الهدوء اللي حل على شقة المنيل بعد ما شروق عملت لهم بلوك كان هدوء مرعب، من النوع اللي بيسبق العواصف اللي بتهد بيوت بحالها. لأول مرة من سنين، شروق عرفت تنام تمن ساعات متواصلة من غير ما تصحى على صوت رنة تليفون بفزع، ومن غير ما تلاقي رسالة من أمها أول ما تفتح عينيها مكتوب فيها: "الحقينا يا شروق، أختك محتاجة" أو "يا شروق أبوكي مزنوق في قرشين لله يخليكي". ليلتها، نامت وهي حاسة إن السرير اللي شرياه بفلوس شقاها وتعبها أخيراً بقى بيشيل جسمها المهدود، مش بيشيل هموم عيلة كاملة عايشة على قفاها. الصبح صحيت على صوت خبط خفيف برة. الشتا في القاهرة السنة دي كان قاسي، والمطر كان لسة بينقط على شيش البلكونة القديم. قامت عملت كوباية شاي بلبن دافية، ووقفت تبص على النيل من بعيد والشارع اللي لسة بيبدأ يصحى. وسط السكون ده، تليفونها نور برقم غريب. شروق مبردتش، سابته يرن لحد ما فصل، وبعدها بدقيقة وصلتلها رسالة على الواتساب من نفس الرقم: "أنا المحامي عادل الشربيني يا شروق، افتحي الخط، في تطورات مهمة في القضية، وجلال بيه والدك قالب الدنيا". شروق اتنهدت ورنت عليه فوراً. صوت عادل الشربيني جيلها من الناحية التانية وهو ميت من الضحك، صوت ابن بلد فاهم ألاعيب السوق كويس: "يا بنتي أنتِ عملتي إيه في الناس دي؟ ده جلال بيه كلمني الساعة ستة الصبح، صوته كان مرعوب لدرجة إنه نسى برستيجه وقالي هخرب بيتك يا شربيني لو ممشتش في تسوية. والست والدتك بعتتلي محامي من طرفها بيعرض عليا نقعد قعدة عرب ونحل الموضوع ودي قبل ما المحضرين يوصلوا الفيلا في مصر الجديدة". شروق أخدت بق شاي وسألت ببرود: "وإنت قولتيلهم إيه يا متر؟" عادل ضحك وقال: "قولتلهم شروق هانم مبتقعدش قعدات عرب، شروق هانم معاها شيكات مقبولة الدفع ووصولات أمانة ممضية ببصمة الصباع والخط، يعني السجن أسهل عليهم من دخول المحكمة. أنا حجزت على أرصدة شركة المقاولات بتاعة والدك كإجراء تحفظي، والنهاردة الشؤون القانونية في البنك جمدت حسابات والدتك وأختك عشان هما ضامنين في قروض تانية باسم الشركة. يعني من الآخر كده يا شروق.. الحنفية اتقفلت تماماً، والناس دي دلوقتي ممعهاش يدفعوا تمن البنزين بتاع عربية علا القديمة، مش الـ BMW اللي كانوا هيشتروها بالمقدم بتاعك". شروق حست براحة غريبة، بس الراحة دي مكنتش كاملة. لسة في جمرة قايدة جواها مش هتنطفي بس بمجرد قرصة ودن مالية. الناس دي دبحوها سنين، وكانوا مستعدين يسيبوها تموت من البرد والجوع في شقتها لمجرد إنها رفضت تكون السبوبة بتاعتهم. قالت لعادل بصوت حازم: "مش عايزة تسويات يا عادل. اللي معاه قرش يجيبه، واللي معاهوش، القانون ياخد مجراه. أنا عايزة حقي تالت ومتلت". عادل سكت لحظة وبعدين قال بنبرة واطية وجدية: "شروق.. الملف التاني اللي أنتِ سيبتيه معايا.. الملف اللي فيه العقود القديمة بتاعة شركة جلال للمقاولات.. أنتِ متأكدة من اللي فيه؟" شروق عينيها لمعت ببريق غامض وقالت: "متأكدة وزيادة. الملف ده فيه نهايتهم يا عادل. بس لسة مش وقته، خليهم الأول يعرقوا ويحسوا إن الأرض بتهتز تحت رجليهم، خليهم يجربوا طعم القلق اللي كنت بعيشه كل أول شهر وأنا بفكر هدفع إيجار شقتي إزاي بعد ما بياخدوا كل مرتيبي". بعد ما قفلت مع عادل، شروق قررت تنزل تشتري شوية حاجات للبيت. لبست بالطو صوف أسود طويل ولفّت كوفية حولين رقبتها، ونزلت لشارع المنيل الزحمة. الهواء البارد كان بيخبط في وشها ويفوقها. وهي ماشية رايحة ناحية السوبرماركت، لفت انتباهها عربية مرسيدس سوداء مركونة على جنب، والزجاج بتاعها غامق. فجأة، الباب اتفتح ونزلت منها ميرفت، أمها. ميرفت كانت بشكل مبهدل مكنتش شروق متعودة تشوفها بيه. مكنتش حاطة الميك اب الكامل بتاعها، وشعرها كان ملموم بطريقة عشوائية، ووشها باين عليه الإرهاق والغل في نفس الوقت. أول ما شافت شروق، مشيت ناحيتها بخطوات سريعة وعصبية، وصوت كعب جزمتها كان بيرن في الشارع الهادي. "بقى أنتِ تعملي فينا كده يا شروق؟" ميرفت زعقت بصوت واطي ومبحوح وهي بتمسك دراع شروق بقوة، "تفضحينا قدام الناس؟ تحجزي على فلوس أبوكي وتوقفي حال أختك؟ إيه الجحود ده؟ أنتِ إيه؟ مفيش في قلبك رحمة؟" شروق شالت إيد أمها ببرود وهدوء شديد، وبصت في عينيها مباشرة وقالت: "الرحمة دي اللي كانت عندكم ليلة راس السنة وأنا واقفة في البرد برة؟ لما قولتولي ملكيش مكان على السفرة؟ لما بعتولي فاتورة بـ 400 ألف جنيه تمن عربية ترفيهية لأختي اللي مابتشتغلش؟" ميرفت شهقت وبصت حواليها كأنها خايفة حد من المارة يسمعهم: "دي أختك الصغيرة! وإحنا أهلك! لحمنا ودمك يا شروق! طول عمرنا بنشيلك في عنينا ولما كبرتي وبقى معاكي قرشين جاية تتكبري علينا وتذلينا بيهم؟ أبوكي ضغطه علي ومبينامش بقاله يومين، والناس في السوق بدأت تتكلم إن شركته بتفلس بسبب الحجز!" شروق ضحكت ضحكة خفيفة خلت ميرفت تتجنن أكتر: "أبويا ضغطه علي؟ طب كويس إنه لسة بيحس بالضغط. وبخصوص الفلوس يا ماما، دي مش فلوسكم، دي فلوسي أنا. شقا عمري، السهر، التعب، الغربة في الشغل اللي كنت برجع منه وجع كتافي هيموتني عشان في الآخر تبعتولي فواتير وتفتكروني بس لما تكونوا محتاجين كاش. روحي قولي لجلال بيه يبيع الشقة بتاعة أكتوبر، أو يبيع دهب أختك الدلوعة اللي جيباه بفلوسي عشان يسددلي الـ 4 مليون و200 ألف جنيه اللي عليه". ميرفت وشها جاب ألوان، الغضب والغل ظهروا على ملامحها بوضوح، وقربت من شروق وقالتلها بنبرة تهديد صريحة: "فاكرة نفسك بقيتي حاجة يا شروق؟ والله العظيم لو ما سحبتي القضية دي وفكيتي الحجز، لأكون متبنيّاكي برة العيلة دي بجد، وهعرف الكل إنك بنت عاقة وسارقة فلوس أبوكي، ومش هخلي ليكي عين تمشي وسط الناس ولا في شغلك! إحنا اللي عملناكي يا شروق، وبجرة قلم نقدر نمحيكي". شروق مقلتش ولا كلمة. بصت لأمها بنظرة شفقة حقيقية، نظرة خلت ميرفت تحس بالصغر. شروق لفت ضهرها ومشيت بكل ثقة وسابت ميرفت واقفة في نص الرصيف بتغلي وموشوشة من القهر. لما رجعت شروق الشقة، شالت الكوفية ووقفت قدام المراية. كلام أمها مأثرش فيها، بالعكس، ده كان البنزين اللي هيولع النار اللي باقية. دخلت أوضتها، وطلعت اللاب توب، وفتحت الفولدر التاني اللي اتكلمت فيه مع المحامي. الفولدر ده مكنش مجرد حسابات قروض عادية. الفولدر ده كان بيحتوي على "الصندوق الأسود" لشركة جلال للمقاولات. من سنتين، جلال طلب من شروق تمضي كـ "شريك متضامن" في مشروع سكني كبير في منطقة حدائق الأهرام. وقتها، جلال قالها إن ده إجراء روتيني عشان البنك يوافق على التسهيلات الائتمانية، وإن اسمها هيدي ثقة للمشروع. شروق بدافع الثقة العمياء والغباء العاطفي اللي كان مسيطر عليها وقتها مضت من غير ما تقرأ التفاصيل. لكن بعد سنة، لما بدأت تفوق وتفهم لف ودوران أبوها، شروق وظفت مراجع مالي قانوني من ورا أبوها عشان يراجع حسابات الشركة والمشروع ده بالذات. النتيجة كانت صدمة عمرها. جلال مكنش بيبني عمارة سكنية عادية. جلال كان بيستخدم مواد بناء مغشوشة ومخالفة للمواصفات الهندسية تماماً عشان يوفر ملايين في جيبه، والأخطر من كده، إنه زور رخص البناء والرسومات الهندسية عشان يبني تلات أدوار زيادة مخالفين للقانون وباع الشقق دي بعقود مزورة للناس الغلابة اللي دفعوا تحويشة عمرهم. والورقة اللي جلال خلى شروق تمضي عليها كانت بتخليها هي "المدير المسؤول" والمسؤولة الجنائية الأولى والكاملة عن أي كارثة تحصل في المبنى ده، يعني لو المبنى انهار أو الحكومة قررت تزلزله، شروق هي اللي كانت هتدخل السجن وتتحمل العقوبة لوحدها، بينما جلال وعلا وميرفت هيكونوا بيصيفوا في الساحل بفلوس الشقق المخالفة! لما شروق اكتشفت اللعبة دي من سنة، منارتش ولا واجهتهم. شروق اشتغلت في صمت. قدرت بذكائها وبعلاقاتها مع مهندس استشاري محترم إنها تجمع تقرير هندسي كامل وموثق بالصور والعينات المخبرية عن الغش اللي حصل في أساسات العمارة، وقدرت تجيب أصول الأوراق اللي فيها توقيع جلال الفعلي وتفويضاته المالية للمقاولين اللي نفذوا الغش ده، وصور من الدفاتر السرية للشركة اللي بتثبت إنه هو اللي استلم تمن الشقق المخالفة وحولها لحسابه الشخصي وحساب بنته علا. يعني بكلمة واحدة من شروق للنيابة العامة، جلال مش بس هيفلس.. جلال هيدخل السجن ببتهمة النصب، والتزوير، وبناء منشأة آيلة للسقوط تعرض حياة المواطنين للخطر. ودي عقوبتها الأشغال الشاقة المؤبدة وضياع سمعة العيلة كلها في التراب. شروق قعدت على كرسيها وبصت للشاشة وهي بتفكر ببرود: "كنتوا عايزين تلبسوني قضية وتودوني السجن عشان تعيشوا وتنبسطوا بفلوسي؟ طب وعهد الله لأخليكم تدوقوا من نفس الكاس". في نفس اللحظة، رن تليفون شروق تاني. المرة دي كانت علا أختها الصغيرة. شروق قررت تفتح الخط عشان تشوف أخرتها معاهم إيه. صوت علا كان منهار، بتعيط بهستيريا وتشهق: "شروق.. أرجوكي يا شروق اسمعيني.. أنا ماليش ذنب في كل ده! بابا وماما هما اللي قالولي أطلب منك فلوس العربية! أنا صحابي كلهم في الكلية بيتكلموا عليا والنهاردة المحل بتاعي اللي بابا فتحهولي جه عليه حجز شمع وبقى عليه لافتة حمراء تخوف! شكلي بقى زبالة قدام الناس يا شروق! خطيبي كلمني النهاردة وبيسألني في إيه وعايز يفسخ الخطوبة عشان خايف من الفضايح! أرجوكي اتنزلي عن القضية.. أنا أختك الصغيرة اللي كنتي بتفسحيها وتجيبي لها لبس!" شروق سمعت العياط المصطنع ده وهي حاسة بقرف شديد. قالتلها بنبرة هادية بس تخوف من كتر البرود: "فاكرة يا علا لما قولتيلهم يسألوني لو هدفع تمن الجنوط السبور بالمرة عشان متبقاش بخلت عليكم؟ فاكرة الضحكة اللي ضحكتيها وأنا متبهدلة في المطر والبرد؟" علا سكتت فجأة، وعياطها وقف كأن حد داس على زرار، وقالت بصوت واطي: "أنا كنت بهزر.. أنتِ قلبك أسود كدة ليه؟" "أنا قلبي مابقاش فيه نبض ليكم يا علا." شروق ردت بقوة، "خطيبي بيفسخ الخطوبة؟ طب كويس إنه لحق نفسه وعرف إنه كان هيناسب عيلة نصابة بتعيش على سرقة عرق بنتها الكبيرة. المحل بتاعك اتقفل؟ ده جميل جداً، عشان المحل ده أساساً مدفوع تمنه من فلوس الكورس اللي أنا اتحرمت منه عشان أسدد ديونك. جهزي نفسك يا علا، عشان اللي جاي هيخليكي تتمني ترجعي تركبي أتوبيسات مش بس أوبر". وقبل ما علا تنطق بكلمة، شروق قفلت السكة في وشها. اليومين اللي بعدهم كانوا عبارة عن حرب أعصاب. جلال حاول يبعت وسائط لشروق؛ كلم عمها الكبير اللي عايش في الصعيد، وكلم أصحاب أبوها القدام عشان يضغطوا عليها بدافع "صلة الرحم" و"عيب البنت ترفع قضية على أبوها". لكن شروق كانت واضحة مع الكل: "اللي عايز يتكلم في صلة الرحم، يروح يدفع ل جلال الـ 4 مليون و200 ألف جنيه ويديهملي، غير كدة محدش يدخل بيني وبين اللي سرقوا عمري". في اليوم الخامس، شروق تلقت اتصال من عادل الشربيني: "شروق، جلال بيه انهار تماماً. شيكات الشركة بدأت تترفض في البنوك، والمقاولين بتوعه بدأوا يوقفوا الشغل في المواقع وخايفين على فلوسهم. هو باعتلي عرض نهائي: هيتنازل ليكي عن شقة أكتوبر المسجلة باسمه، وهيديكي نصيب في شركة المقاولات يعادل قيمة الدين، بشرط إنك تتنازلي عن كل القضايا وتفكي الحجز فوراً". شروق ابتسمت وقالت: "قوله أنا موافقة.. بس بشرط واحد". "إيه هو؟" عادل سأل باهتمام. "المقابلة تكون في مكتبك بكرا الساعة 2 الضهر. جلال وميرفت وعلا يجوا بنفسهم، ويمضوا على عقود التنازل دي قدامي. وعايزة علا وميرفت يمضوا كشهود وضامنين على العقد ده. أنا عايزة أشوف وشوشهم وهم بيمضوا على نهاية نفوذهم". عادل ضحك بانتصار: "اعتبريه حصل يا فندم. هكلمهم وأرتب القعدة بكرا". في اليوم التالي، الساعة كانت واحدة ونص الضهر. شروق وصلت مكتب عادل الشربيني في الدقي. كانت لابسة بدلة رسمية كلاسيك باللون الكحلي الغامق، ورافعة شعرها لفوق بوقار، وحاطة نضارة شمسية سوداء هيبتها تملا المكان. دخلت قعدت في غرفة الاجتماعات الكبيرة المنتظرة وصول عيلتها. الساعة اتنين بالظبط، الباب اتفتح ودخل جلال، وميرفت، وعلا وراهم. المنظر كان لا يصدق. جلال اللي كان دايماً بيمشي فارد ضهره ورافع راسه لفوق كأنه مالك الدنيا، كان داخل بكتف مهدود، وعينيه فيها انكسار واضح، ولابس بدلة شكلها واسع عليه كأنه خس في الكام يوم دول تمنية كيلو. ميرفت كانت مخبية عينيها ورا نضارة سوداء وشكلها باهت، وعلا كانت بتبص لشروق بغل وحقد حقيقي بس مكنتش قادرة تفتح بقها بكلمة. شروق مقامتش من مكانها ولا رحبت بيهم. شاورت ليهم ببرود يقعدوا على الكراسي اللي قدامها. عادل الشربيني طلع الأوراق وحطها على الترابيزة وقال بصوت رسمي محترف: "أهلاً بحضراتكم. دي عقود التنازل عن شقة أكتوبر بالكامل لصالح الأستاذة شروق جلال، بالإضافة لتنازل جلال بيه عن حصة تعادل 45% من شركة المقاولات ونقل إدارتها المالية لشروق هانم كشريك متضامن له حق التوقيع المنفرد، وده كلو تسوية للديون المثبتة بموجب وصولات الأمانة والشيكات اللي معانا. بمجرد التوقيع والتوثيق في الشهر العقاري، الأستاذة شروق هتتنازل عن القضايا وتفك الحجز التحفظي". جلال بص للورق وحس برعشة في إيده. بص لشروق وقال بصوت مبحوح ومكسور: "مرتاحة كدة يا شروق؟ ذلتيني وكسرتي ضهري قدام الناس؟ بقى الشغل اللي عملته في سنين عمري تاخديه كدة على الجاهز في قعدة؟" شروق سندت ضهرها لورا وقالت بثقة مرعبة: "على الجاهز؟ أنت بتهزر يا جلال بيه؟ الفلوس دي فلوسي اللي كنت بتاخدها مني تحت مسمى "سلف" و"مزنوق" و"الحقني" على مدار ست سنين. شقة أكتوبر دي أنا اللي دافعة تلات تربع أقساطها من تعبي. ونصيب الشركة ده تمن السنين اللي عيشتوني فيها في ضغط وتوتر وذل كأني مش بنتك، كأني شغالة عندكم بتطردوها من العشا وتبعتوا لها الفواتير تدفعها وهي ساكتة". ميرفت مقدرتش تمسك نفسها وقالت بزعيق: "إحنا ربيناكي وعملناكي! لولا أبوكي مكنتيش هتبقي في المكانة دي!" شروق لفت وشها لميرفت وقالت بحدة خلت ميرفت تتراجع: "أبويا ميعرفش أنا بشتغل إيه أصلاً! أبويا ميعرفش اسم الشركة اللي أنا مديرة فيها بقالي تلات سنين! أبويا مكنش بيفتكرني غير لما الشيكات تترفض! ربتوني؟ التربية دي اللي خلتكم تخلوا علا تضحك عليا وتقولي هدفع تمن الجنوط السبور وأنا مكسورة ليلة راس السنة؟" علا دبت رجلها في الأرض وقالت بغضب: "خلاص بقا مضينا وخلصنا! مش هتمضي وتفكي الحجز ده وتخلصينا من الكابوس ده؟" شروق بصت لعلا بنظرة خلت البنت تترعب وسكتت فوراً. جلال مسك القلم ببطء شديد، ووقّع على العقود تلو الأخرى. إيده كانت بتترعش وهو بيمضي على تنازله عن شقى عمره لصالح بنته اللي طردها من بيته. ميرفت وعلا مضوا بعده كشهود وضامنين والدموع في عينيهم من القهر والخسارة. بعد ما خلصوا التوقيع، جلال لم أوراقه وبص لشروق وقال بمرارة: "كده خلاص يا شروق؟ خلصتي انتقامك؟ تقدري تفكي الحجز بقا وتمشي في حالك وتسيبنا في حالنا؟" شروق لمت العقود الممضية وحطتها في شنطتها ببطء شديد وهدوء مستفز. بصت لجلال وقالت بابتسامة غامضة: "مين قال إننا خلصنا؟" جلال اتفاجئ وبص لها برعب: "يعني إيه؟ ما إحنا مضينا على التسوية أهو!" شروق فتحت شنطتها وتاني وطلعت ملف أزرق سميك وحطته بقوة على الترابيزة قدام جلال. أول ما جلال شاف لون الملف والعلامة اللي عليه، وشه بقى أبيض زي الورقة، وريحه نشف تماماً، وحاول يقف من على الكرسي بس رجليه مالتشالتهوش. ميرفت بصت لجلال برعب وقالت: "في إيه يا جلال؟ ورق إيه ده؟" شروق فتحت الملف وعرضت الورق قدامهم وقالت بصوت هادي ومرعب: "ده ملف عمارة حدائق الأهرام يا جلال بيه. التقرير الهندسي وعينات الخرسانة المغشوشة، ورخص البناء المزورة للأدوار التلاتة الزيادة اللي بعتهم للناس الغلابة، والأهم من كدة.. إقرار التنازل اللي خليتني أمضيه وأنا مش فاهمة عشان تلبسني القضية وتوديني في داهية لو العمارة وقعت". ميرفت وعلا بصوا لبعض بذهول وعدم فهم، بينما جلال بدأ ينهج بصعوبة وبص لشروق وقال برجاء حقيقي: "شروق.. أرجوكي.. بلاش الورق ده.. ده يخرب بيتنا بجد.. أنا هروح السجن يا بنتي! هتموتي أبوكي؟" شروق قربت من جلال وبصت في عينيه بقسوة مفيش بعدها قسوة: "أنت كنت مستعد ترميني في السجن عشان تشتري لعلا عربية BMW وتصيفوا في الساحل! أنت كنت مستعد تدمر مستقبلي وحياتي من غير ما يتهز لك جفن! ودلوقتي بتترجاني؟" علا بدأت تعيط بجد وصوتها بقى بيترعش: "شروق.. أرجوكي بلاش بابا.. إحنا آسفين.. والله العظيم آسفين.. هنعملك كل اللي أنتِ عايزاه بس بلاش السجن!" شروق وقفت، ولمت الملف الأزرق وحطته في شنطتها تلو الآخر. بصت لعيلتها اللي بقت مهدودة ومكسورة قدامها، ناس مكنش وراهم غير المظاهر الكدابة والشر اللي مالي قلوبهم. قالتلهم بجملة أخيرة رنت في أرجاء المكتب كحكم الإعدام: "الملف ده هيفضل معايا. هيفضل السيف اللي متعلق فوق رقبتكم طول ما أنا عايشة. لو سمعت صوت حد فيكم، لو حد حاول بس يقرب من ناحيتي أو يضايقني، أو لو فكرتوا تعيشوا دور الضحية قدام الناس.. الملف ده هيكون على مكتب النائب العام في أقل من خمس دقائق. من النهاردة، أنتوا عايشين تحت رحمتي أنا". شروق لفت ضهرها وخرجت من غرفة الاجتماعات بخطوات واثقة وسريعة، وسابت وراها عيلة منهارة، عيلة باعت بنتها بالرخيص فاشترتهم بالغالى وكسرت هيبتهم للأبد. وهي نازلة في أسانسير العمارة، حست بوزن كبير بيتشال من فوق كتافها. فتحت تليفونها، ومسحت كل صورهم، وبصت لنفسها في مراية الأسانسير وابتسمت بانتصار حقيقي. لكن أول ما خرجت لبوابة العمارة عشان تطلب تاكسي، لقت راجل غريب لابس بالطو أسود طويل واقف مستنيها جنب عربية سوداء فخمة. الراجل قرب منها وبص حواليه بحذر، وطلع من جيبه ظرف مغلق ماليان ورق قديم، وقدمه لشروق وقال بلهجة مصرية تقيلة وواطية: "يا فندم.. الحاج جلال مش هو اللي زور الإقرارات دي لوحده.. في حد تاني كبير قوي في وزارة الإسكان كان شريكه وهو اللي وزه عليكي عشان يخلص منك.. والحد ده عرف إنك معاكي الملف ومقرر يخلص عليكي الليلة دي قبل ما الورق يوصل للنيابة". شروق حست ببرودة الموت وهي بتبص للظرف، وعرفت إن الحرب الحقيقية.. لسة مبدأتش.