وقف الزمان جوه الاوضه

صوت راجل خشن، متوتر، طالع من الشارع. فريدة برقت بفيزع ورجعت خطوتين لورا، وجسمها كله بدأ يترعش. “حسن…” طردت الاسم من بقها زي الموت. “حسن رجع بدري من الورشة. لو شافك هنا يا حضرة الضابط… مش هيسكت. ده حلف يقتل أي حد يمد إيده على الحتة دي!”

يوسف مسك في إيدي بزيادة. بصيت له ولقيت في عينيه رجاء يرعب. الطفل ده ما كانش خايف من أبوه، كان خايف إن الفرصة الوحيدة عشان يترحم من الجحيم ده تضيع.

أخدت نفس عميق، ووضعت إيدي على جراب طبنجتي للحرص، ورجعت خطوتين ناحية الصالة المتكومة. الباب الخارجي اتفتح بضربة رجل قوية، وظهر راجل في أواخر التلاتينات، جسمه عريض، هدومه متلوثة بشحم الورش، وعينيه حمرة زي الجمر. حسن دخل، وبمجرد ما شافني واقفة بزي الشرطة جوة الشقة، ملامحه اتحولت من الغضب للذهول… وبعدين للرعب الصافي.

“إنتي مين؟ وبتقملي إيه هنا؟” حسن صرخ بصوت زلزل الحوائط المتهالكة، ونظره راح بسرعة ليوسف وبعدين لفريدة. “عملتها يا يوسف؟ جبت حد هنا؟ أنا مش قايلك لو فتحت بقك هرميك في الشارع؟”

“اهدى يا حسن!” زعقت فيه بصوت الصرامة الميري اللي اتعلمتها في السنين دي كلها. “أنا هنا بصفتي رسمية. فيه بلاغ وفيه طفل عايش في ظروف غير إنسانية. إيه المهزلة دي؟ إزاي طفل عنده سبع سنين ينام فوق زبالة وكراتين؟ وإيه اللي متخبي تحت الممر ده؟”

حسن وقفت حركته فجأة. عينيه راحت للباب المقفول بسلاسل في آخر الممر. وشه اصفر زي الورق، وشفايفه بدأت تترعش. “مفيش حاجة متخبية… دي كركبة بيتنا. أمي ست كبيرة وعندها مرض التجميع، وأنا شغال طول النهار مش فاضي أنضف. امشي يا فندم لو سمحتي، دي مشاكل عائلية ومفيش حد اتأذى.”

“مشاكل عائلية؟” قربت منه خطوة، والضوء الضعيف اللي داخلي من الشباك كان بعكس خطوط التوتر على وشه. “الطفل ده جه لحد عندي يطلب الحماية. وجدته بتقول إن الكركبة دي ساتر على حاجة جوة. افتح القفل ده يا حسن… افتحه فوراً بدل ما أطلب قوة من القسم وتفتح بالسلاح.”

فريدة بكت بصوت مكتوم وهي قاعدة على الأرض: “افتح يا حسن… ارحمنا وارحم الولد. أمه مش هترجع خلاص، والسر ده هيقتلنا كلنا!”

كلمة “أمه مش هترجع خلاص” وقعت في الصالة زي القنبلة. يوسف أول ما سمع كلمة “أمه”، بص لجثّة الكراتين المدمومة، وعينيه امتلأت بالدموع لأول مرة من ساعة ما شفته برة المدرسة. “ماما جوة؟” يوسف سأل بصوت يقطع القلب. “يا بابا، إنت قلت لي ماما سافرت عند خالتو في الصعيد… هي جوة تحت السلاسل دي؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *