طين الغل وريحه الشياط

طَين الغل وريحة الشياط كانت طالعة من كل زاوية في الجنينة. الكأس المكسور تحت رجلين إلهام كان بيلمع تحت أضواء البلالين الذهبية، وصوته وهو بيتحطم كان عامل زي صوت غرور العيلة دي وهو بيتفتت.
الحاجة فاطمة العطار كانت واقفة زي الجبل، عينيها الحادة بتسبر أغوارهم واحد واحد. بصت لإلهام اللي كانت شفايقها بترتعش ولونها خ ط ف، وبعدين وطت بالراحة على ندى. مسكت إيد بنتي الصغيرة الصافية، والابتسامة رجعت لوشها العجوز المليان حكمة: “قومي يا قلب ستك.. المكان ده مش مقامك، القمامة تقعد جنب القمامة، وأنتِ مكانك فوق الراس.”
ندى مسكت في إيد الحاجة فاطمة وهي لسه بتشحتف من العياط. أنا كنت واقفة بمريلتي البيضا، حاسة إن الأرض بتدور بيا. 12 ساعة شغل في المستشفى، ودموع بنتي، والمفاجأة اللي رمتها الحاجة فاطمة زي القن ب لة الموقوتة وسطهم.. كل ده كان كتير عليا.
قربت من بنتي وأخدتها في حضني، وإلهام هنا بدأت تفوق من الصدمة. الجشع لما بيتمس، صاحبه بيفقد عقله.
جت جري ناحية الحاجة فاطمة وصوتها طالع مخنوق ومصنوع فيه البكاء: “يا تيتا! حرام عليكي اللي بتقوليه ده! ده أنا إلهام بنت ابنك! بقى عشان حتة ممرضة غريبة تصغرينا قدام الناس وتكتبيلها أملاك العيلة؟ دي واخدة أحمد جوزها ومقوية رأسه علينا من زمان، وأكيد ضاحكة عليكي ومأثّرة على عقلك!”
الحاجة فاطمة لفت لها بالبطيء، ورفعت عكازها الأبنوس وشاورت بيه على وش إلهام مباشرة: “لسانك ده ينقطع يا إلهام! أنا عقلي يوزن بلد، والتمثيلية الرخيصة دي مش عليا.. لما كنت في العناية المركزة بين الحياة ال م و ت، ودكاترة بيموتوا ضميرهم وبيكتبوا لي أدوية تنهي عليا بالبطيء عشان تفضوا للورث، مين اللي سهرت جنبي؟ مين اللي اكتشفت اللعبة وغيّرت العلاج وقعدت تحت رجلي بالأسابيع تنضفني وتأكلني بايديها وهي مش طالبة قرش واحد؟”
الناس اللي في العيد ميلاد بدأوا يتهامسوا. الكلام كبر. التهمة كانت عيناً جهاراً قدام المعازيم ولاد الذوات اللي إلهام كانت بتحاول تتفشخر قدامهم!
إلهام اتلجلجت: “د.. دكاترة إيه وتغيير علاج إيه؟ دي أوهام يا تيتا! أكيد هي اللي مأكلاكي الكلام ده!”
في اللحظة دي، دخل أحمد جوزي من باب الجنينة. كان باين عليه التعب، قميصه منكوش ومستعجل عشان يلحق عيد ميلاد ابن أخته. أول ما دخل وشاف المنظر: كأس مكسور، أخته وشها أصفر، الحاجة فاطمة واقفة بعكازها، وأنا حاطة إيدي على كتف ندى المكسورة.. جرى علينا بلهفة.



