وقف الزمان جوه الاوضه

وقف الزمان جوة الأوضة، والريحة اللي كانت كاتمة النفس بدأت تتحول لرائحة رطوبة وعفن قدم متخزن من سنين. أخدت نفس بالعافية، وحاولت أستوعب المشهد. الست العجوزة -اللي اتعرفت بعد كده إن اسمها “ست الكل” فريدة- كانت واقفة إيدها بترتعش، ساندا على كومة جرايد أقدم مني. عينيا كانت بتنقل بسرعة بين يوسف اللي واقف زي الملاك المكسور، وبين الزوايا المظلمة اللي كأنها بتصرخ بسكوت.

“يعني إيه يا حجة فريدة؟” سألتها وأنا بنزل على ركبتي عشان أزيح كمان كرتونة تقيلة كانت دفنة بواقي مخمدة يوسف، “يعني إيه ابنك رافض يشوف، وإنتي بتجمعي كل ده ليه؟ البيت ده فيه إيه تاني غير العفن والكركبة دي؟”

فريدة بلعت ريقها بصعوبة، وصوتها كان جاي من بئر ملوش قاع. بصت ناحية الممر الضيق اللي واصل لآخر الشقة، ممر ضيق جداً يادوب يمرر فار، محاط بأكوام أكياس سودا متقفلة بسلاسل وقفل قديم مصدي.

“الكركبة دي مش زبالة يا حضرة الضابط…” قالتها فريدة وهي بتبص للباب المقفول في آخر الممر، بصة مرعوبة كأنها خايفة الباب يسمعها. “الكركبة دي ساتر… ساتر بنستخبى وراه من اللي جوة. من اليوم اللي يوسف اتولد فيه، وأنا وبني حسن بنجمع كل حتة حديد وكل كيس عشان نردمه… عشان نقفل على الحقيقة اللي لو طلعت، الحارة كلها ببيوتها بشوارعها هتقع علينا.”

يوسف ما كانش مستغرب كلام جيلته. كان واقف ماسك في طرف ميري جكتتي، إيده الصغيرة الثلج بتترعش بس مش من الخوف… من البرد اللي طالع من البلاط. “يا ميس… قصدي يا حضرة الضابط،” يوسف اتكلم بصوت واطي جداً زي الهمس، “تحت الكراتين دي فيه باب خشبي. كل ليلة، لما بابا يرجع من ورشة الخراطة، بيقعد يرمي حاجات جديدة فوق الباب. بس أنا بشوف الضوء طالع منه من بين الفتحات… وبسمع الصوت.”

قلبي اتنفض في صدري. صوت إيه؟ وضوع إيه تحت كومات الزبالة والكركبة دي كلها؟

مشيت بالراحة في الممر الضيق، أقدامي كانت بتغرس في أكياس وقماش قديم ومبلول. الريحة كانت بتزيد، مش ريحة زبالة عادية، لا… ريحة صديد على رطوبة على حاجة مكتومة بقالها سنين طويلة. مسكت جهازي اللاسلكي عشان أطلب دعم من القسم، بس قبل ما أضغط على الزرار، سمعنا صوت خبط جامد على الباب الخارجي للبيت.

“يا أمي! يا يوسف! افتحوا الباب ده بسرعة! مين اللي واقف برة باللاسلكي؟”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *