وقف الزمان جوه الاوضه

حسن اتجنن. صرخ صرخة جنونية وهجم ناحية الممر عشان يمنعني أقرب، بس أنا سحبت طبنجتي بسرعة ووجهتها للأرض وسحبت الأمان. “مكانك يا حسن! ولا خطوة زيادة! حط إيدك على راسك واقعد على الأرض فوراً!”

حسن اتسمر في مكانه، الدموع بدأت تنزل من عينيه المليانة شحم وتراب، وجسمه كان بيتهز بحرقة. “إنتي مش فاهمة حاجة يا حضرة الضابط… إنتي فاكرة إنك كده بتبنقي يوسف؟ إنتي كده بتبنقي الشيطان اللي احنا حابسينه تحت الأرض بقالنا سبع سنين!”

صوته كان فيه حسرة ورعب مش تمثيل. النبرة دي مش نبرة مجرم بيستخبى، دي نبرة راجل مكسور ومذعور من حاجة أكبر منه.

“افتح الباب يا حسن،” قلت له ونبرتي هديت شوية بس فضلت صارمة. “لو فيه حاجة لازم تتكشف، هتتكشف النهاردة. يوسف مش هيعيش يوم تاني في الجحيم ده.”

حسن طلع مفتاح قديم ومصدي من جيبه الداخلي بايد بتترعش. كأنه بيسلم رقابته للمشنقة. مشي قدامي بالممر الضيق، وأنا وراه ومفتحة عينيا على آخري، ويوسف وجدته واقفين في أول الممر ماسكين في بعض.

حسن حط المفتاح في القفل الكسير المربوط على السلاسل التقيلة. الصوت المعدني والتزييق لما القفل اتفتح كان كأنه صرخة ميت بيصحى. السلاسل وقعت على الأرض بصوت يرن في السكوت.

حسن مسك مقبض الباب الخشبي القديم اللي كان مستخبي ورا كراتين وشنط سودا. بصلي بعينين ميتة وقال: “لما أفتح الباب ده… افتكري إنك إنتي اللي طلبتي. وافتكري إن فيه حاجات في الدنيا، الجهل بيها كان رحمة للولد ده.”

شد الباب بقوة. الباب اتفتح على هبوط لممر نازل لتحت، السلم بتاعه مكسر ومغطى بالتراب والشمع السايح. الريحة اللي طلعت من الحفرة دي كانت كفيلة تخلي أي بني آدم يقع من طوله… ريحة بخور محروق مع حاجة تعفنت من أزمنة، وضيع أزرق ضعيف كان طالع من آخر السلم.

نزلت أول درجة وأنا ماسكة الطبنجة بإيد والكشاف بالإيد التانية. الضوء مسح الدرج المكسور لحد ما وصل للغرفة اللي تحت الأرض. الصدمة مش في اللي شفته تحت… الصدمة كانت في الصورة المتبقية على الحيطة.

كانت غرفة صغيرة مفيهاش أي منفذ هوا. على الحوائط كلها كانت مكتوبة أرقام وأسماء ورموز بالدم الناشف أو بالحبر الأسود. وفي نص الأوضة، كان فيه سرير حديد قديم، وجمبه تربيزة عليها ألعاب أطفال صغيرة، وفستان ست معلق ومغطى بالتراب… وقصاد السرير، كان فيه دفتر مذكرات مفتوح على صفحة معينة، ومكتوب فيها بخط يده: “اليوم يوسف كمل سنة… ولحد النهاردة مش قادر أقوله مين هي أمه الحقيقية، ولا ليه أمه مدفونة تحت بلاط الأوضة دي!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *