نسمه اتسمرت مكانها

نسمة اتسمرت مكانها في الطرقة، دمها هرب من عروقها وبقت واقفة زي الصنم، الكلمة رنت في ودنها وزلزلتها.. “بابا.. أنا جعانة”. الصوت مكنش تهيؤات، ده كان صوت طفلة بجد، طالع مخنوق من ورا الخشب ومن تحت العتبة، صوت حقيقي فيه رعشة وخوف وجوع يقطع القلب.
​نسمة لفت وشها بسرعة وبصت ناحية السلم، كامل بيه مكنش واقف، نزل المكتب وساب الطرقة فاضية، والست إحسان كانت تحت في المطبخ بتجهز القهوة الباردة بتاعته. الدنيا كانت هسس، ومفيش غير صوت دقات قلب نسمة اللي كانت بتطحن في صدرها زي الطبل. قربت خطوة.. خطوة واحدة وبقت لازقة في الباب، حطت ودنها على الخشب القديم المتربط بالحبل الكتان، وكتمت نفسها تمامًا عشان تسمع.
​سمعت خشخشة ضئيلة، كأن جسم صغير بيتحرك على الأرض، وبعدها صوت نفس متقطع، وصوت بكا مكتوم كأن الطفلة حاطة إيدها على بوقها عشان محدش يسمعها. نسمة حست بوجع في قلبها افتكرت فيه جدتها فوزية وهي بتكح وتعبانة، واقتنعت في ثانية واحدة إن اللي جوه دي مش شبح، دي روح بني آدم محبوسة في جهنم.
​مدت إيدها برعشة ولمست الحبل الكتان المربوط على المقبض، مكنش مجرد حبل، ده كان معقود عقد قوية ومختوم بوشم شمع أحمر، كأن اللي قفل الباب ده كان بيقفل مقبرة ومش عايز حد يلمسها. لسه صوابعها هتلمس العقدة، لقت إيد ناشفة وقوية زي الحديد مسكت رسغ إيدها وعصرته.
​نسمة صرخت صرخة مكتومة ولفت، لقت الست إحسان واقفة وراها، وشرار طالع من عينيها، وشها كان قالع ثوب الهدوء ولبس وش شيطان.
— إنتِ بتعملي إيه؟ أنا مش حذرتك؟ قولتلك الباب ده لو اتفتح، جهنم هتبلعنا كلنا! لولا إني عارفة حوجتك وحال جدتك، كنت رميتك في الشارع دلوقتي حالا!
​نسمة دموعها نزلت من الخضة والوجع: يا ست إحسان، أنا سمعت صوت.. والله سمعت صوت بنت صغيرة جوه بتقول “بابا أنا جعانة”.. دي بنت عايشة! كامل بيه حابس بنته جوه؟
​إحسان وشها اتقلب ألوان، ملامحها اتخضت بس حاولت تداري بسرعة، وزقت نسمة بعيد عن الباب وهي بتبص حواليها برعب ليكون كامل بيه طالع: صوت إيه يا مخبولة إنتِ؟ دي تهيؤات! الفيلا دي مسكونة بالوجع، وكل اللي بيدخل هنا بيتخيل حاجات مش موجودة. البنت ماتت وشبعت موت من سنتين في الحادثة، وكامل بيه قفل الأوضة دي على حاجتها ولبسها، ومحدش بيعتبها. انزلي قدامي على المطبخ، انزلي!
​نسمة نزلت ورجليها بتخبط في بعضها، مكنتش مصدقة كلام إحسان، الست دي بتجذب، عينيها كانت مليانة رعب ومش رعب من شبح، ده رعب من سر لو اتكشف هيودي في داهية. قعدت نسمة في المطبخ وهي ماسكة الفوطة وإيدها بتتفاض، عقلها شغال زي المكنة.. لو البنت عايشة، كامل بيه حابسها ليه؟ الراجل الغني اللي عنده ملايين في العاصمة الإدارية وسانت ريجيس، الراجل اللي بيمشي شايل جبل على ضهره، ليه يحبس ضناه؟ وليه الناس كلها فاكرة إنها ماتت؟
​طول اليوم، ونسمة بتتحرك في الفيلا كأنها في حلم مرعب. كانت بتمسح الأرض وعينيها على السلم، وكل ما كامل بيه يعدي من قدامها، تبص لوشه الميت وتستغرب.. إزاي الوش ده مخبي وراه الجريمة دي؟ الراجل ده كان بيقعد بالساعات في مكتبه، باصص للأرنب القماش اللي ودنه مقطوعة، ودموعه نازلة من غير صوت. لو كان ظالم وحابسها، ليه بيبكي عليها؟ ولو كان بيحبها، ليه سايبها تجوع ورا الباب؟
​الحكاية مكنتش راكبة على بعضها، ونسمة لقت نفسها قدام خيارين: يا تاخد ديلها في سنانها وتهرب وتدور على لقمة عيش في مكان تاني وتسيب البنت تموت جوه، يا تفضل وتعرف السير، بس الثمن ممكن يكون حياتها أو حياة جدتها اللي عايشة على الأكسجين.
​لما الليل ليل، والفيلا غرقت في ضلمة كئيبة، كامل بيه دخل أوضته وقفل على نفسه، والست إحسان غيرت هدومها وقالت لنسمة وهي قفشة مفاتيحها: أنا هروح أنام في أوضتي اللي في الملحق الجانبي للجنينة، إنتِ أوضتك في الدور الأرضي جنب المطبخ.. نامي يا نسمة، ومتتحركيش من سريرك لحد الصبح، عشان لو كامل بيه شاف خيال في الطرقة بالليل، مش هيسمي عليكي.
​نسمة دخلت أوضتها الصغيره، قفلت الباب وقعدت على السرير، الغسق ملا المكان وصوت الهوا بره بيرزع الشجر في الشباك. طلعت تليفونها القديم المكسور وكلمت جدتها فوزية بصوت واطي جدًا.
— أيوة يا ستي.. عامله إيه دلوقتي؟ أخدتي الدوا؟
— الحمد لله يا بنتي، طول ما أنا شامة ريحة النفس في الدنيا. إنتِ عاملة إيه في بيت الراجل المكسور ده؟
نسمة سكتت شوية، ودموعها نزلت: ستي.. هو ممكن حد يزور موت ابنه عشان يخبي حاجة؟
الجدة فوزية كحت كحة شديدة ورجعت قالت: يا بنتي، الملايين بتعمل كل حاجة، فيه ناس بتخبي ولادها عشان خايفة عليهم من القتل، وفيه ناس بتخفيهم عشان عار، وفيه ناس بتبدلهم بفلوس.. بس اللي بيعمل كدة بيبقى عايش في جحيم. إوعي تتدخلي في طار الكبار يا نسمة، إحنا غلابة ومبنستحملش خربوش منهم.
​نسمة قفلت مع جدتها والكلام زادها رعب على رعب، بس صوت الطفلة وهي بتقول “أنا جعانة” مكنش بيفارق ودنها. حست إنها لو نامت وسابت البنت دي هتموت من الجوع، هتبقى شريكة في الجريمة.
​الساعة جت اتنين بالليل، الفيلا كانت هادية زي المقبرة. نسمة قامت من على السرير براحة، مأخدتش كوتشي في رجلها، مشيت حافية عشان متعملش أي صوت على الرخام الساقع. طلعت المطبخ، فتحت التلاجة براحة كبيرة، ولقت علبة فيها كام حتة كيكة اسفنجية وعلبة عصير صغيرة، أخدتهم في إيدها وقلبها بيدق بغباء.
​طلعت السلم خطوة خطوة، الخشب مكنش بيزمر لأن السلم رخام هندي تقيل، بس الطرقة كانت ضلمة كحل، مفيش غير نور خفيف جاي من الشبابيك العالية بفعل ضوء القمر. وصلت قدام الباب المحرم، الأوضة اللي في آخر الطرقة.
​نزلت على ركبها، وحطت علبة العصير وحتت الكيك على الأرض، وقربت بوقها من الفتحة الصغيرة اللي تحت الباب.
— حبيبتي.. إنتِ سامعاني؟ — نسمة همست بالراحة خالص.
مفيش رد. الطرقة سكتت تمامًا.
نسمة كملت: أنا نسمة، الشغالة الجديدة.. أنا جبتلك أكل، كيكة وعصير.. إنتِ مين؟
​سمعت حركة سريعة، كأن الجسم بيزحف على الأرض ويقرب من الباب، وفجأة ظهر صوت نفس دافي من الفتحة اللي تحت، وصوت بكا صغنون: أنا ليلى.. أنا جعانة أوي يا طنط.. هم هيموتوني هنا؟
​نسمة حست بقبضة في قلبها، “ليلى”.. البنت اسمها ليلى، وده نفس الاسم اللي كامل بيه قاله وهو بيبكي على الأرنب.
— محدش هيموتك يا قلب طنط.. قوليلي، مين اللي قفل عليكي؟ بابا؟
ليلى عيطت بصوت واطي مبهدل: لأ.. بابا تعبان.. بابا نايم علطول.. هما قالوا لي لو طلعت، الراجل الوحش هيقتل بابا.. أنا خايفة.
​نسمة مكنتش فاهمة حاجة، “هما قالوا لي”؟ هما مين؟ يعني كامل بيه مش هو اللي حابسها؟ طب ومين الراجل الوحش؟
نسمة حاولت تفك اللغز بسرعة: ليلى، طب خدي الأكل ده من تحت الباب.
نسمة بدأت تفعص حتت الكيكة براحة وتزقها من الفتحة الصغيره اللي بين الباب والأرض، لقت إيدين صغيرة جدًا، صوابعها نحيفة وضوافرها مش نضيفة، بتتمد وتشد الكيك بلهفة وجوع غريب.. البنت كانت بتاكل كأنها مكلتش من أيام! وبعدها زقت لها علبة العصير بعد ما حطت فيها الشاليموه، وسمعت صوت ليلى وهي بتشرب بلهفة.
​— ليلى، هو مين اللي بيجيب لك أكل هنا؟
— طنط إحسان.. بتجيب لي أكل وحش ساعات، وبتقولي إني لو اتكلمت أو عملت صوت، بابا هيموت في سريره.. أنا بقالي كتير أوي هنا.. وحشني النور يا طنط.
​الست إحسان! الصدمة نزلت على نسمة كأنها مية تلج. إحسان هي اللي حابسة البنت، وهي اللي بتخوفها بكامل بيه، وهي اللي مفهمة كامل بيه إن بنته ماتت! طب ليه؟ وإيه المصلحة؟
وفجأة، وهي غرقانة في صدمتها، سمعت صوت تزييق خشب وراها.. صوت خطوة رجل!
​نسمة لفت وشها برعب، ولقت خيال طويل واقف في أول الطرقة، الخيال مكنش إحسان.. ده كان كامل بيه، واقف وبصيص لها وعينيه بتبرق في الضلمة، وكان ماسك في إيده مسدس!
​نسمة حست إن ركبها سابت، وقعت على الأرض ورفعت إيدها وهي بتبكي: والله العظيم ما بعمل حاجة يا بيه! أنا بس.. أنا بس كنت بأكلها.. دي بنتك ليلى يا بيه! بنتك عايشة ومماتتش!
​كامل بيه مشي خطوتين في الطرقة، خطواته كانت بطيئة وتقيلة، مسدسه كان موجه ناحيتها، وش مكنش فيه أي تعبير، كأنه راجل آلي أو حد ماشي وهو نايم. قرب لحد ما بقى واقف فوقيها بالظبط، بص للأكل الفاضي اللي تحت الباب، وبص لنسمة.
​وفجأة، ليلى من جوه الأوضة خبطت على الباب وقالت بصوت باكٍ: بابا؟ ده صوتك يا بابا؟ وحشتني أوي.. متخليهمش يقتلوك يا بابا!
​المسدس وقع من إيد كامل بيه على الأرض ورن رنة عالية على الرخام. الراجل وقع على ركبه كأن جبل انهد، وشه اتقلب في ثانية من الجمود لملامح واحد روحه بترجع له بعد سنين في القبر. مسك الخشب بتاع الباب وبدأ يصرخ ويبكي بحرقة هزت حيطان الفيلا كلها:
— ليلى؟ بنتي؟ ليلى إنتِ جوه؟ إنتِ عايشة يا قلب أبوكي؟
​بدا يضرب الباب بإيده وكتفه بعنف وهو بيصرخ زي المجنون، ويحاول يفك الحبل الكتان، بس العقد كانت قوية جدًا ومربوطة بسلك حديد من جوه الخشب ومتمكنة. كامل بيه كان بيعيط ويقول: “قالوا لي ماتت.. شفت جثتها بعيني في المستشفى وفنستها بإيدي! إزاي إنتِ هنا؟”
​نسمة، رغم رعبها، لقت نفسها بتتحرك بدافع الشهامة الجدعة بتاعة أولاد البلد. قامت تجري، نزلت على المكتبة وجابت مقص حديد كبير وسكينة من المطبخ، وطلعت تجري. بدأت تساعد كامل بيه، ويقطعوا في الحبل والسلك بكل قوتهم، والدموع مغرقة عيونهم، وليلى من جوه بتصرخ وتعيط من الخوف ومن الدوشة.
​وفي وسط المحاولات دي، ظهر صوت ضحكة خبيثة وباردة من وراهم على السلم.
— برضه فتحتي الباب يا نسمة؟ مش قولتلك بلاش.. مش قولتلك إن اللي بيفتح الباب ده بيدخل جهنم ومبيطلعش؟
​لفوا هم الاتنين، لقت الست إحسان واقفة في أول الطرقة، ومعاها راجل ضخم، جثة وعريض، وشه كله ندوب وشكله مجرم سوابق، وكان في إيده مطواة قرن غزال بتلمع في النور الضعيف. إحسان كانت بتبص لهم بنظرة انتصار وشماتة، ومفيش في عينيها أي رحمة.
​كامل بيه وقف، وحاول يداري نسمة ورا ضهره، وبص لإحسان بغضب يفلق الصخر:
— إنتِ يا إحسان؟ إنتِ اللي كلتي عيشي وملحي بقالك عشر سنين؟ حابسة بنتي جوه ومفهمني إنها ماتت؟ والجثة اللي أنا دفنتها دي كانت جثة مين يا فاجرة؟
​إحسان ضحكت بصوت عالي وقالت: الجثة دي كانت بنت ملجأ غلبانة، ميتة في نفس اليوم في حادثة تانية، وبفلوسك يا كامل بيه وبنفوذك.. سوري، قصدي بفلوس أخوك الشريك الكبير، كل حاجة اتزورت! أخوك طارق بيه اللي باعتك وشاريك، هو اللي خطط لكل ده عشان يورث شركات المقاولات وأبراج العاصمة، لأن الأبراج دي كلها كانت مكتوبة باسم ليلى وباسم أمها الله يرحمها. طارق بيه قتّل الأم في حادثة طريق الإسكندرية، وكان عايز يخلص من البنت، بس أنا صعبت عليا.. قولت حرام نموتها، نخليها هنا تحت عيني، أهو قرشين من طارق بيه كل شهر عشان أسكت، وأهو كارت إرهاب ليك عشان تفضل مكسور وميت بالحي ومتبصش في الشغل ولا الفلوس وتسب له الجمل بما حمل!
​كامل بيه حس إن الدنيا بتلف بيه، أخوه طارق؟ لحمه ودمه هو اللي عمل فيه كده؟ هو اللي سرق عمره وبنته ومراته؟
إحسان كملت وهي بتبص للراجل الضخم اللي معاها: بس خلاص يا كامل بيه.. اللعبة باظت، والست نسمة فتحت الباب اللي مبيتفتحش. وطارق بيه قايل لي لو السر ده اتعرف في أي يوم، الكل يموت والفيلا تتحرق وتبان إنها ماس كهربائي.. اخلص عليهم يا منصور!
​الراجل الضخم (منصور) هجم عليهم والمطواة في إيده، كامل بيه زق نسمة ورا ضهره وهجم على منصور بكل غله وحسرته على سنين عمره اللي ضاعت. الراجلين بقوا يضربوا في بعض، كامل بيه كان بيدافع عن بنته وروحه، ومنصور كان بيضرب بغل واحترافية إجرام. منصور ضرب كامل بيه بالمطواة في كتفه، كامل صرخ ووقع على الأرض والدم بدأ يغرق بدله الشيك.
​منصور رفع المطواة تاني عشان يخلص على كامل بيه في قلبه، ونسمة كانت واقفة مرعوبة، بس افتكرت كلام جدتها فوزية: “إحنا غلابة ومبنستحملش خربوش.. بس أولاد البلد مبيسبوش الحق”. نسمة لمت كل شجاعتها، وبالمقص الحديد الكبير اللي في إيدها، هجمت على ضهر منصور بكل قوتها وغرزته في كتفه!
​منصور صرخ صرخة هزت المكان ولف لنسمة وضربه قلم قوي طيرها على الأرض، وشها اتفتح وبدأ ينزف، والمقص وقع من إيدها. إحسان كانت واقفة بتضحك وبتقول: “اخلص منهم خلصنا!”
​منصور قرب من نسمة وهو عينه حمرا من الغضب والوجع، ورفع المطواة عشان ينزل بيها في صدرها.. وفي اللحظة دي بالذات، من بره الفيلا، السكون اتقطع بصوت سارينات بوليس عالية جدًا وبصوت ضرب نار بره في الجنينة!
​إحسان وشها اتقلب برص واتخضت: البوليس؟ مين اللي جاب البوليس هنا؟
​الباب الرئيسي للفيلا تحت اترزع واتكسر، وصوت خطوات عساكر وضباط بتجري على السلم وبيصرخوا: “اثبت مكانك يا مجرم إنت وهي! المكان كله محاصر!”
​منصور وإحسان اتسمروا مكانهم، ومنصور رمى المطواة وبدأ يبص حواليه زي الفأر المحبوس، وإحسان قعدت على الرخام وهي بتلطم على وشها وتصرخ: “خراب بيوت.. طارق بيه هيودينا في داهية!”
​كامل بيه، وهو بينزف على الأرض، بص لنسمة وهو مش قادر يتنفس، وابتسم ابتسامة مكسورة وقال: “أنا اللي طلبت البوليس يا نسمة.. من أول ما شوفتك بتأكليها بره، بعت رسالة مشفرة لواحد صاحبي لواء في الداخلية كنت شاكك في كل حاجة.. إنتِ أنقذتي بنتي يا نسمة.. إنتِ أنقذتي حياتي”.
​الضابط طلع الطرقة وكلبش إحسان ومنصور، والعساكر بدأوا يكسروا الباب بفأس حديد. خبطة.. التانية.. الباب اتكسر تمامًا والضلمة اللي جوه الأوضة انقشعت بنور كشافات البوليس.
​من جوه الأوضة، ظهرت طفلة صغنونة، شعرها مبهدل، ووشها أبيض زي الملائكة بس مليان تراب، كانت ضامة الأرنب القماش التاني اللي كان معاها جوه، وبتعيط. كامل بيه زحف على الأرض وهو بينزف، وخدها في حضنه وضمها بكل قوته وهو بيبكي ويصرخ: “يا قلب أبوكي.. سامحيني يا ليلى.. سامحيني يا بنتي!” ليلى كانت ماسكة في رقبة أبوها وبتعيط وتقول: “أنا عارفة إنك هتيجي يا بابا.. طنط نسمة قالت لي إنك هتيجي”.
​الإسعاف جت ونقلت كامل بيه ونسمة المستشفى، وليلى كانت في حضن أبوها ومفارقتوش ثانية واحدة. طارق بيه، أخو كامل، اتقبض عليه في نفس الليلة في المطار وهو بيحاول يهرب بره البلد بعد ما عرف إن السر اتكشف والطبخة باظت.
​بعد أسبوع..
نسمة كانت قاعدة في بيتها البسيط في عين شمس، وجدتها فوزية نايمة على السرير، بس جمبها جهاز أكسجين جديد غالي ومن أحدث الأنواع، والبيت كله مليان علب دوا مكنوش يحلموا يشتروها، وكان فيه شيك بمبلغ كبير محطوط على الترابيزة باسم نسمة، مكافأة من كامل بيه، غير مرتب شهري ثابت ليها طول العمر كأنها شريكة في الأملاك.
​الباب خبط، نسمة فتحت لقت كامل بيه واقف، كتفه متجبس، ووشه فيه صحة وروح جديدة، وماسك في إيده ليلى اللي بقت لابسة فستان بمبي شيك وشعرها متسرح وزي القمر، وفي إيدها الأرنب الأبيض نظيف ومغسول.
​كامل بيه بص لنسمة بعيون مليانة امتنان وتقدير وقال: “أنا مش جاي بصفتي صاحب الشغل يا نسمة.. أنا جاي أقولك إن الفيلا في التجمع اتهدت، وبنينا مكانها بيت جديد، والبيت ده ملوش لازمة من غير البنت الجدعة اللي رجعت له الروح.. إنتِ مش هتشتغلي عندنا تاني يا نسمة.. إنتِ بقيتي أختي الكبيرة، وليلى ملهاش غيرك يعوضها عن أيام الضلمة.. هتيجي تعيشي معانا إنتِ والحاجة فوزية؟”
​نسمة بصت لجدتها اللي ابتسمت لها وهزت رأسها بالموافقة، وبصت لليلى اللي جريت عليها وحضنت رجليها وقالت: “تعالي معايا يا طنط نسمة عشان نلعب بالأرنب سوا”.
​نسمة دمعت من الفرحة، وحست إن رب الخير مبيجبش إلا الخير، وإن أكل العيش الحلال والشهامة الحقيقية ممكن يفتحوا أبواب رحمة مقفولة من سنين.. ووافقت وهي شايلا ليلى في حضنها، وبدأت صفحة جديدة كلها نور ودفا، بعيد عن ضلمة الباب المحرم وسنين الوجع.نسمة شالت ليلى ودموعها نازلة من الفرحة، وبصت لكامل بيه وقالت له بصوت مخنوق: “الخير اللي بيتعمل يا بيه ملوش ثمن، وأنا وجدتي فوزية ملناش بركة إلا ليلى وأبو ليلى.. إحنا معاكم في أي مكان”.
​مرت الأيام، ونسمة وجدتها فوزية نقلوا الفيلا الجديدة في التجمع. المكان مابقاش كئيب ولا ضلمة، الست فوزية بقت قاعدة في جنينة الفيلا بتشرب الشاي في الشمس، وصحتها ردت وبقت تدعي لنسمة وليلى طول اليوم. ونسمة مبقتش الشغالة اللي بتنضف وعينيها في الأرض، بقت هي الروح والقلب للبيت ده، بتذاكر لليلى، وبتسرح لها شعرها، وبتعلمها تضحك من تاني وتنسى أيام الضلمة.
​كامل بيه رجع لشركته وأشغاله، بس المرة دي بضهر مفرود وعينين بتلمع بالروي والأمل. طارق بيه وأعوانه أخدوا جزاءهم والمحكمة حكمت عليهم بأحكام رادعت كل اللي تسول له نفسه يظلم أو يزور.
​وفي يوم من الأيام، كامل بيه كان راجع من الشغل بالليل، لقى الصالون منور، ونسمة قاعدة بتلعب مع ليلى بالأرنب الأبيض الصغير، وصوت ضحكهم مالي المكان. وقف على الباب يتفرج عليهم، وحس إن الثروة الحقيقية مش الملايين ولا الأبراج اللي في العاصمة، الثروة هي القلوب الجدعة اللي ربنا بيحطها في طريقنا عشان تنور حياتنا من جديد.
​قرب منهم، وطبطب على كتف نسمة وقال لها: “عارفة يا نسمة؟ أنا كنت فاكر إن الفلوس بتحمي من كل حاجة، بس طلعت الشهامة وأولاد البلد الجدعان هم السند الحقيقي وقت الشدة. شكراً ليكي يا أختي، لأنك مأكلتيش عيش وبس.. إنتِ رجعتي لي الحياة”.
​نسمة ابتسمت وبصت لليلى وضمتها وقالت: “البيوت بأصحابها يا كامل بيه، والحمد لله إن باب الظلمة اتقفل للأبد، وباب الخير والرضا اتفتح ومفيش قوة في الدنيا هتقدر تقفله تاني”. وبكده خلصت قصة نسمة وكامل بيه وليلى، قصة بدأت بوجع وخوف في ضلمة الطرقة، وانتهت بنور الدفا والشهامة اللي مبيفارقوش ولاد البلد أبدًا.يا ستي، القصة كانت خلاص قفلت على نهاية حلوة ودافية، بس لو حابين نمد خيط الحكاية لسنوات قدام ونشوف “النهاية الأبدية” لأبطالنا بعد ما السنين دارت، فالحكاية كملت كدة:
​مرت عشر سنين كاملة على ليلة فتح الباب المحرم.. عشر سنين والزمن غيّر ملامح كل حاجة، بس مغيرش القلوب.
​الجدة فوزية عاشت آخر أيامها في عز ودفا، وسط دعواتها اللي كانت مالية الفيلا، وتوفيت وهي راضية ومطمنة على نسمة، واندفنت بمقابر تليق ببركتها، وسابت وراها سيرة حلوة في البيت كله.
​نسمة مبقتش البنت المخضوضة اللي جاية بكيس بلاستيك من عين شمس؛ كامل بيه وفي بوعده، وعاملها كأخت حقيقية ولحم ودم، دخلت الجامعة ودرست إدارة أعمال، وبقت هي اللي ماسكة حسابات وإدارة جزء كبير من شركات كامل بيه اللي كبرت وبقت ملء السمع والبصر. كامل بيه شعر راسه كله بقى أبيض، بس صحته وبصره ردوا له، وبقى يقعد في مكتبه والابتسامة مفارقاهوش، خصوصاً لما يشوف ليلى.
​أما ليلى.. فبقت عروسة زي القمر، داخلة الجامعة، وذكية وناجحة، والأهم من ده كله إنها طلعت بنت بلد جدعة ومتواضعة، اتعلمت الأصول والشهامة من نسمة. عُقد الخوف والضلمة اتمحت تماماً من ذاكرتها، ومبقاش فاضل من الذكرى القديمة دي غير “الأرنب القماش الأبيض” اللي لسه محطوط في برواز قزاز غالي في صالون الفيلا، كأنه وسم شرف وتذكار باليوم اللي انكتب فيه ليهم عمر جديد.
​وفي ليلة من ليالي الشتا الدافية، كانت الفيلا منورة على آخرها بمناسبة نجاح ليلى في الثانوية العامة بتفوق. الكل كان متجمع، وكامل بيه واقف وسط الضيوف فخور وبيرحب بالناس، ونسمة واقفة جنبه بتدير كل حاجة بذكاء وهيبة بنت الأصول.
​كامل بيه وقف في وسط الصالة، وطلب من الكل السكوت، ورفع كأسه ووجه كلامه لنسمة قدام كل رجال الأعمال والعيلة:
— من عشر سنين، البيت ده كان قبر، وأنا كنت ميت بالحي. ربنا بعت لي نسمة مش عشان تنضف حيطان، دي نضفت الحزن من قلوبنا، وفتحت باب النور اللي أخويا من دمي قفله عليا. نسمة من اليوم ده مش بس مديرة شركاتي.. نسمة شريكة بالثلث في كل أملكاك كامل الصاوي، وليها حق الإدارة المطلق، وده حقها بجدعنتها وأصولها.
​الناس كلها صقفت، ونسمة عينيها دمعت واضطربت، وبصت لكامل بيه وقالت له بصوت واطي: “كتير عليا يا كامل بيه، أنا مكنتش عايزة غير أكل عيش حلال ودوا لستي”.
رد عليها وهو بيبتسم: “الرزق الحلال يا نسمة لما بيمشي بالشهامة، ربنا بيفيض عليه لحد ما يغرق أصحابه”.
​ليلى جريت على نسمة وحضنتها ووشوشتها في ودنها: “مبروك يا أحلى أخت وأم في الدنيا.. لولاكي كنت هفضل في الضلمة”.
​وبكده، اتقفلت الحكاية للأبد.. نهاية حقيقية بتقول إن البيوت مش حيطان وخشب وقفل، البيوت هي الأمان والناس اللي بنحبهم. والشر مهما طال ليله واتقفل عليه مية باب، بييجي عليه يوم وينكشف قدام ضوء الحق والشهامة.. وعاشت نسمة وليلى وكامل بيه في تبات ونبات، وسيرتهم بقت مَثل في التجمع وعين شمس وكل مكان عن “بنت البلد” اللي غيرت القدر بلقمة عيش وكلمة حق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *