استضفت طلـ.ـقته

وافقت أستضيف طليقة جوزي اللي بټموت في بيتي وأخدمها برموش عيني، لحد ما شفتها بعيني الفجر نازلة بكعب عالي وبتركب معاه العربية كأنها عمرها ما شافت مرض في حياتها.
الجزء الأول
أنا مش طالب منك تحبيها، أنا بس بطلب منك منسيبهاش ټموت لوحدها ومحدش حواليها.
طارق قال لي الكلمتين دول يوم تلات، وهو واقف في مطبخ شقتي في التجمع. كنا متجوزين بقالنا 7 سنين؛ هو عنده ورشة صيانة لعربيات النقل والتوزيع، وأنا مسؤولة مشتريات لسلسلة دور مسنين معروفة. كنا متجوزين وكل واحد ذمته المالية منفصلة، والشقة دي كانت شقتي ومن حر مالي من قبل ما أتجوزه.
الست اللي كان بيتكلم عنها كانت دينا، طليقته.
عندها إيه؟ سألته بهدوء.
ورم في الغدد اللمفاوية ليمفوما، وجسمها مبقاش مستجيب للكيماوي خالص. وبتقول مش عايزة ترجع المستشفى تاني. وأختها عايشة في أسوان وعلاقتهم مقطوعة ببعض، ملهاش مخلوق يخدمها ولا يشيلها.
الفكرة مكنتش داخلة دماغي وبلعتها بصعوبة، بس مقدرتش أتخيل ست مريضة بټموت تقضي آخر أيامها في الدنيا لوحدها.
تقعد عندنا كام أسبوع.. بس عايزة أعرف كل اللي محتاجاه علاجها، ممرضة تتابعها، أسطوانة أكسجين، أي حاجة تلزمها.
طارق حضنّي بارتياح كأنه انزاح من على قلبه جبل.
بعد يومين اتنين، دينا شرفت. كانت لافة طرحة نبيتي، لابسة نظارة شمس غامقة، ومعاها شنطة سفر صغيرة. كانت بتمشي خطوة لقدام وعشرة لورا وساندة بكل تقلها على طارق. جهزت لها الأوضة اللي في الدور الأرضي عشان متتعبش في طلوع السلالم.
طول أول شهر، حياتي اتقلبت. قبل ما أنزل الشغل أجهّز لها الفطار، وفي نص اليوم أسخن لها الشوربة وأكلها، ولما تقول دايخة ومش قادرة أقف أسندها لحد الحمام. طارق كان يرجع متأخر من الشغل، يسأل عنها وعاملة إيه، ويقعد جنبها خمس دقايق يطبطب عليها.
في يوم العصر، دينا بصت لي وقالت أنا مش عارفة أنتي بتعملي معايا كل ده إزاي.. أنا لو مكانك مكنتش هستحمل ولا هعمل ربع ده.
رديت عليها أنتي هنا مش عشان تقارني نفسك بيا، أنتي هنا عشان في كرب ومحتاجة مساعدة لوجه الله.
أول علامة استفهام ظهرت كانت بسبب شغلي. بحكم وظيفتي في رعاية كبار السن، فاهمة كويس يعني إيه حالات متأخرة ورعاية تلطيفية. في أوضة دينا، مكنش فيه روشتات جديدة، ولا مسكنات قوية زي المورفين، ولا محاليل، ولا ممرضة بتعتب الباب. كل اللي موجود شوية بنادول، وفيتامينات، وأوميبرازول للمعدة، ونقط منومة خفيفة!
لما جيت أفتح الموضوع مع طارق اتعصب ونطر في الكلام بلاش تحقيق يا آية! الست قرفت من الدكاترة وجابت آخرها.
الإشارة التانية ظهرت بعدها بأسبوع.
طارق دخل عليا طالب مني أأكد من الأبلكيشن بتاع البنك تحويل ب 86 ألف جنيه.
ده علاج دينا جابته من برة المستشفى بمعرفتها.. وأول ما أقبض فلوس صيانة أسطول العربيات هرجعهم في الحساب فوراً.
الفلوس دي كانت هتطلع من حسابنا المشترك.
علاج إيه ده؟
حاجة مقوية ومناعة.. مش فاكر اسمه بصراحة.
طب ابعتلي الفاتورة أو الروشتة وأنا أراجعها وأحول.
ملامح وشه قلبت تماماً هو أنتي لازم تصعبي كل حاجة وتعملي حوار على مريضة بټموت؟!
مأكدتش التحويل ولا طلعت مليم. بالليل لقيته سدد المبلغ من حساب تاني.
بعدها بتلات أيام، سمعت دينا بتتكلم في الموبايل في الجنينة اللي ورا. كنت رايحة أوديلها شال تقيل عشان كانت بتشتكي إن عندها رعشة وسقعانة.
صوتها مكنش طالع من واحدة بټموت خالص.. صوتها كان يرن في المكان يا بنتي زهقت من دور العيانة والمشية المكسحة دي!
وضحكت ضحكة رنانة، وكملت طارق بيقولي استحملي بس لحد ما نخلص شغلانة وقبضة شهر أكتوبر، وبعدها هنخلع ونسافر كام يوم نروق.
أول ما خطيت ودخلت عليها، دينا سقطت كتافها في ثانية وحطت إيدها على صدرها وهي بتنهج حقك عليا.
. نفسي اتكتم فجأة ومش قادرة أتنفس.
مردتش عليها بنص كلمة.
من اللحظة دي، بطلت أسمع اللي بيقولوه بلسانهم، وبدأت أراقب اللي بيعملوه على الأرض.
الحقيقة بانت في ليلة غبراء، وش الفجر.
الساعة 147 بالدقيقة، سمعت صوت باب الجراج الأوتوماتيك بيفتح. طارق مكنش جنبي على السرير.
اتسحبت وبصيت من شباك أوضة المكتب.
لقيت دينا خارجة.. شعرها مفرود ومستشور، لابسة بنطلون جينز أسود ضيق، وبلوزة حمراء شياكة، وكعب عالي ترن بيه في الشارع! بتمشي زي الغزال وبسرعة من غير ما تسند على الهوا. طارق كان مستنيها جوة العربية الجيب.
فتحت الباب وركبت جنبه، وقبل ما يدوس بنزين، شدت قميصه عليها وباسته بوسة طويلة.
مكنتش بوسة وداع ولا شفقة.
كانت بوسة اتنين متعودين على بعض وحافظين بعض صم.
العربية لما اتحركت وخرجت، لمحت حاجة بتلمع في الأرض جنب الباب.. كان حلق طويل من بتوع دينا واقع منها وهي بتركب.
تاني يوم الصبح، دخلت عليا المطبخ وهي بتجر رجليها بالعافية وماسكة في الحيطة منمتش طول الليل.
. حاسة إن حيلي مهدود وكل يوم صحتي بتنزل للأرض.
حطيت طبق الفطار قدامها على الرخامة.
ورميت فوقيه الحلق اللي بيلمع.
لون وشها خطڤ وبقت شبه الميتين بجد.. وطارق فنجان القهوة وقف في زوره ومبقاش عارف يبلع ريقه.
قلت ببرود تام غريبة أوي.. لقيته واقع برة جنب باب الجراج الساعة اتنين بالليل.
محدش فيهم نطق بحرف.
وأنا مسألتش ولا جبت سيرة البوسة.
لأني ساعتها استوعبت مصېبة أكبر بكتير.. الخېانة والۏساخة دي متفسرش الفلوس اللي بتتحول، ولا الجملة اللي سمعتها بودنها لحد ما نخلص سبوبة شهر أكتوبر.
في نفس الصبحية دي، فتحت كشف حساب البنك.. الحساب الشخصي بتاعي أنا، مش المشترك!
لقيت 4 تحويلات مسحوبة قريب تحت بند مصاريف علاجية ومراكز طبية.. تحويلات أنا عمري في حياتي ما وافقت عليها ولا شفتها.
الجزء الثاني
السكوت في المطبخ ساعتها مكنش سكوت عادي؛ كان عامل زي الهوا التقيل اللي بيسبق العاصفة، ريحة الخۏف طالعة منهم ومخلوطة بريحة القهوة المحروقة على البوتاجاز. الحلق الفضي الطويل كان مرمي وسط رغيف العيش السخن، بيلمع تحت إضاءة الليد وكأنه حبل مشنقة ملفوف حوالين رقابهم.
طارق نزل فنجان القهوة على الرخامة بإيد بترتعش، الصوت بتاع خبطة الفخار بالرخام عمل رنة خلت دينا تتنفض في مكانها. بلع ريقه بصعوبة وقال وهو بيحاول يرسم ابتسامة باهتة ملهاش أي معنى تلقيه وقع منها أول مبارح وإحنا راجعين من مشوار التحاليل يا آية.
. أنتي عارفة إنها بتدوخ وهي نازلة من العربية.
بصيت له في عينه مباشرة.. نظرة باردة، خالية من أي عتاب أو ڠضب، النظرة اللي بتخوف أكتر من الزعيق وتكسير الكوبايات. جايز.. بس غريبة، الحلق ده كان واقع فوق مدق الكاوتش، يعني لسه طازة ومعداش عليه ندى الفجر حتى. على العموم، ألف سلامة عليكي يا دينا، متتعبيش نفسك بالفطار، ارتاحي عشان جلسة العلاج بتاعة بالليل متتأخرش.
سيبتهم وخرجت. لا عيطت، ولا صړخت، ولا مسكت طارق من هدومه أقول له خڼتني ليه. الست لما بتتقهر من خېانة عاطفية بتصرخ، بس لما بتكتشف إن بيتها بيتداس عليه، وفلوسها بتتنهب، وشقا عمرها بيتاخد على عينك يا تاجر باسم الرحمة والإنسانية، مخها بيتحول لكمبيوتر بارد بيحسب كل مليم وكل خطوة بالمسطرة.
دخلت أوضة المكتب وقفلت الباب بالمفتاح من جوة. قعدت على الكرسي الهيدروليك، وفتحت اللاب توب وإيدي مفيهاش هزة واحدة، بس قلبي كان بيدق في

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *