الصبح طلع ثقيل وبارد زى المطر

الصبح طلع ثقيل وبارد زي المطر اللي غرقنا امبارح، وقفت في أوضة الموتيل الضيقة قدام المرايا المكسورة بشد شعري لورا وبربطه بعنف وأنا بحاول أجمع شتات نفسي قدام عيالي اللي لسه نايمين، جرس التليفون رن وكان رقم أمي، فتحت على أمل إنها تحس بوجعي وتقولي معلش تعالي في حضني، بس الكلمات نزلت على قلبي زي مية ساخنة، “ابوكِ عايز يعرف هترجعي لشريف امتى”، الجملة دي كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير، حسيت إن الكسرة اللي جوه قلبي مش هتتصلح أبدًا، قفلت السكة في وشها ومن اللحظة دي اتولدت إنسانة تاني غير اللي دخلت الأوضة دي امبارح، إنسانة ملهاش غير ولادها وبس، نزلت من الموتيل وأنا حاطة في دماغي خطة واحدة مفيهاش رجعة، شريف حاول يبعتلي رسايل تهديد وتهديدات بانه هياخد العيال لو ما رجعتش، بس القانون كان معايا، والمحامي اللي استلفْت تمنه من صديقة عمري فتحيّة قدر يثبت طرد ليا ونفقة مؤقتة، ورفعت ق\ضية خلع وطلبت حقي كامل، أبويا وأخواتي قاطعوني تمامًا واعتبروني بنت عاقّة عشان فضلت كرامتي على “ستر البيت” زي ما بيقولوا، وفي نظرهم الست مالهاش غير بيت جوزها حتى لو كان بيكسرها كل يوم، نزلت سوق العمل بكل طاقة قهر وعزيمة، اشتغلت في الصبح سكرتارية في شركة مقاولات وفي بالليل كنت بساعد في كوافير أو أكتب أبحاث للطلبة على اللابتوب القديم بتاعة شريف، السنين مرت كأنها كلاكيت كل يوم نفس المعاناة، النوم قليل والهم كبير، بس في المقابل عيالي كانوا بيكبروا قدام عيني وأنا ببنيلهم حياة نضيفة من صلب الصخر، شريف اتجوز داليا بعدها بشهور وطردها هي كمان بعد ما سرقت منه فلوس ونصب عليه واحد من أصحابها، وبقى عايش لوحده في شقتنا القديمة مكسور وندمان، لكن ندمه مكنش يهمني في قيد أنملة، أنا كنت مشغولة بحاجة واحدة، إني أثبت لنفسي وللدنيا كلها إني مش مجرد زوجة مكسورة اترفدت من بيت أهلها، بل ست تقدر تبني إمبراطورية من العدم، وفعلاً بعد سنتين تلاتة من الشغل المتواصل والتحويل لشركة تجارية كبيرة، قدرت أفتح مشروعي الخاص في مجال الاستيراد والتصدير، وبفضل الله ودراستي وسهري وليالي العذاب اتحولت من ست مشطوبة من السجلات لعيدة سيدة أعمال معروفة في السوق ولديها بيتها الخاص الواسع في التجمع الخامس، ولادها في مدارس محترمة وحياتهم مستقرة تمامًا ومفيهاش أي نقص، نسيت تمامًا شكل بيت أهلي في مصر الجديدة ونسيت ملامح أبويا وهو بيقفل الباب في وشي في ليلة مطر سودا، كنت بشوف صورهم أحياناً من بعيد عن طريق أقارب لنا، وعرفت إن أخويا دخل في مشاريع وهمية وشارك ناس نصابين خلوه مديون للركب، وإن أبويا اضطر يرهن البيت عشان يسد الديون، لكن كل ده مكنش يعنيني في حاجة، لحد ما جه اليوم اللي اتغير فيه كل شيء، كنت واقفة في مكتبي بالشركة براجع عقود جديدة وسكرتيرتي دخلت بخطوات مرتبكة وقالت لي إن في ناس بره طالبين يقابلوني بإلحاح وإنهما رافضين يمشوا، سألتها مين دول وقالت إنهم ناس كبار في السن ومبهدلين، خرجت بره لمدخل الشركة عشان أشوف مين الحامل الهم ده، وهناك كانت الصدمة اللي وقفت دقات قلبي ثواني، أبويا وأمي واقفين قدامي، بس شكلهم اتغير تماماً، الظهر مقوس والشعر أبيض بالكامل والعيون تايهة ومليانة ذل وانكسار، أمي أول ما شافتني جريت عليّ وعايزة تحضن رجلي وهي بتعيط وتقولي: “الحقيني يا بنتي أبوكِ هيدخل السجن وأخوكِ ضاع”، بصيت لأبويا اللي كان رافع راسه بشموخ زمان، ولقيته باصص للأرض ومش قادرة عينه تيجي في عيني، سكتت لحظة بحرقة وأنا بفتكر ليلة المطر والشنطة والضحكة الساخرة بتاعة أخويا، وسألتهم بصوت هادي وثابت: “أهلاً بيكوا، خير جايين تدوروا على بنتكوا العاقّة اللي كسرت قلبكم ولا جايين تشمتوا في طليقي؟”، أمي انهارت في العياط وقالت لي إن الديون كبرت وإنهم محتاجين مليون وستمائة وخمسين ألف جنيه ضروري عشان يدفعوا الكمبيالات قبل ما البوليس يقبض على أبويا وأخويا، وإن مفيش حد في الدنيا كلها يقدر ينقذهم غيري، فضلت باصة لهم وأنا مسترجعة شريط السنين الخمسة اللي فاتوا، وقررت أنتقم بطريقتي الخاصة مش بالشتيمة ولا بالطرد، بل بإن اخليهم يدوقوا طعم الكلمة اللي قالهالي زمان، قربت منهم ووقفت قدام أبويا اللي رفع عينه بكسرة وأنا ببتسم ابتسامة باردة وبقوله بالحرف الواحد من غير ما أرمش: “المبلغ ده موجود في حسابي حالا، بس تفتكر يا بابا، بعد خمس سنين في الشارع وتحت المطر، الكرامة بتتباع بكام؟”، وسبتهم واقفين وسط الصدمة والذهول من غير ما أديهم إجابة قاطعة، وفتحت باب مكتبي ودخلت وقفلت الباب ورايا وسبتهم تايهين قدام حيرة تقتلهم وتخليهم يستنوا مصيرهم على نار.




