المحكمه

المحكمة كلها جمدت في مكانها. الحركة الصغيرونة دي من سيف خلت الأستاذ فريد يقف بفضول مغلوط، ومدحت كشر حواجبه وابتسامته بدأت تتكسر حتة حتة. القاضي، اللي كان عينيه متسمرة في الورق اللي قدامه، رفع راسه بهدوء ونظر فوق نظارته العريضة، كأنه حاسس إن السكوت اللي خيم على الصالة ده مش سكوت خوف، ده السكوت اللي بيسبق انفجار المعبد.

سيف بصباعينه الصغيرين شد الخيط الأحادي اللي كان متدلي من ثنية القميص الكحلي. القماش المنسول اتفتح ببطء، وكشف عن بطانة بيضا متدارية جوة ثنية الديل، مكتوب عليها بظرف جاف أزرق، بخط عيل صغير لسه بيتعلم يسند الحروف على السطر، وجمبها أرقام وتواريخ متسطرة بانتظام شديد.

الولد ما خافش. وقف على حيله، وطوله الصغير خلى طراطيف صوابع رجليه بالعافية تلمس الأرض وهو ساند إيده على الترابيزة، ورفع القميص لفوق، ناحية المنصة.

— يا سيادة القاضي… القميص ده مش دايب عشان أمي معندهاش تجيبلي غيره. القميص ده أنا اللي كنت برفض أخلعه، وكنت بخبي فيه كل مرة بابا يجي يزرني فيها أو ياخدني عنده التجمع!

فريد اتوتر، ومد إيده بسرعة كأنه عايز يتخطى حاجز الترابيزة وياخد القميص من إيد الولد، بس العسكري اللي واقف جنب المنصة اتململ في وقفته وضرب بقدمه على الأرض ضربة خفيفة خلت المحامي يرجع خطوة لورا وهو بيحاول يحافظ على بروده:

— يا فندم ده شغل أطفال وموجه… الأم المحترمة ملقنة الولد مسرحية عشان تتهرب من…

— اسكت يا أستاذ! —صوت القاضي جه حاد زي السكين، خلى القاعة كلها تشرق بسكوت تام. القاضي شاور للعسكري— هبت القميص هنا يا عسكري، وهات الولد يقرب.

العسكري قرب، أخد القميص من سيف بكل حذر، وسيف مشي بخطوات ثابتة لحد ما وقف قدام منصة القضاء مباشرة. أنا كنت قاعدة على الكرسي، قلبي بيلطم في قفصي الصدري، مش فاهمة إيه اللي مكتوب جوة القميص! سيف عمري ما شفته بيكتب في السكوت كده، كنت فاكراه بيعد العصافير ولا بيلعب بخياله لما يقعد ساكت بالساعات بعد ما يرجع من عند أبوه.

القاضي مسك القميص، فرد ثنية الديل تحت كشاف المكتب الأب Herd، وبدأ يقرأ الكلام المكتوب بصوت واطي، وعينيه بتوسع مع كل سطر.

الكتابة جوة الثنية كانت عبارة عن جدول. تواريخ دقيقة، وجمب كل تاريخ جملة متقطعة، وأرقام متسجلة:

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *