شقتي فى عين شمس

الدكتورة سابتني واقف في الطرقة زي الصنم، الكلمة عمالة تلف في دماغي وتخبط في نفوخي زي الشاكوش: “شروع في قتل.. شروع في قتل”. يوسف في حضني كان لسه عمال ينين بصوت مكتوم، جسمه الصغير كان بيموت بين إيديا، ومنى جوه نايمة على السرير الأبيض، موصولة بخراطيم ومحاليل، وشها اللي كان منور دايما بقا شبه القماش الدبلان. قعدت على الرصيف بره الطوارئ، دماغي بتلف، مش قادر أستوعب إن الحجة كريمة، الست اللي صلت وصامت وحجت بيت ربنا، وشيماء أختي اللي من دمي، يعملوا كده! يعملوا كده في مين؟ في واحدة ملهاش ذنب غير إنها حبتني ورضيت بظروفي. طلعت الموبايل وإيديا بترتعش، طلبت النجدة، وصوتي كان طالع مخنوق وأنا بمليهم العنوان وبقولهم إن في مصيبة حصلت في شقتي في عين شمس.
ساعتين وأنا قاعد على نار، الدكاترة داخلين خارجين، وكل ما حد يبصلي بحس بنظرة اتهام في عينيهم، كأني أنا اللي مديت إيدي، كأني أنا اللي جوعتهم. لحد ما لقيت أمين شرطة وضابط مباحث داخلين الطوارئ، الضابط كان شاب صغير بس عينيه حادة زي الصقر، اسمه ملازم أول أحمد. أول ما شافني قالي بنبرة ناشفة: “أنت محمد Hernández.. قصدي محمد أحمد؟ أنت جوع الست اللي جوه دي؟” قولتله والدموع نازلة من عيني مش قادر أمسكها: “والله العظيم يا باشا ما كنت هنا، أنا لسه راجع من مشوار شغل في الإسماعيلية حالا، ولقيت البيت بالمنظر ده”. الضابط بصلي من فوق لتحت، وبعدين دخل للدكتورة اللي كشفت على منى، قعد معاها ربع ساعة، ولما خرج كان وشه مقلوب وعروق جبهته باينة، بصلي وقالي: “التقرير المبدئي بيقول إن الست دي اتعرضت لعنف بدني، وتم منع الأكل والشرب عنها وعن الطفل لمدة مش أقل من 48 ساعة، بالإضافة لإصابات في معصم الإيد نتيجة التكتيف بحبل أو قماش تقيل.. مين اللي كان معاهم في الشقة يا محمد؟”
حسيت لسانى تقيل، الكلمة مش عايزة تخرج، هقول أمي؟ هقول أختي؟ بس لما افتكرت منظر يوسف وهو زي حتة الفحم القايدة، ونظرة منى وهي بتقولي “خدوا مني الموبايل وحبسوني”، جمدت قلبي وقولتله: “أمي وأختي يا باشا.. هما اللي كانوا قاعدين معاها”. الضابط ضيق عينيه وقالي: “طب قدامي على الشقة.. وبلاش حركات، لو حاولت تحذرهم هتبقى شريك معاهم في الجناية”.
ركبنا بوكس الشرطة، كنت قاعد وسط العساكر وأنا حاسس إني في كابوس، الدنيا بره في شوارع عين شمس كانت زحمة، وصوت الكلاكسات وهيصة الناس دوشة في ودني، بس جوايا كان في سكوت مرعب. وصلنا البيت، الضابط قالي: “اطلع أنت الأول، افتح الباب وادخل طبيعي، وإحنا وراك”. طلعت السلم ورجلي مش شيلاني، كل خطوة بحس إنها مسمار في نعشي، فتحت الباب بالراحة، لقيت الشقة لسه على حالها، ريحة القذارة والحموضة مغرقة المكان، بس أمي وأختي مكنوش نايمين زي ما سبتهم، كانوا قاعدين في الصالة، شيماء ماسكة مقص وبتقصقص في قماش، وأمي قاعدة على الكنبة بتشرب شاي وبتضحك.


