سما

سما حسيت بدموعها بتنزل، وبدأت إيديها المترددة تترفع بالراحة عشان تحضنه هي كمان، بس فجأة عينيها جت على التليفون اللي على مكتبه وهو بينور برقم غريب، ورسالة مبعوتة غيرت كل حاجة في ثواني.
الشاشة نورت والرسالة كانت واضحة وصريحة: “الورق اللي طلبته من ياسمين بقى معايا يا سيف.. هقابلك في المكان المتفق عليه بالليل، بس افتكر.. لو حد عرف، اللعبة كلها هتبوظ.”
سما اتجمدت في مكانها. الحضن الدافي اللي كان محسسها بالأمان من ثانية واحدة، فجأة اتقلب لبرود غريب. زقته من صدره بقوة، لدرجة إن سيف رجع خطوة لورا وهو مستغرب، وعينيه ماليانة علامات استفهام.
”في إيه يا سما؟ مالك؟” سيف سألها وهو بيحاول يقرب منها تاني ويمسك إيديها.
سما شاورت بصباعها وهي بترتعش على التليفون اللي على المكتب، وصوتها طلع مخنوق بالدموع والكسرة: “إيه ده؟ هي دي السكرتيرة اللي لسه طاردها حالا قدامي؟ هي دي البنت اللي قولتلي مفيش بينك وبينها حاجة ومطيرها عشان ترضيني؟ أنتوا بتلعبوا بيا إيه؟”
سيف لف وبص للتليفون، وأول ما قرا الرسالة، ملامح وشه اتغيرت تماماً. الهدوء والبرود اللي كان فيهم اختفوا، وحل مكانهم نظرة قلق ورعب حاول يخفيها بسرعة ورا قناع الجدية. مسك التليفون وقلبه في إيده وقفل الشاشة، وبص لسما وقال بنبرة سريعة: “سما، أنتي فاهمة غلط.. الموضوع مش زي ما أنتي فاكرة خالص. دي شغل.. شغل بحت وملوش أي علاقة باللي في دماغك.”
”شغل؟!” سما ضحكت ضحكة ماليانة وجع وسخرية، وصوتها علي في المكتب الفخم: “شغل إيه ده اللي بيبقى في السر؟ وشغل إيه اللي يخليك تطردها قدامي تمثيلية عشان تسكتني وتخليني أحس بالذنب، وأنتوا أصلاً متفقين تقابلوا بعض بالليل في مكان سري؟ أنا مش هبلة يا سيف! أنا وثقت فيك، بس أنت طلعت بتعرف تمثل أوي.. امضي على الورق ده، امضي وخليني أمشي من هنا!”
سيف مسكها من كتافها وضغط براحة وهو بيبص في عينيها مباشرة: “مش هيمضي! ومش هتمشي! اسمعيني كويس يا سما، لو مشيتي من هنا النهاردة، هتندمي.. وهتندمي جامد أوي. في حاجات أنتي متعرفيهاش، حاجات أكبر مني ومنك!”
”أكبر مننا؟” سما زقته بكل قوتها، ولفت ضهرها وأخدت شنطتها من على الكرسي. “أنا مش عايزة أعرف حاجة.. أنا هروح بيت أهلي، وورقة طلاقي هتوصلني لحد هناك يا سيف.”
خرجت سما من المكتب وهي بتجري، وصوت كعبها المرة دي مكنش بيعلن عن قوة، كان بيعلن عن هروب.. هروب من حقيقة مرة تانية صدمتها في الراجل اللي حارب الدنيا كلها عشان تتجوزه. سيف وقف في نص المكتب، يبص على الباب اللي اتقفل بقوة، وبعدين بص للورق المرمي على المكتب، وبص للتليفون في إيده. خبط المكتب بقبضة إيده بكل غل وعصبية، لدرجة إن الأقلام والتحف اللي عليه اتهزت.
الشمس كانت بدأت تغيب، وشوارع القاهرة الزحمة ماليانة بصوت الكلاكسات وهيصة الناس. سما كانت قاعدة في تاكسي، عينيها على الطريق والدموع مش راضية تقف. كل ذكريات السنتين اللي فاتوا كانت بتعدي قدام عينيها زي شريط سينما سريع. افتكرت لما سيف وقف قدام أهله وصمم يتجوزها رغم فرق المستوى الاجتماعي بين عيلته الغنية وعيلتها المتوسطة. افتكرت وعوده ليها في الكوشة وهو بيهمس في ودنها: “أنتي أميرتي يا سما، ومفيش ست في الدنيا هتملا عيني غيرك.”
”كل ده كان كدب؟” همست لنفسها وهي بتمسح دموعها بمنديل. “كل ده كان قناع؟”
التاكسي وقف قدام عمارة قديمة شوية في منطقة مصر الجديدة. نزلت سما وطلعت السلم وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. فتحت الباب بالمفتاح القديم بتاعها، ودخلت. البيت كان هادي، ريحة أكل مامتها كانت مالية المكان، ريحة المحشي والملوخية اللي كانت دايماً بتحسسها بالأمان.
مامتها، الحاجة فاطمة، خرجت من المطبخ وهي بتمسح إيديها في الفوطة، وأول ما شافت سما بوشها المخطوف وعينيها المنفوخة من العياط، قلبها انقبض.
”سما! يا لهوي يا بنتي، مالك؟ فيكِ إيه؟” فاطمة جريت عليها وأخدتها في حضنها.
سما انهارت تماماً وفضلت تعيط بحرقة: “تعبت يا ماما.. سيف بيخونني. سيف بيضحك عليا.”
أخوها الكبير، أحمد، خرج من أوضته على صوت عياطها. أحمد شاب جدع وشغال مهندس، وبيحب أخته جداً وبيخاف عليها من الهوا طاير. ملامحه اتقبضت وبقت ناشفة: “سيف عمل إيه؟ قوليلي يا سما، لو لمس شعرة منك أنا هروح أفرتك شركته دي على دماغه!”
فاطمة قعدت سما على الكنبة وجابتلها كوباية مياه: “اهدى يا أحمد، سيب أختك تتنفس وتقول في إيه. قولي يا حبيبتي، إيه اللي حصل؟ ده سيف بيموت فيكِ!”
سما حكتلهم كل حاجة بالتدقيق.. من أول البنت اللي شافتها بتدلع عليه إمبارح، لحد ورق الطلاق، والتمثيلية اللي عملها وطردها، وأخيراً الرسالة الغامضة اللي جيت على تليفونه.
أحمد فضل رايح جاي في الصالة، إيده في جيبه ووشه مليان تفكير وغضب: “الرسالة دي مش مريحة.. ‘الورق اللي طلبته بقى معايا’.. اللعبة كلها هتبوظ؟ الكلام ده مش كلام خيانة عادية يا سما. الكلام ده فيه إنّ.. سيف شغال في إيه بالظبط الفترة دي؟”
سما هزت راسها وهي بتعيط: “معرفش.. بقاله شهرين متغير، علطول سرحان، تليفونه مبيفارقش إيده، وبيسافر كتير بحجة فروع الشركة الجديدة. أنا مابقاش يهمني شغال في إيه يا أحمد، أنا اللي يهمني إني مش هرجعله تاني.”
فاطمة طبطبت عليها: “يا بنتي البيوت مش بتتخرب بالسهولة دي، سيف راجل وابن ناس، ويمكن يكون وراه حاجة فعلاً مش قادر يقولها.”
”حاجة إيه اللي تخبيه عن مراته وتخليه يقابل سكرتيرته بالليل في السر يا أمي؟!” أحمد زعق وهو حامق على أخته. “أختي هتقعد هنا، ومحدش هيجبرها على حاجة، وأنا الصبح هروح للبيه ده وأفهم منه كل حاجة.”
في نفس الوقت، الليل كان ليل تماماً، وفي منطقة الزمالك على كورنيش النيل، كانت عربية سيف المرسيدس السودا واقفة في حتة ضلمة وبعيدة عن الأنوار. سيف كان قاعد ورا الدريكسيون، بيفرك إيديه بتوتر، وعينيه على المراية.
الباب اللي جنبه اتفتح فجأة، ودخلت ياسمين، السكرتيرة. بس مكنتش ياسمين الدلوعة اللي كانت في الشركة.. كانت لابسة لبس كاجوال غامق، كاب مغطي نص وشها، وملامحها جادة وصارمة جداً.
رَمِت شنطة سودا صغيرة في حضنه وقالت بنبرة واضحة ومفيهاش أي دلع: “الهارديسك والملفات الأصلية كلها هنا يا سيف بيه. طارق العزيزي كان هيهربهم برة البلد بكرة الصبح، بس أنا قدرت أنسخ كل حاجة قبل ما يشك فيا.”
سيف مسك الشنطة وفتحها بسرعة، طلع الهارديسك وبصاله بـارتياح مخلوط بقلق: “طارق حس بحاجة؟ عرف إنك بتنقليلي أخبار من جوة مكتبه؟”
ياسمين هزت راسها: “لأ، بس التمثيلية اللي عملناها في المكتب الصبح والزعاق وطردك ليا سمعت في السوق كله، وطارق افتكر إننا اختلفنا بجد، وده خلاه يثق فيا أكتر ويطلب مني أساعده في نقل الملفات الأخيرة.. بس المشكلة مش هنا يا سيف بيه.”
سيف بص لها باهتمام: “المشكلة في إيه؟”
ياسمين بلعت ريقها بقلق: “مدام سما.. مدام سما شافت الرسالة صح؟ أنا شوفتها وهي بتبص للتليفون قبل ما أمشي من الشركة. سيف بيه، مدام سما كدة في خطر. طارق العزيزي مش سهل، ومراقب كل تحركاتك، ولو عرف إن مدام سما سابت البيت وراحت بيت أهلها، ممكن يفتكر إنك مخبي معاها حاجة أو يستخدمها ككارت ضغط عليك عشان ترجعله الملفات دي.”
سيف ملامحه اتصلبت، وعروق إيده ظهرت وهو بيضغط على الدريكسيون: “سما ملهاش دعوة بأي حاجة! أنا طردت ياسمين السكرتيرة عشان أحميها ومتبقاش في الصورة، طارق لو قرب من سما.. أنا هنهيه من على وش الأرض.”
ياسمين فتحت الباب ونزلت وهي بتقول: “لازم تأمنها يا فندم، ومحدش يعرف إننا اتقابلنا.” واختفت في ضلمة الشارع بسرعة.
سيف شغل العربية وطار بيها في شوارع القاهرة.. عقله كان شغال زي المكنة. طارق العزيزي ده حوت من حيتان السوق، وشريك سيف القديم، بس سيف اكتشف إنه بيستخدم شبكة اتصالات الشركة في عمليات تهريب وغسيل أموال ضخمة، وكان لازم سيف يثبت ده بالدليل القاطع عشان يبلغ الأجهزة الأمنية ومن غير ما الشركة واسمه يتدمروا. وياسمين كانت شغالة مع سيف كـ “جاسوسة” جوة العمليات دي عشان تجيب الدليل. بس الغيرة والخلافات دخلت في النص ولخبطت كل حاجة.
سيف مسك التليفون واتصل برقم سما.. التليفون كان مقفول. اتصل تاني.. مقفول. اتصل برقم أحمد أخوها.
في شقة مصر الجديدة، تلفون أحمد رن. أحمد بص للشاشة وشاف اسم سيف.
”ده البيه بيتصل” أحمد قال بعصبية.
سما رفعت راسها بسرعة، ورغم وجعها، كان في جوة قلبها لهفة غريبة: “متردش عليه يا أحمد.. متقولوش إني هنا.”
أحمد رد وفتح السبيكر وصوته كله غضب: “أيوة يا سيف بيه.. خير؟ متصل ليه في وقت زي ده؟”
صوت سيف جه من الناحية التانية، بس مكنش صوت سيف القوي المتكبر.. كان صوت واحد مرعوب وبيجري: “أحمد! اسمعني كويس ومتنقش معايا في أي حاجة دلوقتي! سما عندك؟”
أحمد اتنرفز: “ويهمك في إيه؟ مش طردت السكرتيرة ورايح تقابلها؟ أختي مش هترجعلك يا سيف، وورق الطلاق…”
”أحمد، وحياة أبوك اسمعني!” سيف قاطعه بصوت جهوري ماليان رعب حقيقي. “اقفلوا شبابيك الشقة والباب كويس جداً! ومتفتحوش لأي حد مهما كان! أنا جاي في الطريق، قدامي عشر دقائق بالظبط وأكون عندكم.. سما في خطر يا أحمد، في ناس بتراقب الشقة دلوقتي!”
سما شحبت تماماً أول ما سمعت الجملة دي، وفاطمة حطت إيدها على صدرها وصوتت براحة: “يا لهوي! ناس مين يا بنتي؟”
أحمد وقف وبص من شباك الصالة بالراحة من ورا الستارة. الشارع تحت كان هادي وضلمة، بس كان في عربية ميكروباص مفيهاش نمر واقفة على جنب، وفيها اتنين بيتكلموا وعينيهم على عمارة سما.
أحمد بلع ريقه وحس إن كلام سيف بجد: “سيف.. في عربية غريبة تحت البيت فعلاً. في إيه بالظبط؟ قولي!”
”متتحركوش من مكانكم، أنا دقيقتين وبكون عندك” سيف قال وقفل السكة.
الدقائق العشرة دول مروا على سما وأهلها كأنهم سنين. سما كانت قاعدة جمب مامتها وهي بترتعش، مش فاهمة إيه اللي بيحصل. جوزها اللي كانت فاكراه بيخونها، طلع مدخلهم في دوامة مرعبة مش عارفين أولها من آخرها.
فجأة، سمعوا صوت فرملة عربية قوية تحت في الشارع، وبعدها بصوت خناق وزعيق عالي. أحمد جري على الشباك وبص.
سيف كان نزل من عربيته المرسيدس زي الأسد، ودخل في خناقة مع التلات رجالة اللي نزلوا من الميكروباص. الضرب كان شغال بعنف، سيف كان بيضرب بكل قوته عشان يدافع عن الشرف والمكان اللي فيه مراته، بس هما كانوا تلاتة ومعاهم شوم وسكاكين.
”سيف!” سما صرخت لما سمعت صوت زعيقه، وجريت على الباب عايزة تنزل، بس أحمد مسكها بقوة: “أنتي رايحة فين؟ خليكِ هنا!”
”سيف هيموت تحت يا أحمد! سيف بيضربوهم عشاني! سيبني انزل!” سما كانت بتصرخ وبتعيط بانهيار.
أحمد جاب عصاية حديد كانت ورا الباب وقال: “خليكم جوة واقفلوا الباب ورايا!” ونزل يجري على السلم عشان يلحق سيف.
سما وفاطمة وقفوا في الصالة، قلوبهم بتدعي، وصوت الخناقة تحت بيعلى ويوطى، لحد ما فجأة.. الصوت سكت تماماً. سكون مرعب لف المكان.
سما مكنتش قادرة تستحمل، فتحت باب الشقة وجريت على السلم ومامتها بتصرخ وراها: “تعالي هنا يا سما!”
نزلت سما للشارع، والمنظر اللي شافته خلى ركبها تسيب.
الميكروباص كان طار واختفى. وأحمد كان واقف وراسه بتنزل دم خفيف وهو ساند على عربية، بس مكنش ده الصدمة..
الصدمة كانت سيف.. سيف كان واقع على الأرض، قميصه الأبيض متبهدل تراب ودم، وبيمسك بطنه بألم شديد، والهارديسك والشنطة السودا كانوا مرميين جنبه على الأرض ومكسورين نصين.
سما جريت عليه ورمت نفسها في الأرض جنبه، رفعت راسه وحطتها في حجرها وهي بتعيط بهستيريا: “سيف! سيف ردي عليا! عشان خاطري متسبنيش.. أنا أسفة، أنا فهمت غلط! سيف!”
سيف فتح عينيه بصعوبة، وبصلها بنظرة ماليانة حب وألم، وحاول يبتسم وهو بيطلع كارت صغير من جيبه مخبى بالدم، وحطه في إيد سما وهمس بصوت متقطع وضعيف جداً: “الميموري.. الميموري الصغير ده.. فيه كل حاجة يا سما.. طارق مش هيسيبك.. اهر…”
وقبل ما يكمل الكلمة، عينيه قفلت وراسه مالت على جنب، وإيده تترخي تماماً على الأرض.
سما صرخت صرخة هزت الشارع كله: “سيف لأااااااا!”
وفي نفس اللحظة، صوت سرينة بوليس بدأت تسمع من بعيد وهي بتقرب بسرعة، وصوت حكة لـ كوتش عربية تانية سودا بتظهر في أول الشارع، وبتنور كشافاتها العالية في وش سما وأحمد.. كأن اللعبة مخلصتش، كأنها لسه بتبدأ حالا!


