استضفت طلـ.ـقته

لبست عباية استقبال خفيفة ونزلت للمطبخ. كان لازم اللعبة تكمل لأخر مشهد بنفس البراءة المغفلة اللي عيشتهم فيها. شغلت كاتيل المية، وحضرت صينية الفطار جبنة قريش، وعيش بلدي سخن، وكوبايتين شاي بلبن، وزبدية شوربة خضار عشان عيا دينا.
الساعة 7 ونص، دينا خرجت من أوضتها. كانت متقمصة الدور كالعادة ببراعة تستاهل عليها أوسكار النفاق؛ رابطة الطرحة النبيتي على راسها ولابسة كارديجان صوف تقيل وجسمها واخد انحناءة العجز، وبتجر رجليها على الباركيه بالراحة.
صباح الخير يا آية.. ربنا يقويكي على شقايا. بصيت لها وابتسمت من ورا قناع بارد صباح النور يا دينا، ألف سلامة عليكي. نمتي كويس؟ جهزتلك فطار خفيف وشوربة خضار عشان تبلعي بيها الدوا بتاع الصبح.
تسلم إيدك يا قلبي.. طارق صحي ولا لسه؟ أصل حاسة بدوخة خفيفة وكنت عايزاه يجيبلي حقنة من الصيدلية وهو نازل. صحي وبيغير هدومه فوق. كلي أنتي بس وماتشيليش هم، النهاردة كل حاجة هتتحل وكل واحد هياخد نصيبه بالعدل.
دينا بصت لي بشك لحظي، كلماتي كانت غامضة، بس طمعها كان ستار أسود حاجب عقلها عن رؤية الحفرة اللي بتقرب منها.
نزل طارق، لابس قميص كحلي وجينز، متعطر بأغلى إزازة برفان اشتريتهاله في عيد ميلاده اللي فات. عيونه كانت بتلمع لمعة الصياد اللي متخيل إن الفريسة داخلة الفخ برضاها. صباح الفل يا آية.. جاهزة لمشوارنا بعد الضهر؟ جاهزة يا طارق، من 2 هكون مستنياك. بس متتأخرش عليا عشان عايزة آخد لفة كاملة في المخازن وأفهم كل مسمار في الورشة قبل ما أفك الشهادات البنكية وأمضي الورق بتاع دينا.
طارق بلع ريقه بسرعة وضحك وهو بيحط إيده على كتفي عيب عليكي.. ده أنا هفرشك الأرض ورد، وهتندمي إنك مشاركتنيش من سنين! هروح أفتح الورشة وأظبط الورق اللي عايزة تشوفيه وأعدي عليكي على المعاد بالظبط.
باس راسي، وبص لدينا بصة سريعة كلها شفرات وتواطؤ، وخرج.
أول ما صوت عربيته الجيب بعد في الشارع، طلعت أوضتي فوق، وقفلت الباب بالمفتاح.
طلعت الموبايل التاني اللي ميعرفش عنه حاجة، وفتحت الخط.
ألو.. سارة؟ صباح الخير يا آية، أنا مستنياكي على ڼار. أحمد ابن عمتي الرائد في الأموال العامة معايا على الخط التاني ومعاه مستشار النيابة، شغالين على أذونات التفتيش والضبط من الفجر. إديني كل التحديثات. سارة، سجلي عندك. طارق اتحرك على الورشة في المنطقة الصناعية. دينا هنا في البيت لوحدها. الورق والعقود والشيكات المؤجلة في الظرف البني ورا السرير في الأوضة الأرضي. وأخوها إبراهيم جلال، اللي بيسحب الفلوس من بنك مصر فرع روض الڤرج، المفروض هيسحب الدفعة اللي طارق وعده بيها النهاردة.
سارة قاطعتني بنبرة حازمة المفاجأة الأكبر بقى اللي أحمد جابهالي من السجلات.
. شركة الأمل للرعاية الطبية مش بس شركة وهمية لغسيل الفلوس والڼصب، دي واجهة لتوزيع وتجارة قطع غيار سيارات مضړوبة ومهربة من الجمارك، وطارق كان مستخدم شاحنات الصيانة بتاعة أسطول شركة الأدوية لنقل الشحنات دي بين المحافظات باسم مواد إغاثة وطبية عشان متتفتش في الكماين!
الډم جمد في عروقي. طارق مكنش بس بينهبني أنا.. طارق غرقان في شبكة تهريب وماڤيا تجارة غير مشروعة، وكان ناوي يلبسني أنا القضية بالتوكيل وشقتي وحساباتي لما الدنيا تفرقع في وشه! يعني التوكيل اللي كان عايزني أعمله للشقة… كان هيستخدم الشقة كضمان ورهن لقرض تجاري ضخم ب 5 مليون جنيه من إحدى شركات التمويل، وياخد الفلوس كاش ويطلع على بورسعيد، ومنها يهرب لبرة مصر مع دينا بجوازات سفر مضړوبة.. إبراهيم أخو دينا عنده قضية تزوير محررات رسمية قديمة سنة 2021!
قعدت على حافة السرير وإيدي ماسكة الموبايل بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعي ابيضت. الحيوان كان ناوي يسيبني مش بس مفلسة وعلى الحديدة، كان ناوي يسيبني مطلوبة للتنفيذ ومسجونة پتهمة تبديد وضمانات قروض بنكية وشيكات بدون رصيد! الرائد أحمد بيقولك إيه يا سارة؟ بيقولك الخطة هتتنفذ زي ما هي بالملي. أنتي هتروحي معاه الورشة الساعة 2 عادي جداً، متفتحيش بؤك ولا تلمحي بأي حاجة لحد ما تدخلي مكتب الإدارة جوة الورشة.
القوة هتكون محاصرة المنطقة الصناعية بالكامل بلبس مدني. وبمجرد ما تستلمي أي مستند أو هو يفتح الخزنة عشان يوريكي الورق، تطلعي منديل من شنطتك وتمسحي بيه عرق جبينك.. دي الإشارة اللي الرائد أحمد مستنيها عشان يقتحم. ودينا؟ دينا عليها مراقبة من دلوقتي قدام باب فيلتك. مفيش نملة هتخرج من البيت لحد ما نقبض على الشبكة كلها متلبسة في وقت واحد، عشان محدش يلحق يرن على التاني وېحرق الورق. تمام يا سارة.. قولي لأحمد ينزل، والنهاردة الحساب هيتقفل بالقرش والصاغ.
قفلت الخط. أخدت نفس عميق، ووقفت قدام الدولاب. اخترت لبسي بعناية تامة؛ بدلة فورمال سوداء كاملة، قميص أبيض، ولمېت شعري كحكة مشدودة لورا، ومكياج خفيف جداً يبرز حدة ملامحي. مكنتش رايحة أتفسح مع جوزي، كنت رايحة أحضر جنازة سبع سنين من السذاجة والغفلة.
نزلت تحت الساعة 130. لقيت دينا قاعدة في الصالة، وبشكل يثير السخرية، كانت بتحط كحل في عينيها قدام مراية صغيرة وبتسمع أغاني بهيدفون في ودنها. أول ما حست بخطواتي، خبت المراية ونزلت راسها وبدأت تسعل بتصنع مقرف كح.. كح.. ماشية يا آية؟ أيوة يا دينا، طارق زمانه على وصول، مشوار سريع في الورشة ومراجعة المحامي عشان ورقك يتظبط. ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي وميحرمنيش منك.. خلي بالك من نفسك ومن طارق، ده بيحبك أوي والله.
بصيت لها من فوق لتحت، ملامحي كانت هادية لدرجة تخوف عارفة يا دينا.
. عارفة بيحبني قد إيه. ارتاحي أنتي بس وبطلي كحة، مش حلوة عشان الرئة.. وصحيح، ابقي اشربي مية كتير، عشان الوشوش الصفرا ساعات بتبقى علامة فقر مش علامة مرض.
سبتها مبرقة وعينيها مفنجلة وخرجت للجنينة. بالظبط الساعة 155، وقفت العربية الجيب قدام الباب. طارق رن كلاكس، فتحت الباب وركبت جنبه بهدوء. إيه الشياكة دي كلها يا مدام؟ ده أنتي رايحة شركة بترول بقى مش ورشة شاحنات! قالها طارق وهو بيضحك وعينيه بتتفحصني. لازم أكون شيك يا طارق.. أنا داخلة شريك في بيزنس بالملايين، مش هروح بهدوم البيت يعني. ياللا بينا عشان الوقت ميسرقناش.
طول الطريق للدائري ومنه للمنطقة الصناعية في
أطراف القاهرة الجديدة، كان طارق بيتكلم بحماس مفرط عن الأرباح والمشاريع والأسطول اللي بيكبر، وأنا كنت بهز راسي بابتسامة
متكلفة وأقول تمام.. عظيم.. ربنا ييسر. عيني في المراية الجانبية كانت بتلقط عربيتين ميكروباص زجاجهم فاميه ماشيين ورانا بمسافة محسوبة، وعربية ملاكي دايو لانوس بيضا بتتحرك بمحاذاتنا.
. رجال الأموال العامة كانوا محاوطين المشهد بحرفية متخرش المية.
وصلنا المنطقة الصناعية. الجو كان مترب، أصوات الشواكيش ومواتير الديزل بتزعق في المكان. ورشة طارق كانت عبارة عن مساحة ضخمة مسورة بالصاج، جواها أربع شاحنات نقل تقيل مرفوعين على كوريك هيدروليك، وفي عمق الورشة مبنى من دورين متهالك، الدور التاني منه هو مكتب الإدارة والخزنة.
نزلنا من العربية. عمال الورشة كانوا بيبصولي باستغراب، أول مرة يشوفوا حرم صاحب الشغل بتعتب المكان. اتفضلي يا ست الكل، المكتب فوق هادي ومكيف وهنشرب شاي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *