الحاجه كريمه

سمعت الحاجة كريمة صوت كلاكيت عربية شريف تحت في الشارع، كلاكيت طويل ومستعجل بينادي على منى. منى كانت لسة واقفة ورا الباب المقفول، مذهولة، مش مستوعبة إن أمها – الست اللي كانت دايماً بتبوس إيديهم عشان يفضلوا معاها ساعة زيادة – هي نفس الست اللي قفلت الباب في وشها بكل البرود ده.
جوا الشقة، الحاجة كريمة سحبت نفس طويل وملت صدرها بهوا نقي مكنتش شامه من سنين. الشقة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت دقات ساعة الحيطة القديمة وصوت المروحة اللي بتلف ببطء. بصت لشنطة سفرها الكحلي الصغيرة، الشنطة دي كانت مركونة فوق الدولاب من يوم ما جوزها الله يرحمه توفى. النهاردة نزلت، واتفضت من تراب السنين، واتملت بجلابيات قطن خفيفة وطرح ملونة وكتابين كانت دايماً تأجل قرايتهم “لما تفضى”.
على الناحية التانية من الباب، كانت منى نازلة السلم وهي بتترعش من كتر الغضب والذهول. ركبت العربية جنب جوزها شريف ورزعت الباب وراها.
شريف بص لها مستغرب: “في إيه يا بنتي؟ رزع الباب ده ليه؟ فين الكيسة اللي كانت معاكي؟ وفين أمك؟”
منى، وصوتها مخنوق بالدموع والعصبية: “أمي مش هنا.. أمي سابتنا يا شريف!”
شريف قطب جبينه: “يعني إيه سابتنا؟ نزلت تشتري حاجة؟ ما إحنا لسة مكلمينها إمبارح وقالت كله تمام!”
منى صرخت: “لأ! مسافرة! مسافرة مطروح مع نادية صاحبتها! بتقولي أنا مش دادة عندكم، ولغت أوردر اللحمة ورجعت اللبس اللي جابته للعيال!”
شريف فرمل العربية فجأة في نص شارع شبرا الزحمة، والناس وراه بدأت تضرب كلاكسات. بص لمنى بذهول: “أنتِ بتهزري صح؟ العيد بعد بكرة! إحنا دافعين حجز الأوتيل في دهب بالشيء الفلاني، والفلوس مش هترجع لو لغينا! والعيال.. هوديهم فين؟ أنا مستحيل أضيع السفرية دي بعد ضغط الشغل ده كله!”
منى حطت راسها بين إيديها: “مش عارفة.. مش عارفة! كلم أحمد، كلم رانيا.. شوف هنعمل إيه المصيبة دي هتقع فوق دماغنا كلنا!”
في نفس الوقت، كانت الحاجة كريمة واقفة قدام التسريحة، بتسرح شعرها الأبيض اللي بقاله سنين بيتدارى تحت الطرحة بسرعة من غير اهتمام. بصت لملامحها في المراية، لقت تجاعيد وشها بتحكي قصة كل شيلة شالتها، وكل سهرة سهرتها والعيال عيانين، وكل قرش حوشته من ورا جوزها عشان تجيب لده لعبة ولدي جزومة جديدة. ابتسمت لنفسها ابتسامة حقيقية، ابتسامة طالعة من قلبها مش مجرد مجاملة عشان الكاميرا في أعياد الميلاد.

