وعارف إن في فتحة تهوية قديمة ورا المولد الكهربائي الكبير اللي في آخر الممر.
​زحف سليم على بطنه وهو لابس بدلتها الكحلي اللي اتملت شحم وتراب، وسحب نفسه ببطء بعيد عن مكان ضرب النار. العساكر كانوا بيقربوا من صفائح الزيت بحذر، وسليم استغل ثواني التغطية دي، ووصل للمولد القديم.
​الفتحة كانت مقفولة بشبك حديد متهالك. سليم ضرب الشبك بكعب جزمته بقوة مرتين لحد ما اتخلع، وزق جسمه الرياضي المرن جوة الفتحة الضيقة وخرج منها على الزقاق الخلفي للمخزن.
​برة، الهوا البارد خبط في وشه. كان في عسكري واقف حراسة في الزقاق وظهره للفتحة. سليم نزل من الفتحة من غير ما يعمل أي صوت، وبسرعة البرق، طبق إيده على رقبة العسكري وضغط على مركز الأعصاب لحد ما العسكري ارتمى بين إيديه نايم. سحبه ورا صندوق زبالة كبير، وأخد طبنجته الميري وجهازه اللاسلكي وركب عربية جيب تانية مكنش حد واخد باله منها في زاوية الضلمة.
​شغل العربية من غير ما يقيد الأنوار، وطار بيها في الشوارع الجانبية الضيقة للسيدة زينب، وهو حاسس إن البلد كلها بقت مقلوبة عليه.
​فتح جهاز اللاسلكي اللي أخده من العسكري، وبدأ يسمع الإشارات:
​”المتهم سليم الرفاعي هرب من المخرج الخلفي.. كرر.. المتهم هرب في اتجاه بحري السيدة.. عايزين مدرعات تقفل المداخل.”
​سليم ابتسم بسخرية وسحب الفلاشة من جيبه وبص ليها. “السر كله هنا.”
​اتصل عل طول بـ سعد على تليفونه الخاص المؤمن:
​”سعد.. إنت فين؟”
​سعد رد بصوت واطي وقلقان:
​”أنا في الشقة السرية اللي في المقطم يا باشا.. معايا الدكتورة والعيال، يوسف بدأ يتنفس كويس وجلسة الأكسجين جابت مفعول، وسمر نايمة جمبه.. بس الأخبار بتقول إن المخزن اتقلب وفي كبسة عليك.. إنت كويس؟”
​سليم: “أنا تمام يا سعد.. عادل الصاوي سلمني للحكومة، بس اللعبة لسه في أولها.. اسمعني كويس، الشقة دي م تخرجوش منها، ومحدش يعرف مكانها غيري أنا وإنت.. الفلاشة اللي معايا عليها ورق يودي عادل والشنواني ورا الشمس.. بس الورق ده مش هيتسلم بالطريقة العادية.”
​سعد: “طب هنعمل إيه يا سليم بيه؟”
​سليم: “عايزك تجيبلي ‘مروان الهكر’.. تلاقيه قاعد في القهوة بتاعته في باب الخلق.. هاته من قفاه للشقة بالمعدات بتاعته.. الفلاشة دي لازم تتفك شفرتها الليلة دي.. وعايز نسخة من الحسابات دي تتبعت لأعلى رتبة في مباحث الأموال العامة، بس مش من تليفوناتنا.. هقولك تعمل إيه بالظبط لما أجيلك.”
​سليم قفل السكة، وبص في مرآة العربية.. لمح عربية سودا تانية بتمشي وراه ببطء من غير ما تفتح الأنوار. مكنتش عربية بوليس.. دي كانت عربية من رجالة “عيلة الشنواني”.
​سليم ضغط على بنزين العربية الجيب وصرخ المحرك في صمت الليل، والعربية اللي وراه فتحت أنوارها العالية فجأة وبدأت تطارده في شوارع القاهرة القديمة بسرعة جنونية.
​مطاردة الموت بدأت.. وسليم مش بس بيحارب عشان ينجو بنفسه، ده بيحارب عشان يوفي بوعده لسمر، ويقفل حساب السنين مع عادل الصاوي.
​الرصاص بدأ يضرب من العربية اللي وراه ويكسر الزجاج الخلفي لعربية سليم.. سليم مسك الدريكسيون بإيد، وبالإيد التانية طلع طبنجته ووجهها لورا وبدأ يضرب بثبات وتركيز..الرصاص كان بينزل على الإسفلت زي المطر، وسليم باصص في المراية وعينيه ماليها الغضب. العربية اللي وراه كانت عمالة تقرب وتخبط في ظهر عربيته عشان توقعه من على كوبري أكتوبر. سليم كبس بنزين على الآخر، وبحركة صايعة فرمل فجأة.. العربية اللي وراه ملحقتش تقف وخبطت في صداد عربيته الجيب المتين، لفت حولين نفسها وخبطت في سور الكوبري والكبوت بتاعها ولع نار.
​سليم م ضيعش ثانية، طار بالعربية على المقطم ووصل للشقة السرية. أول ما دخل، لقى سعد واقف ومروان “الهكر” قاعد قدام اللاب توب بتاعه وعينيه مبرقة في الشاشة.
​سليم رما الفلاشة قدام مروان وقاله بنبرة حاسمة:
​”قدامك نص ساعة يا مروان.. تفك شفرة الفلاشة دي وتنسخ كل الحسابات اللي عليها وتبعتها لنيابة الأموال العامة ومكتب النائب العام.. وتعمل نسخة تانية ترفعها على كل صفحات السوشيال ميديا عشان الفضيحة تبقى بجلاجل ومحدش يقدر يلم الموضوع.”
​مروان بدأ يشتغل بسرعة على لوحة المفاتيح وهو بيعرّق من التوتر: “ثواني يا سليم بيه.. الشفرة صعبة بس هجيبها.. مجدي السكري الله يرحمه كان عامل حماية تقيلة أوي.”
​في اللحظة دي، الباب الخشبي الصغير للأوضة الجوانية اتفتح، وخرجت منه سمر وهي بتفرك في عينيها. أول ما شافت سليم بالتراب والشحم اللي على هدومه، جريت عليه وكلبشت في رجله وهي بتعيط:
​”عمو سليم! إنت كويس؟ بابا جه معاك؟”
​سليم نزل على ركبه وضمها لصدره بالراحة، وقالها بصوت هادي ومطمن:
​”أنا كويس يا سمر.. وأخوكي يوسف نايم جوه وبيبقى أحسن.. بابا في مكان أحسن بكتير يا حبيبتي، بس سابلك أمانة وأنا جيت عشان أرجعلك حق بابا وحق الأمانة دي.”
​مروان صرخ فجأة بفرحة: “جبتها! الشفرة اتفكت يا سليم بيه! الورق كله اتنسخ وتبعت لكل الجهات الرسمية، والفيديو الفضيحة لـ عادل الصاوي وهو بيتفق على تسريب ورق الجمارك وأراضي الدولة لعيلة الشنواني بقى تريند على النت دلوقتي.. اللعبة انتهت رسميًا!”
​سليم وقف وابتسم ابتسامة النصر. التليفون اللي معاه رن.. وكان المتصل “عادل الصاوي”. سليم فتح السبيكر ببرود:
​”خير يا عادل؟”
​صوت عادل كان منهار تمامًا، بيعيط وبيصرخ وفي الخلفية صوت سرينات بوليس حقيقية بتقرب من بيته:
​”الحقني يا سليم.. الورق كله اتسرب.. البوليس تحت بيتي دلوقتي ومعاهم أمر ضبط وإحضار بتهمة الخيانة العظمى وقتل مجدي السكري.. سليم، أرجوك هربني.. أنا أخوك!”
​سليم رد عليه بنبرة جمدت الدم في عروق عادل:
​”أنا ماليش إخوات خونة يا عادل.. والدم اللي بيننا خلص يوم ما غدرت بمجدي ويتمت عياله.. روح بقى لـ عشماوي خليه يحكيلك عن الرجولة.”
​سليم قفل السكة في وشه، وبص لـ سعد وقاله:
​”يا سعد.. جهز ورقة وقلم.. العيال دول من اللحظة دي ولادي.. سمر ويوسف هيكبروا في أحسن مدارس، ومش هيشوفوا يوم أسود تاني في حياتهم.”
​سمر بصت ل سليم وعينيها بتلمع بدموع الفرح والأمل، وحست لأول مرة بالأمان الحقيقي بعد شهور من الخوف. سليم مسك إيدها وخرجوا البلكونة يبصوا على أنوار القاهرة وهي بتنور من جديد.. الحق رجع لأصحابه، وكبير السيدة علم الكل إن اللي ييجي على الغلبان.. ملوش دية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *