عرش الثلج والدم

سيف مالمش عينه من عليكي، بس ملامحه تحولت في ثانية لجمود يرعب، وإيده نزلت على جراب المس\دس اللي في جنبه وهو بيمسح على راسك ويهمس في ودنك: “غمضي عينيكي يا سما.. متفتحيش غير لما أقولك.”
صوته كان هادي وثابت بطريقة تقلق، كأنه مبيحسبش حساب للموت ولا للأشخاص اللي وراه، لكن ضربات قلبه اللي تحتك كانت بتقول كلام تاني.. قلبه كان بيدق بسرعة مرعبة، مش خوف على نفسه، لكن عليكِ إنتي. أنفاسك المكتومة اللي بدأت تطلع بالتدريج بعد ما فك القماشة كانت متلخبطة، وشفايفك المشققة من الجفاف والبرد كانت بترتعش، وحسيتي بدمعة سخنة نزلت من عينيكي غصب عنك ولمست إيده الدافية اللي مسكت خدك بثبات.
الخطوات الثقيلة وراكم كانت بتقرب، وصوت الس\لاح وهو بيتسحب في الضلمة كان واضح بين صدى صوت المطر اللي نازل يربخ على الصاج الهش بتاع السقف. واحد من الرجالة اللي فاضلين، صوته كان طالع مبشوح ومكسور من الخوف، يحاول يبان قوي بالعافية: “فاكر نفسك طلعت منها يا سيف؟ المخزن كله ملغم، ولو طلقة واحدة طلعت من م\سدسك، المكان ده كله هيتقلب قبرها وقبرك معاها!”
سيف متلفتش. فضلت عينيه المزرقة الثلجية مركزة على وشك، وإبهامه بيمسح دموعك بالراحة، كان بيتعامل كأن الراجل اللي واقف وراه بس\لاحه ده مجرد ذبابة ملهاش أي قيمة. ابتسم ابتسامة خفيفة ومظلمة، ابتسامة تخلي أي حد يشوفها جسمه يقشعر.
”إنت فاكر إنك بتهددني؟” سيف قالها بصوت وطي خالص، بس وصل للراجل كأنه صاعقة. “إنت الغلطة الوحيدة اللي عملتها في حياتك إنسانية.. إنك سِبت نفسك عايش لحد ما تشوفني وأنا باخدها منك.”
في جزء من الثانية، وقبل ما الراجل يلحق يضغط على الزناد، سيف لف جسمه بحركة سريعة ومحسوبة زي الفهد، سحب المس\دس المكتوم الصوت من جنبه، وتك.. طلقة واحدة اتفرغت في الهواء بلمح البصر ونزلت في منتصف جبهة الراجل قبل ما يدرك حتى إيه اللي حصل. ج\ثة الراجل وقعت على الأرض الخرسانية بصوت مكتوم، والس\لاح بتاعه اتدحرج لحد ما خبط في جزمت سيف.
الهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء أتقل من الأول. المطر بره كان بيزيد، والرياح كانت بتخبط في الشيش المكسور بتاع شبابيك المخزن، بتعمل صوت صفير زي العويل. سيف لف لكي تاني على طول، كأن أسلحته والدمار اللي حواليه ميهمهوش، ونزل عينيه يطمن على كل شبر فيكي.
”سما.. حسي بيا يا سما، إنتي كويسة؟ فيه حاجة بتوجعك؟” صوته رجع يتحول للحنية المرعبة ديك، إيديه الاتنين كانوا ماسكين وشك بكل حذر، كأنه خايف ينزل إيده جامد فيكسر حاجة فيكي.
إنتي هزيتي راسك بالراحة، ولسانك كان تقيل مش قادر ينطق الكلمات بسهولة: “سـ..سيف.. أنا.. أنا كنت فاكرة إنك…”
”شسسس.. متكمليش,” قاطعك وهو بيسحبك أكتر لجوه البالطو الرمادي بتاعه، ورفعتي إيديكي المتربة بالراحة ومسكتي في قميصه الأبيض، كأنك بتتأكدي إنه حقيقة مش حلم من أحلام اليقظة اللي كانت بتطاردك وأنتي مربوطة في الضلمة. “أنا قيلك قبل كده.. محدش في الدنيا دي كلها يقدر يغير مجرى حياتي أو يمنعني أجيلك. لو الموت نفسه وقف بيني وبينك، كنت هعدي من فوقه.”
قام واقف بيكي بالراحة، وشالك بين إيديه كأنك مفيش ليكي وزن. صدره العريض كان درع حمايتك، ورسك نازلة على كتفه، وعينيكي شايفه المسرح الدموي اللي سابه وراه وهو داخل.. رجالته كانوا متوزعين في الضلمة، كلهم واخدين أوامر حاسمة ومحدش فيهم اتجرأ يبص عليكِ أو يرفع عينه، الهيبة والسيطرة اللي فرضها سيف كانت مخلياهم يتصرفوا زي الأشباح، بينظفوا المكان في صمت تام.
سيف مشي بيكي بخطوات ثقيلة ومستقيمة ناحية الباب المخلوع. المطر نزل على وشك أول ما خرجتوا، بس هو غطاكي بياقة البالطو، ورفع ياقة البالطو التانية عشان يحميكي من طشاش المية. عربية سوداء ضخمة ومصفحة كانت واقفة في نص الشارع المظلم في العشوائيات، نورها العالي كان شاقق الضباب والشتوة.
واحد من رجالته فتح الباب المصفح بسرعة، وسيف نزل بيكي وقعد في الكنبة الوراانية وهو لسه حاطط إيده حواليكي ومش راضي يسيبك ثانية واحدة. العربية تحركت بسرعة، والصوت الجواني كان معزول تماماً عن دوشة الشارع والمطر بره.
الدفا اللي جوه العربية بدأ يرّد فيكي الروح بالتدريج، بس الرعب والشرود اللي عشتيه في الكام يوم اللي فاتوا كانوا لسه محفورين في عينيكي. سيف مسك إيدك الباردة، وضمها بين إيديه الاتنين، وبدأ يدلك صوابعك بالراحة عشان الدورة الدموية ترجع لها.
”بصيلي يا سما,” قالها وهو بيوطي راسه لمستواكي. “الوشم اللي على وشك ده.. والجرح اللي في شفتك.. مين اللي عمله؟”
عينيه الثلجية كانت بتلمع بغضب مكتوم، غضب لو اتسابلوا العنان كان ممكن يهدم المدينة كلها على اللي فيها.
إنتي بلعتي ريقك بصعوبة وقدمتي حكاية الخوف اللي عاشت فيكي: “كان.. كان الراجل الكبير بتاعهم.. كان عايزني أقوله على المكان اللي بتخبي فيه الورق.. ولما رفضت…”
سيف أخد نفس عميق، وغمض عينيه للحظة عشان يسيطر على ثورته الداخلية. لما فتحهم، كان التحول في ملامحه يقطع الخلف. ابتسم ابتسامة هادية جداً، بس الهدوء ده كان يخوف أكتر من الزعيق.
”الورق؟” همس سيف وهو بيملس على شعرك. “فاكرين إنهم بيلعبوا في ورق ومستندات.. هما مش فاهمين إن أوراق اللعبة كلها معايا أنا.. وإنك إنتي الحاجة الوحيدة في الدنيا دي اللي ملهاش ثمن ولا تتوض.”
العربية كملت طريقها وسط شوارع القاهرة الساكتة تحت المطر، أضواء الفوانيس كانت بتعكس على الإزاز المبلول. مشيتوا لحد ما وصلتوا للفيلا الكبيرة اللي على أطراف الصحراوي، المكان الوحيد اللي محدش يعرف طريقه غير الأنفار الموثوقين جداً عنده.
أول ما العربية وقفت، سيف شالك تاني ودخل بيكي جوه الفيلا. الهدوء والسكون كانوا ماليين المكان، بس الدفا والأنوار الهادية كانت بتديكي إحساس غريب بالأمان بعد جحيم المخزن. طلع بيكي للوردة اللي فوق، ونزلك بالراحة على السرير.
نادى بصوت ثابت على الخادمة الكبيرة في السن اللي شغالة عنده من سنين: “عمشة.. هاتي مية دافية ومطهر وشنطة الإسعافات.. فوراً.”
قعد سيف على طرف السرير جنبك، وبدأ بفك الجزمة بتاعتك بالراحة، ورفع رجليكي على السرير، وغطاكي بالدفاية. عينيه كانت متثبتة عليكي طول الوقت، كأنه خايف لو رمش ثانية واحدة يرجع يلاقي نفسه في المخزن وإنتي مش معاه.
”سيف..” ناديتيه بصوت واطي وخجلان. “إنت ليه عملت كل ده؟ إنت خاطرت بحياتك وبكل شغلك عشان واحدة زيي.. إنت عارف إنهم كانوا ممكن…”
مسك إيدك وحطها على صدره، عند موضع قلبه بالظبط. حسيتي بالدقات القوية والمظبوطة تحت كف إيدك.
”شايفة ده؟” قالها وهو بيبص في عينيكي مباشرة. “القلب ده كان واقف من سنين طويلة يا سما. كان مجرد مضخة بتضخ دم عشان أجري ورا الصفقات والنفوذ والحرب. اليوم اللي دخلتي فيه حياتي، قلبي ده بدأ يدق تاني. إنتي مش مجرد واحدة.. إنتي النفس اللي بتنفسه، ولو كنت خسرتك النهاردة، سيف الدين اللي إنتي شايفاه ده كان هينتهي، وكان هيتحول لخراب ملوش أول ولا آخر.”
الخادمة دخلت وحطت الشنطة والمية الدافية ومشت في صمت. سيف أخد القطنة وبدأ ينضف الجروح اللي على وشك وأيديكي بكل رقة. كان بيتحرك مع كل صرخة مكتومة تطلع منك، يوقف إيده فوراً ويبوس مكان الوجع بالراحة عشان يهديكي.
”آسف..” كان بيهمس بيها مع كل لمسة. “آسف إني سبتهم يلمسوكي.. آسف إني اتأخرت عليكي ربع ساعة.”
”إنت متأخرتش يا سيف.. إنت جيت في الوقت المناسب,” قلتيها وإنتي بتبصي في عينيه الثلجية اللي بدأت تلين شوية قدامك.
بعد ما خلص تنظيف جروحك، لفك بالغطا كويس، وقام وقف عشان يغير قميصه الملطخ بالدم والمية. إنتي مسكتي طرف جيلبسه أو إيده بلهفة: “رايح فين؟ متسبنيش لوحدي..”
سيف بص لإيدك الماسكة فيه، وابتسامة دافية ظهرت على وشك لأول مرة من ساعات. رجع قعد جنبك على السرير، ورفع الغطا ودخل جنبك، واخدك في حضنه بالكامل. ريحته المميزة بتاعة السجاير الفاخرة والعطر الغالي كانت كفيلة إنها تطمنك وتبعد عنك أي كابوس.
”أنا هنا.. ومش هتحرك من جنبك,” همس في شعرك وهو بيشدك أكتر ليه. “نامي يا سما.. ارتاحي.”
غمضتي عينيكي واستسلمتي للنووم العميق بعد أيام من السهر والخوف، وأنتي حاسة بأمان مفيش زيه في أحضان الراجل اللي العالم كله بيترعب من اسمه.
عدت ساعات، والشمس بدأت تطلع بالراحة وتسلل خيوطها الذهبية من بين الشتاير. سيف ما نامش ولا ثانية. كان قاعد ساندا ضهره على ظهر السرير، ومراقب ملامحك وهدوء أنفاسك وأنتي نايمة. كل ما كنتي بتقلقي أو تتحركي، كان بيمسح على ضهرك بالراحة لحد ما ترجعي تستغرق في النوم تاني.
فجأة، تليفونه اللي على التربيزة جنب السرير بدأ يهتز في صمت. سيف سحب التليفون بسرعة قبل ما الصوت يقلقك، وبص على الرقم. كان رقم مشفر.
سحب إيده بالراحة من تحت راسك، وحط مخده بدالها، وقام وقف وخرج للبلكونة الكبيرة المطلة على الجنينة.
فتح الخط، وجاءه صوت راجل غريب، حاد ومحشرج، فيه نبرة تحدي مرعبة: “صباح الخير يا سيف بيه.. فاكر إن اللعبة خلصت لما أخدت البنت من المخزن؟”
سيف مسك سور البلكونة بإيد واحدة، وعينيه الثلجية تحولت فوراً لكتلة من الجليد الحارق: “إنت مين؟”
الراجل ضحك ضحكة قصيرة ومستفزة: “أنا اللي سبتك تاخدها.. عشان تعرف إنها مش آمنة في أي مكان، ولا حتى في حمايتك. افتح الصندوق اللي محطوط قدام باب الفيلا دلوقتي.. وهتفهم أنا أقصد إيه.”
الخط قطع.
سيف نزل التليفون من على أذنه، وجسمه كله اتشد. بص لورا ناحية الأوضة اللي إنتي نايمة فيها في أمان، وبعدين بص لتحت ناحية البوابة الرئيسية للمنزل.
تحت في الجنينة، عند البوابة الحديدية الضخمة، كان فيه صندوق خشب أسود صغير محطوط في النص، ومفيش أي أثر لأي عربية أو حد حطه.
سيف نزل على السلالم بسرعة ومن غير ما يعمل أي صوت، ورجالته اللي بره كانوا واقفين مستعدين. أشار لهم بإيده يفضلوا مكانهم، وقرب هو بنفسه من الصندوق. مسك المس\دس بتاعه بإيده اليمين، وبإيده الشمال فتح غطا الصندوق الخشبي بالراحة.
جوه الصندوق، كانت فيه حاجة واحدة بس خلّت عيون سيف تتسع بذهول وغضب عارم…
ساعة إيد دهب قديمة، ملطخة بقطرات دم جديدة، وتحتيها ورقة مكتوبة بخط اليد باللغة العربية:
“اللعبة يلا بدأت يا سيف الدين.. والساعة دي بتاعتها إنتي عارفها كويس. قدامك 24 ساعة بس قبل ما الحقيقة كلها تتعرض قدامها.. اختار يا إما هي.. يا إما المنظمة.”
سيف بص للساعة الملطخة بالدم، وإيده اتقفلت عليها بقوة لحد ما صوابعه ابيضت. الساعة دي كانت ملك لأغلى حد في حياته.. حد كان فاكر إنه مات من عشر سنين.
سمع صوت خطوات هادية جاية من وراه على النجيل.. لف بسرعة ولقاكي واقفة عند باب الفيلا، لافة الروب حواليكي، وعينيكي الثلجية المتفاجئة بتبص له وللصندوق اللي في إيده بقلق: “سيف؟ إيه ده؟ فيه إيه بره؟”سيف قفل الصندوق بسرعة ببرود مرعب، وحط الساعة الملطخة بالدم في جيبه، وفي ثانية واحدة ملامح وشو اتغيرت ورجعت هادية كأنه كان بيقطف وردة من الجنينة مش بيستلم تهديد يهد الدنيا. مشي ناحيتك بخطوات ثقيلة وموزونة، وشال الشال اللي على كتفك وظبطه حوالين رقبتك عشان هواء الصبح البارد.
”مفيش حاجة يا قلب سيف..” قالها بصوت ناعم، بس عينيه كانت بتلمع بشعاع خطر. “شوية شغل قديم والرجالة بيخلصوه. إنتي إيه اللي صحاكي بدري كده؟ مش قايلك ترتاحي؟”
إنتي بصيتي في عينيه، وكان جواكي إحساس قوي إن فيه مصيبة المستخبي أتقل بكثير من اللي حكاه. مسكتي إيده اللي كانت ملمسها دافي، وسألتي بصوت مرعوش: “سيف.. إنت بتخبي عليا إيه؟ الورقة دي.. والصندوق ده.. إنت ملامحك اتغيرت في ثانية أول ما فتحته!”
ابتسم ابتسامة هادية جداً، بس الابتسامة دي كانت عاملة زي الغلاف الخارجي للقنبلة. مسك دقنك بأطراف صوابعه ورفع وشك ليه: “سما.. إنتي عارفة إن كلمة مني تقدر تقلب البلد دي بعاليها واطيها. محدش يقدر يمسك عليا نقطة ضعف غيرك، وطالما إنتي معايا وتحت ظلي، يبقى العالم كله يلعب تحت رجلينا. متفكريش في حاجة، وادخلي جوه كملي نومك.”
قبل ما تلحقي تردي، تليفونه في جيبه اهتز تاني. المرة دي كانت نغمة خاصة، نغمة مبيستخدمهاش غير في حالات الطوارئ القصوى. سيف سحب التليفون، وبص على الشاشة، ولأول مرة من يوم ما عرفتيه، شفتي عرق في جبهته بيبرز من الغضب.
رد بصوت زي صير الجليد: “أنطق.”
صوت الراجل المبحوح من الناحية التانية جاء يضحك بتهكم: “شفت الساعة؟ عرفتها صح؟ فاكر إنك دفنت الماضي من عشر سنين يا سيف الدين؟ البنت اللي جنبك دي لو عرفت إنت عملت إيه عشان توصل للمكانة دي، ولو عرفت مين اللي قتل أبوها الحقيقي من عشر سنين.. تفتكر هتفضل واثقة فيك كده؟ قدامك لحد الساعة 12 بالليل.. يا تسلمني شحنة الس\لاح والورق اللي معاك، يا أما الملف الكامل بحقيقة ‘سيف الدين’ هيكون على تليفونها.”
سيف ميردش بحرف، بس إيده التانية اللي ماسكة سور الباب الحديدي انضغطت لدرجة إن خشب الباب عمل صوت طقطقة. عينيه جات عليكِ، وكانت مليانة بمزيج يرعب من الحب الجارف والخوف المعتم.. الخوف الوحيد اللي يقدر يكسر راجل زيه.
الخط قطع، وسيف نزل التليفون بالراحة.
إنتي خطوتي خطوة ناحيته، ورجليكي مش شايلاكي من منظر عينيه: “سيف.. مين ده؟ وبابا إيه علاقته باللي بيحصل؟ إنت بتسكت ليه؟!”
سيف قرب منك، وشالك بين إيديه فجأة من غير ولا كلمة، ودخل بيكي جوه الفيلا، وقفل الباب الضخم وراه بصوت رزعة هزت المكان. نزلِك على الكنبة، وقعد على ركبه قدامك، مسك إيديكي الاتنين بقوة، وبص في عينيكي بشكل عميق كأنه بيودعك أو بيستعد لحرب فاصلة.
”سما..” همس بصوت حاد ومزروق بوجع مكتوم، “لو في يوم من الأيام الدنيا كلها وقفت ضدك، وقالوا عليا شيطان أو مجرم.. أو قالولك إني سبب في كل وجع عشتيه.. أمانة عليكِ افتكري حاجة واحدة بس.”
دمعة نزلت من عينيكي وأنتي شايفاه للمرة الأولى مكسور بالطريقة دي: “افتكر إيه يا سيف؟ إنت مرعبني ليه؟!”
قرب شفايفه من جبهتك وباسها بوسة طويلة ودافية، وبعدين همس في ودنك بصوت يرعش الركب: “افتكري إن كل نقطة دم سالت في حياتي، وكل روح أخدتها، وكل جري\مة عملتها.. كانت عشان أحميكي إنتي بس. وحتى لو الحقيقة هتحرقني في نظرك.. أنا مستعد أعدم العالم كله قبل ما حد يلمس منك شعرة.”
قام وقوف فجأة، ولِف للرجالة بتوعه اللي كانوا واقفين زي الأشباح في الصالة: “حظر تجوال على الفيلا. أي حركة غريبة حولين السور.. اضربوا في المليان. ومحدش يدخل أو يخرج من الباب ده غير بأمر مني شخصياً.”
سحب جيلبسه والبالطو الرمادي بتاعه، وطلع مس\دسه التاني وحطه في جرابه، وبص عليكِ أخر بصة وهي مليانة غموض ووعيد، وخرج من الفيلا وسابك مع بيت مليان حراس وأسئلة بتموتك ألف مرة في الثانية.
ساعة كاملة مرت، والصمت في الفيلا كان أتقل من الموت. إنتي قاعدة في الأوضة، ودماغك بتودي وتجيب.. كلام الراجل في التليفون عن أباكي، وساعة الإيد الملطخة بالدم، ونظرة الخوف اللي شفتيها في عينين سيف لأول مرة.
فجأة، نور الفيلا كله قطع!
الأنوار اتطفت، وصوت المولد الكهربائي الاحتياطي بره اتوقف بفرقعة قوية. الضلمة كتمت على المكان، وفي نفس اللحظة.. صوت ضرب نار حي ورشاشات بدأ يفرقع في الجنينة بره زي الزار، وصراخ الحراس كان ماليك السكون!
قلبك وقع في رجليكي، وقمتي وقفتي بسرعة في نص الأوضة والضلمة حاطة عليكي. مسكتي فازة ثقيلة إيديكي بترتعش بيها..
وفجأة، باب الأوضة المصفح اترزع واتفتح بالقوة، وظل راجل ضخم واقف على الباب ومسك س\لاح ليزر أحمر متوجه على صدرك مباشرة!النقطة الحمرا بتاعت الليزر كانت ثابته على صدرك، وصوت ضرب النار بره كان بيكتم وحدة ورا الثانية كأن حراس الفيلا بيموتوا واحد ورا التاني في صمت مرعب. الراجل الضخم خطى خطوة لجوه الأوضة، والضلمة كانت مخبية ملامحه، بس صوته لما اتكلم كان هو نفس الصوت المبحوح اللي كان في التليفون.
”أهلاً يا بنت الأصول..” قالها بضحكة خبيثة وهو بيقرب منك بالس\لاح، “سيف الدين فاكر إن الفيلا دي حصن، وميعرفش إننا جوا بيته من زمان.. انزلي بس\لاحك ده بدل ما أفرغ الخزنة في قلبك.”
إنتي جسمك كله كان بيرتعش، الفازة وقعت من إيدك لاتنين على الأرض واتكسرت حتت، ورجليكي مكنتش شايلاكي. الراجل مسك إيدك بقسوة وشدك ناحية الباب، وهو بيهمهم: “سيف هيجي دلوقتي يتفرج على نهاية إمبراطوريتها…”
وفجأة!
صوت انفجار هز أركان الفيلا كلها، وشباك الأوضة الزجاجي اتدمر لميت حتة مع دخول ظل أسرع من البرق!
قبل ما الراجل يلحق يحرك صباعه على الزناد، كان سيف نازل عليه زي الصاعقة من السما! إيد سيف الضخمة مسكت رقبة الراجل وعصرتها بصوت طقطقة مرعب، وبإيده التانية سحب الس\لاح منه وفي أقل من ثانية كان مفرغ طلقة مكتومة في دماغ الراجل، ليرتمي ج\ثة هامدة تحت رجليكي.
سيف مالمش عينه على الج\ثة، وفي ثانية كان طالع يطير عليكِ، شالك من على الأرض وضملك لصدره بقوة لدرجة إنك حسيتي بضلوعك هتتكسر، وأنقاسه السخنة والسريعة كانت بتضرب في رقبتك كأنه كان بيغرق ونزل العافية ياخد نفس.
”سما… إنتي كويسة؟ لِمسك؟ عملك حاجة؟!” صوته كان بيرتعش برعب حقيقي، إيديه كانت بتمسح على وشك وشعرك بالكامل بتتأكد إنك سليمة.
إنتي مسكتي في قميصه المليان دم وتراب وبكيتي بهستيريا: “سيف… أنا كنت خايفة… كان هيقتلني… والورقة… وبابا…”
سيف نزل على ركبه قدامك في نص الضلمة، وطلع من جيبه ملف أسود قديم والساعة الدهب الملطخة بالدم، وحطهم في إيدك.
”كل الحقيقة هنا يا سما,” قالها بصوت هادي وعميق، وعينيه الثلجية كانت بتبص في عينيكي بكل صدق ووجع، “أبوكي الله يرحمه كان شريكي… والناس دول هما اللي قتلوه عشان يسرقوا الشحنة، وأنا من عشر سنين أخدت عهد على نفسي إني أبني الإمبراطورية دي كلها لسبب واحد بس… عشان أجيب حق أبوكي، وأحميكي إنتي من شرهم.”
سحب إيدك وحطها على خدّه، وابتسم ابتسامة دافية وسط كل الدمار اللي حواليكم: “أنا عملت حاجات كتيير غامقة في حياتي، وبقيت شيطان في نظر الكل… بس قدامك إنتي، أنا مجرد سيف… الراجل اللي مستعد يهد العالم ويبنيه تاني عشان بس يفضل شايف الضحكة في عينيكي.”
صوت سيارات الشرطة والإسعاف بدأ يرن في الشارع الخارجي، ورجالة سيف المتبقين دخلوا وأمنوا المكان بالكامل. سيف قام وقف، وشالك بين إيديه بتمكن، ومشي بيكي وسط الشظايا والدمار بخطوات ثقيلة ومرفوعة الراس.
خرج بيكي للنور، والشمس كانت بدأت تطلع وتشق الضباب، والمطر وقف تماماً. ونزلك بالراحة عند العربية المصفحة، فتح الباب وبص في عينيكي وقال بلهجة مصرية حاسمة ومليانة حب:
”الدفتر ده اتقفل للابد يا سما… ومن النهاردة، مفيش خوف، ومفيش أسرار… إنتي ملكة العرش ده، وأنا الحارس اللي مش هيمشي أبداً.”
ابتسمتي من وسط دموعك، ومسكتي إيده بقوة، ولأول مرة تحسي إن الكابوس انتهى بجد، وإن الأمان الحقيقي مكنش في المكان ولا في الس\لاح… الأمان كان في الراجل اللي واقف قدامك ومستعد يحارب الدنيا كلها عشانك.




