هدي المنشاوي

هدى المنشاوي شاورت لواحد من البودي جاردات اللي واقفين وراها، وفي ثانية كان فيه شال كشمير حرير محطوط على كتاف رانيا. الست الكبيرة ما بصتش لشريف تاني، كأنها كانت بتبص لـ صرصار معدي على الأرض. لفت وخدت رانيا في حضنها، حضن دافي قوي، ريحته بخور عود غالي ومستكة، ريحة رانيا عمرها ما شمتها بس حست إنها عارفاها من ألف سنة. شريف كان واقف بق بقه مفتوح، وعينه بتروح وتيجي بين رانيا وبين الست اللي بتملك نص معمار القاهرة الجديدة. المحامي بتاعه شدة من كم البدلة وهمس له: “جرى إيه يا شريف بيه؟ اهدى كده وخلينا نفهم الست دي بتقول إيه، ده شكلها ليلة طين!”
القاضي نفسه فضل واقف ورا منصته، باصص للمشهد وهو مش مستوعب إن محكمة أسرة في حي شعبي وزحمة زي زنين، يدخلها الاسم اللي بيهز البورصة العقارية في مصر. هدى بصت لرانيا وطبطبت على ضهرها وقالت بصوت واثق ومسمع القاعة كلها: “يلا يا بنتي، مكانك مش هنا وسط الحثالة دول. حقك وحق ابنك اللي في بطنك هيجيلك لحد رجلك، بس بالمليون مش بالمليم.” رانيا كانت ماشية وساندة على إيد هدى، حاسة إنها في حلم، رجلها المورمة مقتش توجعها زي الأول، الخوف اللي كان كابس على نفسها اتبخر وحل محله ذهول مخلّي لسانها عاجز عن النطق. شريف حاول يتحرك وراهم وهو بيزعق بصوت مرعوش: “يا هدى هانم فهميني بس! رانيا مين اللي بنتك؟ دي لقطة من طنطا! دي ملهاش أهل!”، هدى ما ردتش، بس واحد من الحراس وقف في وش شريف زي الحيطة السد، وزقه بكتفه خلاه يرجع لورا ويقع على كرسي الخشب بتاع المحكمة وهو بيلطم على فخاده من الصدمة وأمه العقروبة وراه بدأت تصوت وتدعي: “يا مصيبتي السودا يا شريف! الواد ضاع والفلوس ضاعت!”
خرجوا من باب المحكمة، وكان فيه تلات عربيات مرسيدس سودا أحدث موديل واقفين ومقفلين الشارع. الحراس فتحوا الباب لرانيا وهدى، وأول ما رانيا قعدت على الكرسي الجلد الناعم والتكييف لمس وشها، انهارعت في العياط. عياط ست سنين من الذل والقهر والقلة. هدى خدتها في حضنها تاني وفضلت تبكي معاها وتقولها: “سامحيني يا رانيا.. سامحيني يا نور عيني، حرقوا قلبي عليكي وأنا فاكراكي موتي، ست سنين وإنتي بتتهاني تحت إيد العيل ده وأنا بقلب عليكي الدنيا.” رانيا رفعت راسها وقالت بصوت متحشرج: “أنا مش فاهمة حاجة.. حضرتك مين؟ وأنا مين؟ أنا طول عمري عارفا إني لقطة، إني ماليش غالي ولا رخيص في الدنيا دي.” هدى مسحت دموع رانيا بمنديل حرير وقالت لها: “إنتي رانيا المنشاوي، بنتي الشرعية والوحيدة. أبوكي الله يرحمه سابلك نص ثروته باسمك من يوم ما اتولدتي، بس عمك الحرباية، حسبي الله ونعم الوكيل فيه، خطفك من المستشفى وإنتي عمرك يومين بعد ما قيدناكي في الدفاتر، ودفع ممرضة توديكي طنطا وترميكي هناك عشان يخلو له الجو ويورث هو كل حاجة لما أبوكي مات. فضلت وراه لحد ما اعترف قبل ما يموت بأسبوع في المستشفى، وجبت التحاليل ووصلت للملجأ وللناس اللي ربوكي، وعرفت إنك اتجوزتي الندل ده.”
العربيات مشيت ودخلت في سور قصر رهيب في التجمع الخامس، قصر أشبه بالخيال، شجر عالي، وحمام سباحة، وخدم واقفين صفين مستنيين “الهانم الصغيرة”. رانيا نزلت وهي مش مصدقة إنها كانت من كام ساعة بتفكر هتنام في السيدة عائشة ولا هتروح فين. هدى جابت لها أكبر دكاترة نسا وتوليد في مصر لحد القصر عشان يطمنوا على البيبي، والدكتور قال بابتسامة: “المدام محتاجة راحة تامة، والبيبي زي الفل وجدع، شكله مستني يخرج للدنيا عشان يشوف العز ده كله.” هدى قعدت جمب رانيا وقالت لها بشياكة وثقة: “ارتاحي يا بنتي، ومن بكرة، هتشوفي أمك هتعمل إيه في شريف الشناوي.”
في الناحية التانية، شريف كان قاعد في مكتب المحامي بتاعه، وشه أصفر زي الليمونة، عمال يشرب سجاير ورا سجاير وبيهز رجله برعب. “يعني إيه يا متر؟ يعني إيه رانيا تطلع بنت هدى المنشاوي؟ دي ممكن تدوس علينا برجلها تخفينا من السوق!” المحامي هز راسه بقلة حيلة وقال: “يا شريف بيه، هدى هانم مش بس هتدوس عليك، دي لو حطتك في دماغها هتخلي البنوك تطالبك بالقروض اللي عليك في ثانية، وأنا عرفت إنها بدأت تشتري أسهم في الشركات اللي بتوردلك مواد البناء عشان تقفل عليك الحنفية.” شريف قام وقف وزعق: “لازم أرجعها! رانيا دي هبلة وبتثق فيا، أنا هروح لها وأبوس رجلها وأقولها إن أمي هي السبب، هقولها كنت بعمل كده عشان خايف عليكي!” المحامي ضحك بسخرية: “ترجع مين يا مغفل؟ دي حراسة القصر بتاعها مبيعديش النملة، وإنت لسه قايلها في المحكمة ‘ورينا هتعيشي إزاي للصفر’.. انسى يا شريف، الست دي لو شافت وشك هتسجنك.”
مر شهر، ورانيا بدأت تتعافى نفسياً، وبقت ملامحها تنور، لبست أحسن لبس، وبقت تدير مع أمها بعض الأعمال الخفيفة من البيت عشان تتعلم البيزنس. وفي يوم، الصبح، هدى دخلت على رانيا وهي ماسكة أيباد وفي عينيها نظرة انتصار مرعبة. “بصي يا رانيا، ده شريف الشناوي حبيب القلب.” رانيا بصت على الشاشة لقت أخبار واقتصاد: (إفلاس شركة الشناوي للمقاولات بعد سحب البنوك لتسهيلاتها الائتمانية وتوقف المشروعات في العاصمة الإدارية). رانيا لفت وشها لأمها وقالت: “حضرتك اللي عملتي كده؟” هدى ابتسمت بوقار: “أنا مجرد اشتريت ديونه من البنوك وطالبت بالسداد الفوري، وهو طبعاً معندوش سيولة، كل فلوسه كانت في الشقة والمنظرة الكدابة والمشروع الجديد اللي قفلتهوله. دلوقتي، شريف الشناوي ميعملش تمن البدلة اللي كان لابسها في المحكمة.”
شريف انهار تماماً، شقته في مصر الجديدة الحجز نزل عليها، وعربيته الموتوسيكل م بقاش لاقي يشتري لها بنزين، وأمه العقروبة سابته وراحت تقعد عند أختها بعد ما الفقر دخل البيت وبقى شريف مبيطلّعش قرش. شريف بقى بيمشي في الشارع زي المجنون، هدومه اتبهدلت، والناس اللي كانوا بيطبلوا له بقوا يهربوا منه لما يشوفوه. وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة، رانيا دخلت المستشفى الاستثماري الكبير اللي أمها بتملكه عشان تولد.
المستشفى كله كان مقلوب، طقم دكاترة كامل واقف على رجله، وهدى المنشاوي واقفة برة القاعة بتدعي وتسبح بحمد ربنا. رانيا ولدت جابت ولد زي القمر، عيونه عسلي واسعة زي عيونها وعيون جدته. سمته “يوسف”. شالت يوسف في حضنها وهي قاعدة في الجناح الملكي بالمستشفى، والورد مالي الأوضة من كبار رجال الدولة ورجال الأعمال اللي بيجاملوا هدى المنشاوي.
بعد تلات أيام، رانيا خرجت من المستشفى، وهي راكبة العربية المرسيدس والبيبي في حضنها وأمها جمبها، العربية وقفت في إشارة مرور عند منزل كوبري أكتوبر. رانيا بصت من الشباك الفيميه بتاع العربية، لقت راجل واقف في البرد، لابس جاكيت مقطع، وشه شاحب، وماسك في إيده مناديل وبيمسح إزاز العربيات عشان ياخد جنيه ولا اتنين. رانيا ركزت في وشه.. الصدمة خلت قلبها يدق بسرعة.
ده كان شريف!
شريف الشناوي، الراجل اللي كان من شهرين لابس ساعة ذهب وبيهددها بالوعيد والوع جوع، واقف دلوقتي في الإشارة بيمسح إزاز عربيتها وهي مش شايفة غير خياله من ورا الزجاج الأسود. شريف قرب من العربية الفخمة، وبص على الزجاج الفيميه وهو مش شايف مين جوة، وبدأ يمسح الإزاز بكسرة وعين ذليلة ويقول: “لله يا بيه.. ربنا يخليلك أولادك.. أي حاجة لله.”
رانيا بصت لأمها، هدى هزت راسها وكأنها بتقولها “القرار ليكي”. رانيا نزلت زجاج العربية نص نزلة. شريف أول ما الزجاج نزل وبص لجوة، عينه جت في عين رانيا. شريف اتجمد في مكانه، المناديل وقعت من إيده في الطين، ريقه نشف، وبدأ يرتعش وهو شايف رانيا الهانم، اللابسة ألماظ في إيديها، وشايلة ابنها اللي لابس لبس ملوك، وجمبها الست اللي دمرت حياته.
شريف دموعه نزلت وقال بصوت مبحوح: “رانيا.. أنا.. أنا أسف.. سامحيني.. ابننا.. ده ابني صح؟ خليني أشوفه.. أنا بقيت في الشارع يا رانيا!”
رانيا بصت له ببرود تام، برود يشبه بروده يوم المحكمة، وقالت له بصوت هادي وقوي وثابت: “ده يوسف المنشاوي.. ملوش أب، أبوه مات يوم ما قال لي ورينا هتعيشي إزاي للصفر. وإنت يا شريف.. رجعت للمكان اللي تستاهله.. لللاشيء.”
رانيا رفعت الزجاج الأسود تاني، وشاورت للسواق يمشي. العربية طارت في شوارع القاهرة وسابت شريف واقف في وسط المطر والطين بيصرخ باسمها والناس بتبص عليه بحقارة وهو بيجري ورا العربية لحد ما وقع على ركبه. رانيا ضمت يوسف لحضنها وبصت لأمها وابتسمت، لأول مرة تحس إنها حرة، وإن الدنيا دارت والعدل اتكتب بدموعها.
العربية وصلت للقصر، ونزلوا والخدم مستنيينهم. هدى خدت رانيا ويوسف ودخلوا المكتب الكبير، وقعدوا عشان يراجعوا عقود الشراكة الجديدة بتاعة أفرع الشركات اللي هتبقى باسم رانيا بالكامل من بكرة. رانيا قعدت على الكرسي الجلدي الكبير وبدأت تقرأ الورق بتركيز، م بقتش تبصم وهي مغمضة خلاص. وفجأة، تليفون هدى المنشاوي الخاص رن، هدى ردت، ووشها فجأة اتقلب ملامحه من الابتسامة للغموض الشديد، وبصت لرانيا بنظرة غريبة خلت رانيا توقف قراية.
هدى قفلت التليفون وقالت بصوت واطي ومرعوب: “رانيا.. عمك قبل ما يموت مكنش بيقول الحقيقة كاملة.. الممرضة اللي خطفتك من المستشفى زمان.. لسه عايشة، وكلمت السكرتير بتاعي دلوقتي حالا وقالت إنها معاها سر تاني هيقلب حياتنا كلها.. وقالت إن رانيا مش البنت الوحيدة اللي اتخطفت الليلة دي!”رانيا حست إن الأرض بتلف بيها، القلم وقع من إيدها على مكتب الخشب الأبنوس، وبصت لأمها وهي مش قادرة تستوعب الكلمة: “مش البنت الوحيدة؟ يعني إيه يا ماما؟”
هدى المنشاوي، الست اللي هزت البورصة ودمرت إمبراطورية الشناوي في شهر، إيدها كانت بترتعش وهي بتحط التليفون على المكتب. النفس القوي الواثق اختفى في ثانية، وحل مكانه خوف أم بتواجه شبح من الماضي. هدى همست بصوت مخنوق: “الممرضة دي اسمها (عواطف).. عمك قال لي إنه دفع لها عشان تخلص منك، ولما ضميره صحي قبل ما يموت قال لي إنها خافت تق*تلك ورمتك في ملجأ في طنطا. أنا صدقته ووقفت تدوير لحد ما وصلتك.. لكن شكل عمك نفسه مكنش يعرف الحكاية كاملة.”
في أقل من ساعة، كانت الممرضة “عواطف” قاعدة في الصالون الصغير الملحق بمكتب هدى هانم. كانت ست عجوزة، ملامحها تعبانة، لابسة عباية سودا بسيطة، وعينيها بتزوغ في فخامة القصر برعب وندم. أول ما رانيا دخلت وشافت الست اللي كانت السبب في ست سنين من الذل والقهر وسرقة عمرها، جسمها كله ساب، لكنها جمدت قلبها وقعدت جمب والدتها.
هدى زعقت بصوت حاد زي الموس: “انطقي يا عواطف! قولي اللي عندك بدل ما أخليكي تعيشي اللي باقي من عمرك ورا القضبان! يعني إيه رانيا مش لوحدها؟”
عواطف عيطت بكسرة وقالت وهي بتبوس إيد هدى: “سامحيني يا هدى هانم.. أنا كنت غلبانة وعمي عاصم بيه عمى عيني بالفلوس وقتها. بس أنا م خطفتش رانيا لوحدها.. إنتي يومها ولدتي توأم.. بنتين زي القمر!”
الصدمة نزلت على الأوضة زي الصاعقة. رانيا حطت إيدها على بقها، وهدى وقفت مذهولة: “توأم؟ الدكاترة قالوا لي إنه كان عيل واحد والمشيمة كانت مغطية التاني ومات في بطني قبل الولادة!”
عواطف هزت راسها بالنفي وهي بتبكي: “لأ يا هانم.. عاصم بيه اتفق مع دكتور الولادة، وفهموكي إن البنت التانية ماتت ونزلوا ج*ثتها، لكنها كانت عايشة وزي الفل. عاصم بيه خاف لو واحدة جرى لها حاجة، التانية تظهر وتاخد الورث.. فطلب مني آخد البنتين وأسيبهم في مكانين أبعد من بعض في مصر، عشان عمرهم ما يتقابلوا.. رانيا نصيبها راحت ملجأ طنطا.. وأختها التوام (ندى) راحت ملجأ في أسوان!”
رانيا دموعها نزلت، مش قادرة تصدق إن ليها أخت توأم عايشة في الدنيا دي كلها، بتعاني نفس المعاناة ويمكن أكتر. سألت بلهفة: “وندى فين دلوقتي يا عواطف؟ انطقي، أختي فين؟”
عواطف طلعت من شنطتها القديمة ورقة مقطوعة ومصفرة من الزمن وقالت: “أنا م نسيتكوش، وكان كل سنة ضميري بيأنبني. ندى اتبنتها عيلة طيبة في أسوان، وكبرت ودخلت كلية هندسة.. بس من سنتين، العيلة دي ماتت في حادثة، وندى جت القاهرة تدور على شغل عشان تصرف على نفسها.. ومن شهرين بس، أنا شوفتها بالصدفة بتشتغل في شركة مقاولات كبيرة.. شركة اسمها..”
عواطف سكتت وخافت تتكلم، هدى شدتها من هدومها وزعقت: “شركة مين انطقي!”
عواطف بلعت ريقها وقالت: “شركة الشناوي للمقاولات! كانت بتشتغل مهندسة موقع تحت إيد شريف الشناوي!”
رانيا حست إن السكاكين بتقطع في قلبها. شريف؟ الندل اللي لسه سيباه في الإشارة؟
هدى من غير ما تضيع ثانية، طلبت السكرتير بتاعها: “في ظرف ساعة، عايزة ملف كامل عن كل الموظفين اللي اشتغلوا في شركة الشناوي في السنتين اللي فاتوا، باسم (ندى). وعايزة مكانها الحالي فين حالا!”
أقل من تلات ساعات، والملف كان جاهز. الصدمة التانية كانت أشد. ندى مكنتش مجرد مهندسة في الشركة؛ ندى كانت هي اللي ماسكة الحسابات الهندسية للمشروع الجديد في العاصمة الإدارية، ولما شركة شريف أفلست، شريف ورّط ندى ووقعها على شيكات بدون رصيد وعقود وهمية عشان يهرب من السجن ويشيلها هي الليلة!
التقرير كان بيقول إن ندى محبوسة حالياً ذمة التحقيق في قسم شرطة قصر النيل بسبب شيكات بمبلغ اتنين مليون جنيه مضت عليهم بحسن نية بعد ما شريف ضحك عليها وفهمها إن دي إجراءات الشغل.
رانيا وقفت، وبصت لأمها وعينيها فيها شرار، م بقتش رانيا الضعيفة المكسورة: “يا ماما.. أختي بتدفع تمن قذارة الراجل ده وهي متعرفش. أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة.”
هدى المنشاوي ابتسمت بقوة وفخر ببنتها: “يلا يا بنت المنشاوي.. نرجع حق أختك ونقفل الصفحة دي للأبد.”
العربيات المرسيدس بركب الحراسة تحركت لملحق المحكمة وقسم الشرطة. المحامين بتوع هدى المنشاوي سبقوهم بشنط الفلوس والتنازلات. وفي الصالة الواسعة بتاعة المحكمة، كانت ندى قاعدة على دكة خشب، ليلى بائسة، ملامحها كانت نسخة طبق الأصل من رانيا، نفس العيون العسلي الواسعة، ونفس الملامح المنورة بس دبلانة من الحزن والخوف.
المحامي دفع الكفالة وقفل القض*ية بالكامل في دقايق. ندى كانت واقفة مش فاهمة حاجة، العساكر قالوا لها: “يا بشمهندسة، خلاص، القض*ية اتقفلت وفيه سيدة أعمال دفعت كل المديونيات اللي عليكي والشيكات اتعدمت.”
ندى خرجت للطرقة وهي مذهولة، ولقت قدامها رانيا وهدى واقفين. ندى بصت لرانيا، وبرقت عينيها.. كأنها بتبص في مراية! الاختلاف الوحيد كان في اللبس الفخم اللي لابساه رانيا والراحة اللي على وشها.
ندى رجعت خطوة لورا ووشها أصفر: “إنتي.. إنتي مين؟ أنا بشوف نفسي؟”
رانيا قربت منها، والدموع مغرقة عينيها، وخدتها في حضنها.. حضن كان دافي لدرجة إن ندى حست بأمان عمرها ما عاشته من يوم ما عيلتها ماتت. رانيا همست في ودنها: “أنا رانيا.. أختك التوأم يا ندى.. عمرنا اللي ضاع رجع، ومفيش كلب في الدنيا هيقدر يلمس شعرة منك تاني.”
هدى المنشاوي قربت منهم، وخدت البنتين في حضنها، وبكت لأول مرة من سنين بصوت مسموع وسط ذهول كل اللي في المحكمة.
وفي نفس اللحظة، في زاوية ضلمة برا المحكمة، كان شريف الشناوي قاعد على الرصيف، بيترعش من البرد والجوع، وشايف العربيات المرسيدس الكبيرة واقفة مستنية “الهوانم”. شاف رانيا وندى وهدى خارجين، تلات ستات من عيلة المنشاوي، بيهزوا الأرض تحت رجليهم.
شريف شاف ندى، وعرف إن سره القديم وفخّه ليها اتمسح بفلوس المنشاوي، وعرف إن رانيا مش بس دمرت شركته، دي كمان خدت أختها وحماتها من بطشه. شريف حاول يقوم يقرب، بس الحراس بصوا له بنظرة حتقار، والبوليس قرب منه وزقه: “اتحرك من هنا يا شحاذ.. مشوفش وشك قدام المحكمة تاني!”
العربيات مشيت، ورانيا لفت وشها لندى وبصت ليوسف اللي كان نايم في حضن السواية وابتسمت. العيلة اكتملت، والعدل مكنش مجرد كلمة، كان حقيقة اتكتبت بدموع ست سنين، وبدأت حياة جديدة لـ “بنات المنشاوي” في قصر مبيتدخلوش الشمس غير للأقوياء.



