المحكمه

عشر دقايق مرت كأنها عشر سنين. الصوت اشتغل في القاعة عبر السماعات.
صوت مدحت كان واضح جداً وهو بيكلم فريد:
*(يا فريد، أنا مش فارق معايا الولد يجي هنا ولا يغور، أنا عايز أكسر نورا. خلي الشهود يشهدوا إنها بتسيب الولد في الشارع، وأنا هديك الخمسين ألف حلاوة القض*ية لما الحضانة تتسحب منها وتترمي في الشارع).*
وصوت فريد وهو بيرد:
*(سيبها عليا يا مدحت بيه، أنا هكبر صور القميص القديم اللي بيخليه يلبسه، وهنلبسها قض*ية إهمال ونزع حضانة، والقاضي مش هيتردد لحظة).*
الناس اللي في الصالة بدأوا يوشوشوا ويصرخوا بصوت واطي: “حسبنا الله ونعم الوكيل”، “ربنا يمهل ولا يهمل”، “يا ساتر يا رب على الغل”.
القاضي رفع المطرقة، وبص لمدحت ومحاميه بنظرة تقطع العيش.
— المحكمة قررت رفض دعوى إسقاط الحضانة المقامة من الأب، واستمرار حضانة الصغير سيف لدى أمه نورا الشناوي، مع زيادة النفقة المقررة ثلاثة أضعاف لتغطية كافة احتياجاته الدراسية والمعيشية.
مدحت كان هيغمى عليه، بس النياية ما انتهتش هنا.
القاضي كمل بصوت حازم يزلزل القاعة:
— وأمرت المحكمة بإحالة الأوراق، والفلاشة المسجلة، وكل من المدعو مدحت Salvatierra والمحامي فريد للنيابة العامة بتهمة التزوير في أوراق رسمية، والشهادة الزور، والتآمر للإضرار بالطفل وأمه! العسكري! احفظ المتهمين في القاعة لحين وصول مأمور الضبط!
مدحت اترمى على الكرسي كأنه ج*ثة، وفريد كان بيحاول يكلم القاضي وهو بيترعش، بس القاضي ما بصلهمش تاني.
أنا جريت على سيف، اتربيت في حضنه وأنا بعيط دموع السنين كلها اللي ضاعت في القهر والخوف. سيف حضن رأسي بإيديه الصغيرين وقالي بصوت واطي في وذني:
— قلتلك يا أمي… السما اللي فيها نجوم، ربنا فيها بيشوف كل حاجة.
خرجنا من القاعة، وأمي الحاجة فاطمة كانت واقفة برة بدموعها وسبحتها، حضنتنا احنا الاثنين، والشمس كانت طالعة تغسل شوارع الجيزة، حسيت لأول مرة إن الهوا اللي بنتنفسه نقي وله طعم.
بس ونحن خارجين من باب المحكمة الرئيسي، سيف وقف فجأة، وشد إيدي.
— فيه إيه يا سيف؟
سيف بصلي بعينين فيها حاجة غريبة… حاجة تخلي البطن تقلب تاني. ومال عليا بابتسامة مش بتاعت أطفال، وطلع من جيبه الوراني شريط لزق تاني، ملفوف حوالين ورقة صغيرة أوي كانت متدارية في بطانة اللياقة الميتة من فوق… ورقة أنا عمري ما شفتها!





