الحاجه كريمه

في اليوم الرابع من العيد، الحاجة كريمة قررت تفتح تليفونها وتشوف الدنيا فيها إيه.

أول ما التليفون لقط شبكة، بدأ يزن ويهتز كأنه هيتفرتك في إيدها. مئات الرسائل على الواتساب، عشرات المكالمات الفائتة من أولادها التلاتة.

فتحت جروب العيلة، لقت خناقات واتهامات متبادلة بينهم، وصور للشقة مكركبة، ورسائل تترجاها ترجع لأنهم مش عارفين يسيطروا على العيال ولا على البيت.

ابتسمت بأسف، وقفلت التليفون تاني وهي بتقول لنفسها: “اتعلموا شوية.. اتعلموا عشان لما أرجع، ترجعوا تحترموا وجودي.”

بعد انتهاء الإجازة، رجعت الحاجة كريمة لبيتها في شبرا.

كانت الساعة حوالي ٧ بالليل. الشارع كان هادي بعد زحمة العيد. طلعت السلم ببطء، وفتحت باب شقتها. الشقة كانت زي ما سابتها، نضيفة، هادية، وريحتها بخور ياسمين. حطت شنطتها وبدأت تغير هدومها وهي حاسة براحة نفسية مش طبيعية.

مكملتش نص ساعة، والباب خبط.

فتحت، لقت أولادها التلاتة: منى، وأحمد، ورانيا.

وجوهم كانت شاحنة، باين عليهم التعب والإرهاق كأنهم كانوا في معركة حربية مش في إجازة عيد. مكنش معاهم العيال، سابوهم مع أزواجهم وجايين لوحدهم.

وقفوا قدام الباب بكسوف، ملامح الغضب والاعتراض اللي كانت عندهم قبل العيد اختفت تماماً، وحل محلها انكسار وندم.

أحمد خطى خطوة لجوا وبص للأرض: “حمد الله على السلامة يا أمي.”

منى عيونها اتملت دموع، وقربت من أمها وحضنتها جامد: “وحشتينا أوي يا ماما.. بجد الشقة كانت ضلمة من غيرك، وإحنا.. إحنا آسفين.”

رانيا وقفت وراهم وهي بتعيط بجد: “سامحينا يا طنط.. إحنا بجد عرفنا قيمتك، وعرفنا قد إيه إحنا كنا أنانيين وبنفكر في نفسنا بس. العيد من غيرك كان كابوس، ومكنش فيه أي طعم.”

كريمة بصت لهم بهدوء، وطبطبت على كتف منى. مكنتش قاسية، بس مكنتش ضعيفة برضه.

وقفت في نص الصالة وقالت بصوت واضح وثابت: “أنا مسمحاكم يا عيالي. بس لازم تفهموا حاجة مهمة.. أنا أمكم، وبحبكم وبحب عيالكم أكتر من نفسي. بس حب الأم مش معناه إنها تلغي نفسها وتعيش خدامة لرغباتكم. أنا ليا حياتي، وليا صحتي اللي هتحاسب عليها قدام ربنا. من هنا ورايح، في قواعد جديدة للبيت ده. اللي عايز يسيب عياله، يستأذن قبلها بأسبوع، ولو وافقت يبقى كتر خيري، ولو قولت لأ يبقى حقي ومحدش يزعل. والزيارات هتبقى للود والرحمة، مش عشان ترموا حملكم عليا وتجروا وتفسحوا نفسكم.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *