حرب ممرضه بقلم سمسمه

سما وقفت مكانها مش قادرة تتحرك، الكلمة لسة بتنور وتطفي في ودنها زي سرينة الإسعاف اللي برة، بس المرة دي الوجع مش في دراعه ولا في صدره، الوجع كان في قلبها هي. يوسف غمض عينه تاني بتعب، كأنه استهلك كل ذرة طاقة كانت باقية فيه عشان بس يقول الجملة دي، عشان يثبت لها إنه لسة عايش، وإنه رجع عشانها.
​الدنيا حواليهم كانت هادية هدوء مرعب، هدوء ما بعد العاصفة اللي بيبقى أصعب من العاصفة نفسها. ريحة اليود والشاش المخلوطة بريحة التراب والبارود كانت مغرقة الأوضة، واللمبة الفلورسنت اللي فوق السرير كانت بتهتز وتعمل صوت زنة خفيفة بتكسر السكوت. سما بصت على جهاز القياس اللي جنب السرير، النبض بدأ يستقر، والمؤشرات بقت في الأمان، بس إيديها هي اللي كانت لسة بترتعش.
​سحبت كرسي حديد كان مركون في الزاوية وقعدت جنبه، حطت راسها بين إيديها ولأول مرة من ساعات طويلة، سمحت لنفسها تنزل دمعة واحدة.. دمعة هربت من عينيها من كتر الكتمان والخوف. الخوف من إن الراجل ده، اللي دخل حياتها فجأة وبقى جزء من يومها، كان ممكن يختفي في لحظة وماتشوفوش تاني.
​مرت ساعة، واتنين، والليل بدأ يرخي سدوله على المعسكر العسكري في قلب سينا. الجو برة بقى برد، الهوا بينقر على الشبابيك الخشبية بتاعة العنبر، وصوت خطوات العساكر في الممرات بدأ يقل. يوسف بدأ يتحرك تاني، أنفاسه بقت أعمق، ووشه بدأ يرد فيه الدم بعد ما كان شاحب زي الورقة.
​فتح عينه بالراحة، وبص حواليه لحد ما عينه جت عليها وهي ساندة راسها على طرف السرير ومغمضة عينيها من التعب. حاول يتحرك، بس آهة مكتومة طلعت من بين شفايفه لما الجرح اللي في جنبه شد عليه.
​سما فتحت عينيها في ثانية، كأنها كانت صاحية ومستنية الحركة دي. اتعدلت بسرعة وقالت بنبرة فيها خوف مخلوط بعصبية ممرضة: “إوعى تتحرك! الغرز ممكن تفتح تاني، أنت مش حمل نزيف جديد.”
​يوسف بص لها، وابتسامة خفيفة جداً، تكاد تكون مش باينة، اترسمت على وشه المجهد. صوت كان لسة مبحوح وناشف: “مية.. ريقي ناشف يا سما.”
​قامت بسرعة، صبت مية في كوباية بلاستيك، وقربت منه. حطت إيدها ورا ظهره بالراحة عشان ترفعه شوية، وحطت الكوباية على شفايفه. شرب ببطء، وعينيه مش مفارقة وشها، كأنه بيتاكد إنها حقيقة مش حلم من أحلام الهذيان والبنك.
​بعد ما شرب، ريحت راسه تاني على المخدة، وجت تبعد إيدها، بس هو فاجأها لما مسك معصم إيدها براحة كفه الكبيرة. إيده كانت دافية، دافية لدرجة خلت قلبها يدق بسرعة.
​”أنتِ ما نمتيش من إمتى؟” سألها بصوته الرخيم اللي بدأ يسترد قوته شوية بشوية.
​سما حاولت تسحب إيدها براحة، بس لما لقت إصرار في مسكته، سابتها. “مش مهم أنا نمت وإلا لأ، المهم أنت. أنت عارف أنت جيت هنا إزاي؟ أنت كنت قاطع النفس، والعساكر بتوعك كانوا بيبكوا عليك برة. القائد يوسف اللي مفيش طلقة بتهزه، كان بين الحيا والموت.”
​يوسف سكت شوية، وبص للسقف الأبيض، ملامحه رجعت صلبة وجادة تاني، ملامح القائد اللي متعود يشيل شيلته وشيلة رجالته. “الكمين اتضرب بغدر.. كنا بنأمن الممر الشمالي، وطلعوا لنا من وسط التباب. بس رجالتنا رجالة يا سما، وقفوا وقفة وحوش، وما سيبناش مكاننا غير لما نضفنا المنطقة.”
​”بس أنت انصبت يا يوسف، الطلقة كانت قريبة من الرئة، لو كانت حودت سنتيمتر واحد شمال…” صدمتها خنقتها وما قدرتش تكمل الجملة.
​”بس ما حودتش،” رد عليها ببرود غريب، وكأن الموت ده حاجة بيقابلها كل يوم الصبح في الطابور. بص لها تاني ونبرته اتغيرت، بقت أهدى وأقرب: “عارفة إيه اللي خلاني أمسك في الدنيا وأنا غايب؟”
​سما بصت له وعينيها بتلمع في ضلمة الأوضة: “إيه؟”
​”صوتك.” يوسف قالها وهو بيضغط على إيدها براحة. “كنت سامع صوتك وأنتِ بتزعقي فيهم، وأنتِ بتقولي خليك معايا. الصوت ده كان زي الحبل اللي اترمى لي وأنا بغرق في ضلمة ملهاش أول من آخر. قولت لنفسي مش هينفع أمشي وأسيب البنت اللي تاهت في المعسكر دي لوحدها، مين هيقولي إن مكتبك في الاتجاه التاني؟”
​سما ضحكت وسط دموعها، ضحكة خفيفة طلعت من قلبها. “أنت بجد فايق ورايق وبتستخف دمك وأنت طالع من العمليات؟”
​”معاكي أنتِ بس بفك برتبة القائد دي برة الأوضة،” قالها وهو بيقفل عينه بتعب، بس مسكة إيده لسة زي ما هي. “اقعدي يا سما، ارتاحي، أنا مش هطير.”
​قعدت تاني على الكرسي، وسندت ظهرها، وفضلت باصة عليه وهو بيروح في النوم تاني، بس المرة دي نوم طبيعي، نوم راحة مش غيبوبة. في اللحظة دي، سما حست إن المستشفى العسكري ده، بالرغم من قسوته وصوته العالي وضغطه اللي بيكسر الضهر، بقى المكان الوحيد في العالم اللي هي عايزة تكون فيه.
​والساعات مرت، والصبح بدأ يشقشق، والنور الأبيض الضعيف بدأ يدخل من الشباك، معلن عن يوم جديد في المعسكر. يوم هيبدأ بطابور أركان حرب، وزعيق القادة، ودب البيادات.. بس جوة العنبر ده، كان فيه قصة تانية خالص بدأت تتكتب، قصة مفيش قوة في الدنيا تقدر توقفها.
​مع أول خيوط الشمس، الباب اتفتح بالراحة، ودخل الدكتور الكبير، العقيد أحمد. بص على يوسف وبعدين بص على سما اللي كانت صاحية وعينيها حمرا من السهر.
​”صحي يا ممرضة سما؟” سألها العقيد وهو بيقرب من السرير عشان يشوف التقرير.
​”تمام يا فندم، فاق بالليل وشرب مية، والعلامات الحيوية كلها استقرت الحمد لله،” وقفت وضبطت البالطو بتاعها وهي بتتكلم برسمية.
​العقيد أحمد هز راسه بإعجاب وبص ليوسف اللي كان بدأ يفتح عينه مع صوتهم. “يا فندم، القائد يوسف ده سبع أرواح، طلقات الدنيا مابتجيبوش الأرض. مبروك حمد الله على سلامتك يا بطل.”
​يوسف اتعدل بحذر وسند ضهره على المخدة، وملامحه الرسمية الصارمة رجعت في ثانية بمجرد دخول العقيد. “الله يسلمك يا فندم. الوضع برة إيه؟ الرجالة تمام؟”
​”كله تمام يا سيادة القائد، الرجالة صامدين والمنطقة تحت السيطرة، وأنت هنا في إيد أمينة، الممرضة سما ما سابتكش ثانية واحدة طول الليل،” قالها العقيد وهو بيبتسم ابتسامة ذات معنى، وبعدين التفت لسما: “تقدري تتفضلي يا سما تاخدي راحة في سكن الممرضات، وأنا هتابع معاه.”
​سما حسيت بكسوف، وبصت في الأرض وهي بتقول: “تمام يا فندم، تحت أمرك.”
​قبل ما تخرج من الأوضة، لفت بلمحة سريعة وبصت ليوسف. كان باصص لها، ونظرة عينيه كانت بتقول كلام كتير أوي ملوش علاقة بالرتب العسكرية ولا بأجواء الحرب. نظرة كانت بتطمنها، وبتفكرها بجملته الأخيرة: “طول ما أنتِ الوحيدة اللي مستنياني أرجع لها.”
​خرجت سما من العنبر، والهوا البارد بتاع الصبح خبط في وشها. أخدت نفس عميق، وحست إن حياتها من اليوم ده مش هتكون زي الأول أبداً. مشيت في الممر الطويل وهي بتفكر في بكره، وفي الحكايات المستخبية وسط الرمل والتراب، وفي القائد اللي خلى قلب الممرضة يدق في أوقات الحرب.
​وهي ماشية في اتجاه السكن، شافت العساكر بتوع كتيبة يوسف واقفين برة المستشفى، وجوههم تعبانة بس عيونهم فيها عزة وفخر. أول ما شافوها، واحد منهم قرب منها وعلي وشه علامات القلق: “يا فندم.. القائد يوسف عامل إيه؟ طمنينا عليه بالله عليكي.”
​سما ابتسمت لهم ابتسامة صافية طمنت قلوبهم في ثانية: “يا رجالة، قائدكم زي الفل، وصحي وسأل عليكم كمان. يوسف مابيقفش قدامه حاجة.”
​العساكر اتنفسوا الصعداء، وبدأوا يباركوا لبعض، وصوت الفرحة الخافتة بدأ ينتشر بينهم. سما كملت طريقها، بس الكلمات اللي قالتها للعساكر رنت جوة نفسها؛ يوسف فعلاً مابيقفش قدامه حاجة، ولا حتى الموت.. بس السؤال اللي كان شاغل بالها ومهز جدران قلبها: يا ترى الأيام اللي جاية مخبية لهم إيه وسط نار المعركة دي؟ وهل الحب اللي اتولد في وسط الدم والتراب هيقدر يعيش ويقاوم؟
​القصة لسة في أولها، والخطوة اللي جاية محتاجة قلب أقوى من الحديد، وهي كانت جاهزة، لأنها ببساطة.. بقت هي السند اللي بيرجع عشانه.سما وصلت سكن الممرضات، رمت البالطو الأبيض بتعب على الكرسي، وقعدت على طرف السرير وهي حاسة إن جسمها كله مهدود، بس عقلها مش راضي يقف عن التفكير. غمضت عينيها، فجاءت صورتها وهي ماسكة إيده، وصوته الرخيم وهو بيقول اسمها لأول مرة “يا سما” بيتردد في ودنها. مكانش مجرد نداء، ده كان كأنه بيحفر اسمها جوة حيطة العنبر عشان يفضل هناك للأبد. نامت من كتر الإجهاد، بس نومها كان متقطع، مليان بأصوات ضرب نار وإشاعات عن هجوم جديد، لحد ما صحيت على صوت خبط رزع على باب الأوضة.
​قامت مفزوعة، فتحت الباب ولقت زميلتها مريم واقفة ونفسها مقطوع: “الحقي يا سما! سيادة العقيد أحمد طالبك فورا في المكتب، وشكل الوش مش مبشر.. المعسكر مقلوب برة وفي عربيات جيب تابعة للقيادة العامة لسة واصلة حالا!”
​قلب سما سقط في رجليها. لَبست البالطو بسرعة وجريت في الممرات وهي بتقدم رجل وتأخر رجل. وصلت مكتب العقيد، خبطت ودخلت، ولقت الجو جوة مشحون جداً. العقيد أحمد كان واقف وراه مكتبه، وجنبه ضابط برتبة لواء، ملامحه صارمة وعينيه زي الصقر.
​”الممرضة سما؟” اللواء سأل بنبرة جافة هزت الأوضة.
​”تمام يا فندم،” سما ردت وهي بتضرب تعظيم سلام، وإيديها بترتعش خفيف.
​اللواء بص في ورق قدامه وقال: “التقرير الطبي بتاع القائد يوسف بيقول إنه استقر، بس لسة محتاج رعاية دقيقة. إحنا جالنا تعليمات بنقله فورا لمستشفى المعادي العسكري في القاهرة لسلامته، ولأن وجوده هنا بعد العملية دي بيشكل خطر، خصوصاً إن المعلومات اللي عنده تهم الأمن القومي. العقيد أحمد رشحك أنتِ بالذات تكوني الممرضة المرافقة ليه في عربية الإسعاف المجهزة لحد ما يوصل هناك ويتسلم للخدمة الطبية بالقاهرة.”
​سما حسيت فجأة إن النور رجع لوشها، بس في نفس الوقت حست بمسؤولية جبل فوق كتافها. “تحت أمرك يا فندم، جاهزة في أي وقت.”
​”التحرك كمان نص ساعة، اجهزي،” اللواء قالها بنبرة حاسمة أنهت المقابلة.
​خرجت سما تجري على العنبر عشان تجهز يوسف وتطمن على حالته قبل النقل. دخلت الأوضة، لقت عساكره واقفين حواليه بيساعدوه يلبس قميصه العسكري المموه فوق الشاش والرباط. يوسف أول ما لمحها، أشار للعساكر يخرجوا وسابوا الأوضة.
​”سمعت إننا مسافرين القاهرة؟” يوسف قالها وهو بيحاول يبتسم رغم الوجع اللي باين في عيونه.
​قربت منه وبدأت تراجع على المحاليل والأجهزة المحمولة اللي هتتحط معاه في الإسعاف. “آه يا سيادة القائد، وماتفتكرش إنك هتخلص مني، أنا مرافقة معاك في العربية لحد ما أسلمك لباب المستشفى في المعادي.”
​يوسف سكت ثانية، وبص لها بنظرة غريقة، أعمق من كل المرات اللي فاتت، وقال بصوت واطي: “يعني الطريق هيكون طويل.. ودي أحسن حاجة حصلت من الصبح.”
​سما وشها احمر ولفّت عشان تخبي كسوفها وهي بتجهز الشنطة الطبية. بعد نص ساعة، كان يوسف على النقالة، واتنقل لعربية الإسعاف المدرعة الكبيرة، وسما قعدت جنبه، والباب اتقفل عليهم، والعربية بدأت تتحرك وسط حراسة مشددة من عربيتين دفع رباعي عليهم سلاح ثقيل.
​طريق سينا الدولي كان طويل، والشبابيك المتغنية كانت بتعكس ضوء الشمس اللي بدأ يغيب ويصنع خيوط حمرا على الأفق. السكوت جوة العربية كان مليان كلام مش مسموع. يوسف كان ساند راسه، وعينه على سما اللي كانت بتتابع النبض والضغط كل شوية بدقة.
​”سما،” يوسف نده عليها فجأة وسط صوت الموتور الضخم.
​”نعم يا يوسف؟” ردت من غير الرسميات اللي برة، لأن جوة العربية دي، مكانش فيه غيرهم.
​”لو الأيام دي عدت على خير.. والخدمة بتاعتي هنا خلصت، تفتكري هيكون لينا مكان في حياة طبيعية؟ حياة مفيش فيها دم، ولا طوارئ، ولا قلق؟”
​سما بصت له، ولأول مرة تشوف في عين القائد الصلب ده حتة ضعف إنساني، حتة خوف من إنه يخسر الفرصة الوحيدة للحظ الفرحة. حطت إيدها بالراحة على جرحه المكشوف فوق الهدوم وقالت بنبرة كلها يقين: “الحياة الطبيعية إحنا اللي بنصنعها يا يوسف. وأنت دايماً بتعرف تكسب معاركك.. ودي المعركة الوحيدة اللي مش هسمحلك تخسرها.”
​يوسف ابتسم، ولسة هيتكلم ويشد على إيدها، فجأة.. العربية اتهزت هزة عنيفة هزت كل الأجهزة الأرضية!
​صوت فرملة قوية صرخت في المكان، ووراها علطول صوت انفجار هز الأرض تحت عجل الإسعاف! ضرب النار بدأ يشتعل برة زي المطر، وصوت الرصاص الكلاشينكوف وهو بيخبط في تصفيح العربية كان بيعمل رنين يرعب النفوس.
​النور جوة الإسعاف قطع، واشتغل نور الطوارئ الأحمر الضعيف. لاسلكي العربية بدأ يصرخ بزعيق الضابط المسؤول عن التأمين: “كمين على الطريق! اقلبوا الاتجاه! احموا عربية المصاب فورا!”
​سما اتعلمت في السرير من الصدمة، وعينيها وسعت من الرعب. بصت ليوسف، لقت ملامحه في ثانية واحدة اتقلبت لـ وحش كاسر. نسى وجعه، ونسى الغرز اللي في جنبه، وسحب نفسه بقوة حديدية وقعد على السرير، وعينيه بتلمع في النور الأحمر.
​مد إيده بسرعة تحت المرتبة بتاعة النقالة، وسحب طبنجته الميري اللي كان مخبيها تملي للطوارئ، عمرها في ثانية بصوت “تكة” رعبت سما، وبص لها وعينيه مليانة شراسة القائد اللي بيدافع عن أرضه.. وعن البنت اللي معاه.
​”امسكي في الكرسي واقعدي في الأرض يا سما! متتحركيش!” يوسف زعق والنبرة دي مكانتش تسمح بأي مناقشة.
​الضرب زاد، وصوت الصريخ برة بقى على أخره، وباب الإسعاف الخلفي بدأ يتخبط عليه بقوة من برة، كأن فيه حد بيحاول يقتحمه بقوة! يوسف رفع طبنجته ووجهها ناحية الباب، ونفسه بقى سريع ومجروح، والدم بدأ يبقع الشاش الأبيض من جديد تحت هدومه العسكرية من كتر الحركة.
​سما كانت في الأرض، قلبها بيدق في زورها، باصة ليوسف وهو واقف بجسمه المصاب كأنه حيطة سد بينها وبين الموت اللي برة، ومستنية اللحظة اللي الباب فيها يتفتح.. يا ترى هيعيشوا ويشوفوا نور القاهرة، وإلا دي هتكون المحطة الأخيرة ليهم في قلب الرمل؟الباب الخلفي للإسعاف اتخلع من مكانه بصوت حديد بيكسر حديد، ودخل منه شعاع نور خاطف مع عفرة تراب عمت العين، وظهر خيال أسود مسلح بيحاول يقتحم العربية. في جزء من الثانية، وقبل ما الخيال ده يرفع سلاحه، رصاصة يوسف كانت الأسرع.. طارت من الطبنجة وشقت السكوت الضيق جوة العربية، ووقع الجسد برة على الرمل وزعيق العساكر برة زاد: “يا فندم! الممر الشمالي اتأمن! اضرب يا ابني وراه التبة!”
​يوسف مكانش سامع غير صوت أنفاس سما المرعوبة في الأرض، الغرز في جنبه اتقطعت تماماً والدم بدأ يسيل بغزارة على بنطلونه الميري، بس ملامحه متهزتش ولا ملي، كان واقف زي الوتد. وفجأة، عربية الإسعاف دورت تاني بأقصى سرعة، والكسحة بتاعتها خبطت في عربية المهاجمين، وطلعت تجري بأقصى عزم في اتجاه نفق الشهيد أحمد حمدي، والضرب وراهم بدأ يبعد ويختفي بالتدريج لحد ما ساد السكون من تاني.. سكون الطريق السريع.
​يوسف نزل على ركبه بتعب شديد، الطبنجة وقعت من إيده الكبيرة على أرضية العربية، وسند ضهره على السرير ونفسه طالع بطلوع الروح. سما، بأول ما حست إن الخطر قارب ينتهي، زحفت على الأرض ووصلت عنده، دموعها كانت مغرقة وشها بس إيديها مكانتش بترتعش؛ غريزة الممرضة اللي جواها حاربت الخوف، سحبت علبة الإسعافات بسرعة وبدأت تضغط بكل قوتها على الجرح اللي فتح تاني.
​”أنت مجنون! أنت عملت إيه في نفسك!” صرخت وهي بتكتم الدم بالشاش، وصوتها مخنوق بالعيط. “أنت فتحت الجرح كله يا يوسف! الدم مش راضي يقف!”
​يوسف رفع إيده الضعيفة، وحط صوابعه على خدها، ومسح دمعة نازلة من عينيها، وابتسم ابتسامة هادية جداً بالرغم من الوش الشاحب والعرق اللي مغرق جبهته. وقال بصوت واطي ومتقطع: “كنتِ عايزاني.. أسيبهم يدخلوا عليكي؟ أنا فداكي يا سما.. بألف جرح.”
​”مش عايزة كلام! اتنفس بالراحة.. اتنفس عشاني!” قالتها وهي بتغير الشاش بسرعة وبتدعي ربنا في سرها إن النفق يظهر، وإن أضواء القاهرة تبان.
​وبعد ساعات مرت كأنها سنين، بدأت إضاءة أعمدة الإنارة بتاعة مطلع كوبري المعادي تظهر من الشبابيك، وصوت السارينة بتاعة الإسعاف وهي بتفتح الطريق وسط زحمة القاهرة رنت في المكان. العربية وقفت فجأة، وأبواب الطوارئ اتفتحت، ودكاترة وممرضين مستشفى المعادي العسكري دخلوا يشيلوا القائد يوسف اللي كان خلاص على وشك يفقد الوعي تاني من كتر النزيف.
​وهما بيسحبوا النقالة بسرعة في اتجاه غرف العمليات، يوسف مسك في طرف بالطو سما بقوة، وبص لها النظرة الأخيرة قبل ما البنج ياخده، نظرة كانت مليانة وعد كبير مبيتنسيش.
​سما وقفت في ممر المستشفى الواسع والنضيف، البالطو بتاعها متبهدل بدمه، والناس بتجري حواليها، بس هي كانت حاسة بنوع غريب من السلام والراحة. قعدت على كرسي في صالة الانتظار، وبصت على إيديها اللي لسة عليها أثر دمه الدافئ، وابتسمت وسط تعبها.
​الرحلة في سينا انتهت، والضرب وقف، والراجل اللي تحدى الموت مرتين عشانها بقى جوة في أمان. أخدت نفس طويل ولأول مرة تحس بطعم الهوا الطبيعي، وعرفت إن من اللحظة دي، حياتها مش هتكون مجرد خدمة في مستشفى، دي بقت حياة مربوطة بحياة بطل، مستنياه يخرج من الباب ده على رجليه عشان تبدأ معاه حكايتهم اللي مفيش قوة في الدنيا هتقدر تنهيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *