الطلقه الاخيره

عم السكون في أوضة العمليات، كأن الزمن وقف فجأة. المشرط اللي وقع من إيد الدكتور خالد ساب رنة حادة على الأرضية الاستانلس، رنة صحّت المساعدين والممرضات من ذهولهم. دكتور خالد، الجراح الشاب اللي اسمه مسمّع في أكبر مستشفيات مصر، كان واقف مسمّر، وعينيه مش ممركبة غير على الوحمة اللي في كتف مريم اليمين؛ وحمة على شكل نصف قمر وفي وسطها نقطة غامقة، علامة مستحيل يغلط فيها، علامة محفورة في ذاكرته من 16 سنة لما سابت أمه إيد أخته الصغيرة في زحمة السيدة عائشة وماتت بالكسرة عليها بعد شهرين.
الممرضة الكبيرة قربت منه بخوف وقالت: “يا دكتور خالد، إحنا جاهزين، وبنت عيلة الهواري برة حالتها بتتدهور، والمستشفى مقلوبة”.
خالد صرخ فيها وهو بيشد الكمامة من على وش بحدة وعينيه حمرة زي الدم: “بقولك محدش يلمسها! العمليات تتلغي فوراً، البنت دي تطلع على أوضة إفاقة خاصة، وتحت حراستي أنا”.
في الممر برة، كانت شاهيناز الهواري بتمشي رايحة جاية بكعبها العالي اللي بيعمل صوت مستفز في هدوء المستشفى، وفي إيدها سبحة فضة بتلعب بيها كمنظرة، وجنبها الحاج إسماعيل بيتكلم في الموبايل بيخلص صفقات. أول ما الباب الإلكتروني بتاع العمليات اتفتح وخارج منه دكتور خالد، شاهيناز جريت عليه ووشها ملهوف: “خير يا دكتور؟ خلصتوا؟ الكلية اتنقلت لنادين؟”.
خالد وقف قدامهم، طوله وهيبته وجديته المرعبة خلت إسماعيل يقفل الموبايل وينتبه. خالد بص لشاهيناز من فوق لتحت وقال بنبرة هادية بس تطلع منها نار: “العملية اتلغت. والبنت اللي جوة دي مش هتدخل عمليات تاني”.
شاهيناز صوتها علي والبرستيج بتاعها طار في ثانية: “يعني إيه اتلغت؟! إنت عارف إنت بتكلم مين؟ دي بت شاريينها بلقمتها من الشارع، والورق ممضي رسمي، بنتي بتموت جوة وإنت تقولي اتلغت؟!”.
خالد قرب منها خطوة واحدة، وعينيه كانت كفيلة تخليها ترجع لورا: “البنت دي مش مقطوعة من شجرة يا شاهيناز هانم. البنت دي تبقى مريم عبد الرحمن المنصوري… أختي أنا. البنت اللي خطفتوها أو استغليتوا ضياعها من 16 سنة وشغلتوها عندكم جارية”.
إسماعيل وشه جاب ألوان، وبص لشاهيناز اللي لسانها اتعقد، بس حاولت تتماسك وقالت بكبرياء زايف: “أخت مين والناس نايمين؟ إنت هتتبلى علينا عشان تاخد قرشين؟ دي بنتنا بالتربية، وإحنا أحرار”.
خالد طلع موبايله وطلب أمن المستشفى الخاص: “إسماعيل بيه، شاهيناز هانم، لو شوفت ظِل حد منكم جنب أوضة أختي، هعملكم قضية اتجار بالبشر واستغلال قاصر وتزوير أوراق رسمية تقلب الرأي العام في مصر كلها، وإنتوا عارفين اسمي وعارفين إني أقدر أعملها. اتفضلوا برة المستشفى بتاعتي”.
الحاج إسماعيل شد شاهيناز من إيدها وهو بيهمس لها: “امشي معايا دلوقتي، الواد ده مجنون وممكن يضيع اسمنا في السوق، خلينا نشوف هنعمل إيه”.
مشوا وهما بيتوعدوا، وفي الوقت ده، مريم بدأت تفوق من البنج في أوضة مجهزة بأعلى مستوى. فتحت عينيها ببطء، الرؤية كانت مشوشة، والسقف الأبيض بيفكرها دايما بأوضتها الضيقة جنب الغسالات، حطت إيدها على جمبها بخوف وهي بتعيط ومستنية الوجع: “خلاص.. خدوا كليتي؟ أنا فين؟ نادين هتاخدني تبهدلني تاني؟”.
صوت دافئ و حنين قطع خوفها: “محدش هيقدر يلمس شعرة منك تاني يا مريم.. إنتي في أمان”.
مريم لفت وشها، شافت شاب وسيم، لابس بالطو أبيض، بس عينيه فيها دموع ونظرة حنان عمرها ما شافتها في بيت الهواري. سألته بصوت مرعوب: “إنت مين؟ هما هيموتوني لو ما ادتلمش الكلية؟”.
خالد قعد على طرف السرير، ومسك إيدها اللي كانت بترتعش، وقال بصوت مخنوق بالدموع: “أنا خالد.. أخوكي الكبير يا مريم. فاكرة لما كنا بنلعب في حوش البيت القديم؟ فاكرة لما كنت بجيبلك غزل البنات وتوسخي فستانك الأبيض؟ فاكرة الوحمة اللي في كتفك اللي كنا بنقول عليها الهلال؟ أنا دورت عليكي في كل شبر في مصر يا حبيبتي.. وأمي ماتت وهي بتنده باسمك”.
مريم تاهت في الكلام، الذكريات القديمة المشوشة بدأت تتجمع في دماغها زي الفلاش باك. افتكرت راجل طيب كان بيشيلها، وافتكرت طفل كان بيجري وراها ويحميها من عيال الشارع. دموعها نزلت من غير إرادة وبصت لملامحه: “خالد؟ إنت خالد أخويا؟ مش هترجعني ليهم تاني؟ دايما كانوا بيقولوا لي إني حشرة وجيت من الشارع وما لكيش حد”.
خالد أخدها في حضنه، وحضنها بقوة كأنه بيعوض سنين الفراق، وكان بيعيط بحرقة: “أنا ضهرك وسندك من النهاردة. ووحياة كل دمعة نزلتيها وكل ذل عيشتيه في البيت ده، لأخليهم يدفعوا الثمن غالي أوي”.
مرت الأيام، ومريم اتنقلت تعيش في شقة خالد الفخمة في مصر الجديدة. لأول مرة تحس إنها بني آدمة؛ ليها أوضة واسعة، بتصحى براحتها، بتاكل أحسن أكل، وخالد جايب لها ناس يتابعوا حالتها النفسية والصحية. بس الرعب من عيلة الهواري كان لسه جواه، كانت بتصحى بالليل تصرخ وتفتكر قلم شاهيناز وتهديدها بالخطف والقتل.
في الجانب التاني، في فيلا التجمع، الدنيا كانت مقلوبة. نادين حالتها بتتدهور، غسيل الكلى بقا مجهد وجسمها مش مستحمل، وشاهيناز هتتجنن. إسماعيل دخل المكتب وهو قالب وشه: “الولد اللي اسمه خالد ده رافع علينا قضية رسمية، ووكيل النيابة طالب استدعاء لينا بتهمة خطف وتزوير، التقرير الطبي بتاع البنت زمان لما دخلت بيتنا مش موجود، وإحنا مطلعين لها بطاقة ببيانات غلط”.
شاهيناز زعقت بجنون: “يعني إيه؟ بنتي هتموت عشان حتة جربوعة لقت لها ضهر؟ لا يا إسماعيل، البت دي لازم ترجع، وخالد ده لازم يتكسر، شوف أي حد من معارفك يخلص الموضوع ده ويسحب القضية”.
إسماعيل رد بعصبية: “معارف مين! دكتور خالد ده معالج وزراء وشخصيات تقيلة في البلد، ولما عرفوا القضية كل قرايبنا وأصحابنا نفضوا إيدهم مننا، البورصة نزلت وأسهم شركاتنا في الأرض بسبب الفضيحة اللي بدأت تتسرب لوسائل الإعلام”.
نادين دخلت عليهم الأوضة وهي سانة طولها بالعافية، ووشها أصفر وباهت، وقالت بضعف وغل: “يا مامي، أنا بتموت.. مريم دي لازم تيجي تديني الكلية، دي خدامتنا! إزاي ترفض؟ أنا مش هسيبها تاخد مكاني وتعيش مرتاحة وأنا بضيع”.
شاهيناز طبطبت عليها: “متخافيش يا قلب مامي، هترجع و هتديكي الكلية ورجليها فوق رقبتها”.
شاهيناز قررت تلعب لعبة قذرة. كلمت حد من طرفها يراقب شقة دكتور خالد، وعرفوا المواعيد اللي بيكون فيها في المستشفى ومريم بتكون لوحدها. وفي يوم، وخالد في العمليات تليفونه فصل شحن، استغلت شاهيناز الفرصة وبعتت اتنين رجالة شداد بعربية ستارة لمصر الجديدة.
مريم كانت نازلة تشتري حاجات من السوبر ماركت القريب بناءً على نصيحة دكتورتها النفسية إنها تواجه الشارع وتخرج. أول ما بدأت تمشي في الشارع الهادي، وقفت العربية جنبها، ونزل منها اتنين، كمموا بوقها بمنديل فيه مخدر، وشدّوها جوة العربية وطاروا بيها.
لما خالد رجع البيت بالليل ومالقاش مريم، تليفونها بيرن على الأرض في الصالة، حس إن قلبه اتقبض. نزل بلهفة لبواب العمارة وللسوبر ماركت، وشاف كاميرات المراقبة. الدم غلي في عروقه لما شاف العربية ورقمها وعرف إنها تابعة لشركة أمن خاصة بيملكها إسماعيل الهواري.
خالد ما كلمش الشرطة علطول، كان عارف إن الإجراءات القانونية هتاخد وقت وأخته ممكن تضيع في ثانية تحت المشرط في أي مستشفى تحت السلم. كلم واحد صاحبه رائد في الأمن العام اسمه “عمر”، وحكى له اللي حصل: “عمر، أختي اتخطفت من عيلة الهواري، نادين بنتهم بتموت وعايزين يسرقوا كليتها بالعافية، أنا محتاجك معايا دلوقتي فورا”.
عمر رد بجدية: “خالد، اهدى، أنا هحدد موقع العربية بالجي بي إس فوراً، وهجيب قوة ونتحرك، متعملش حاجة غبية”.
في الوقت ده، مريم فوقت لقت نفسها في أوضة ضلمة، مربوطة في كرسي، وشاهيناز واقفة قدامها و حاطة رجلي على رجل، وجنبها نادين بتبص لها بشماتة.
شاهيناز ضحكت بسخرية: “فاكرة لما بقا ليكي أخ دكتور هتقدري تقفي قدام أسيادك يا مريم؟ إنتي هنا ولا حاجة، والنهاردة بالليل هتدخلي العمليات في مستشفى خاصة بتاعة دكتور صاحبتنا، وهتسيبي كليتك ورجلك فوق رقبتك، وبعدها هنرميكي في أي حتة ومحدش هيعرف لك طريق”.
مريم تفيت على الأرض وبصت لشاهيناز بقوة لأول مرة في حياتها: “مش هخاف منك تاني.. أنا أخويا هيرجعني، وإنتي ونادين هتدخلوا السجن، ربنا مش هيسيبكم”.
نادين نزلت بقلم على وش مريم صرخت فيه: “اخرسي يا جربوعة! الكلية دي بتاعتي، وإنتي اتخلقتي عشان تخدمينا وبس!”.
الساعة جت 1 صباحاً، نقلوا مريم لعربية إسعاف خاصة وودوها لمستشفى مهجور في أطراف أكتوبر، دكتور منعدم الضمير كان مستنيهم وقابض مليون جنيه عشان يعمل العملية من غير ورق.
دخلوا مريم الأوضة، وجهزوها، وبدأت نادين تجهز في الأوضة التانية. مريم كانت بتدعي من كل قلبها: “يارب يا خالد.. يارب الحقني”.
الدكتور جهز المشرط، ولسه بيقرب من مريم، فجأة الباب الحديدي بتاع المستشفى اتكسر بصوت إنفجار مرعب. قوات الشرطة دخلت ومعاهم دكتور خالد وعمر الرائد وبإيديهم الأسلحة.
”محدش يتحرك! الشرطة محاصرة المكان!”.
خالد جري على أوضة العمليات زي الإعصار، زق الدكتور على الأرض وفك مريم وحضنها وهو بيتنفس بصعوبة: “أنا جيت يا مريم.. جيت يا حبيبتي”. مريم عيطت وانهارت في حضنه: “كنت عارفة إنك مش هتسيبني يا خالد”.
برة الأوضة، عمر كان بيقيد إيدين إسماعيل الهواري وشاهيناز، اللي كانت بتصرخ: “أنا شاهيناز الهواري! إنتوا مش عارفين أنا مين؟!”. عمر رد عليها وهو بيلوي دراعها: “أنتي متهمة بالخطف، والاتجار بالأعضاء البشرية، والشروع في قتل، ومقامك الجاي هيبقا سجن القناطر يا هانم”.
نادين كانت على السرير بتعيط وبتصرخ من التعب والخوف، وعرفت إن كل حاجة انتهت.
بعد شهرين..
المحكمة الاقتصادية ومحكمة الجنايات أصدرت حكمها التاريخي؛ السجن المشدد 15 سنة لإسماعيل وشاهيناز الهواري، ومصادرة أملاكهم بتهم تزوير وتجارة بشر، والدكتور سُحبت رخصته واتسجن. ونادين حالتها ساءت جداً وبقت بتغسل كلى في مستشفى السجن، ومحدش من أصحاب النادي سأل عنها.
مريم كانت قاعدة في بلكونة شقة مصر الجديدة، بتشرب عصير وبتبص للسما، ملامحها رجعت لطبيعتها، الضحكة ملت وشها، وبشرتها بقت نضرة. خالد دخل عليها وفي إيده كيس كبير وفيه علبة قطيفة: “مبروك يا مريومة، نتيجتك في كورس البرمجة طلعت وطلعتي الأولى، وده تليفون جديد ليكي عشان تبدأي بيه صفحة جديدة”.
مريم حضنت خالد وقالت: “أنا مش عارفة من غيرك كان زماني فين يا خالد.. إنت رجعتلي روحي”.
خالد ابتسم وبص لها بحب: “أنا ما عملتش حاجة، إنتي اللي قوية.. بس قوليلي، جاهزة للمفاجأة الكبيرة؟”.
مريم استغربت: “مفاجأة إيه؟”.
خالد طلع من جيبه ورق قديم وصورة باهتة: “وأنا بنظف ورق المحكمة وبدور ورا عيلة الهواري، لقيت حاجة هتقلب موازين كل اللي فات… عيلة الهواري ما لقتكيش في الشارع يا مريم… شاهيناز كانت عارفة أمنا كويس، والورق ده بيثبت إن…”.
مريم برقت عينيها والورقة وقعت من إيدها من الصدمة، وقالت بصوت مذهول: “مش ممكن… يعني أنا…”.مريم برقت عينيها والورقة وقعت من إيدها من الصدمة، وقالت بصوت مذهول: “مش ممكن… يعني أنا…”.
خالد هز راسه وعينيه مليانة دموع وغضب: “أيوا يا مريم.. إنتي مش بنت تايهة، إنتي بنت الحاج عبد العزيز المنصوري، الراجل اللي شاهيناز وإسماعيل سرقوا كل ثروته زمان وضيعوا اسمه! أباكِ ما ماتش مكسور زي ما كنا فاكرين، أباكِ اتسجن ظلم بسبب ورق زوروه، وشاهيناز لما لقتك في الزحمة ما أخدتكيش عطف، دي أخدتك عشان تضمن إنك تفضلي تحت عينها، وتذلك وتدفعك ثمن غلها من أبونا!”.
مريم حست إن كل دقيقة عاشتها في البيت ده كانت تمثيلية قذرة، دموعها نشفت فجأة وحل مكانها نظرة قوة مظهرتش في عينيها من سنين. وقفت وبصت لخالد وقالت: “يعني بابا عايش يا خالد؟ بابا فين؟”.
خالد مسك إيدها: “بابا خرج من السجن من سنة، بس هما كانوا مفهمينه إننا متنا في حادثة، وهو عايش دلوقتي في بيت قديم في المحلة.. أنا رتبت كل حاجة، وإحنا مسافرين له حالا”.
طول الطريق في العربية، مريم كانت بتبص من الشباك والذكريات بتلف في دماغها زي الشريط السريع. لما وصلوا البيت القديم، وشافت راجل عجوز، شعره أبيض كأنه غزل بنات، وقاعد على كرسي خشب وساند ظهره على الحيطة، مريم ما قدرتش تمسك نفسها. جريت عليه وارتمت في حضنه وهي بتصرخ: “يا بابا!”.
الراجل العجوز جسمه اترعش، وبص لملامحها وللوحمة اللي على كتفها اللي ظهرت من هدومها، وبكى بصوت زلزل المكان: “مريم؟ خالد؟ يا ولاد الكلب قالوا لي إنكم موتوا! شاهيناز الكلبة قالت لي إنكم روحتوا في حادثة!”.
الحضن ده كان فيه شفا لكل سنين العذاب. بس المشهد ما خلصش هنا. وسط فرحة اللقاء، تليفون خالد رن، وكان المتصل “عمر” الرائد في الأمن العام.
خالد رد: “خير يا عمر؟”.
عمر صوته كان قلقان: “خالد.. إسماعيل الهواري هرب وهو بيتنقل من السجن للمستشفى! عمل حادثة مبركة للوريد وهرب، ومعاه ناس مسلحين، وأول حاجة بيدور عليها هي مكانكم.. شاهيناز في السجن اعترفت إنه شايل فلوس ودهب بمليارات في مخزن سري، وإنه ناوي يصفي حسابه معاك ومع مريم قبل ما يهرب برة مصر!”.
خالد وشه قلب خشب وبص لأبوه وأخته: “إسماعيل هرب يا عمر؟”.
عمر: “أنا باعت قوة للمحلة فوراً، بس خلي بالك، الراجل ده مبقاش عنده حاجة يخسرها، ونادين بنته ماتت في المستشفى من ساعتين بعد ما جسمها رفض غسيل الكلى تماماً.. إسماعيل اتهور وعايز ينتقم!”.
في نفس اللحظة، النور قطع في البيت القديم كله. وعم السكون المرعب في المكان.
مريم مسكت في دراع خالد وهي بترتعش، وأبوها وقف وصوته رجع قوي زي زمان: “الندل ده لو فاكر إنه هيقدر ياخد من أولادي حاجة تاني يبقا بيحلم.. أنا مستنيه من 16 سنة”.
فجأة، صوت كسر باب البيت الخارجي سمعوه، وخطوات رجلين تقيلة بدأت تقرب من الأوضة، وصوت ضحكة إسماعيل الهواري المبحوحة والمليانة غل طلعت من الضلمة: “فاكرين إنكم كسبتوا؟ فاكرين إن دكتور حتة جربوعة وسجن هيضيعوا اسم الهواري؟ أنا جيت آخد الكلية اللي نادين ماتت بسببها.. وجيت أدفنكم هنا!”.
خالد وقف قدام مريم وأبوه، وطلع مسدسه اللي كان مرخصه ومخليه معاه دايماً، وعمر صوته جه من على أول الشارع بصوت سارينات الشرطة وهي بتقلب المكان…
إسماعيل وجه سلاحه على خالد، وصرخ بجنون: “هتموتوا كلكم!”.
وقبل ما إسماعيل يضغط على الزناد، مريم حركت الكرسي الخشب بكل قوتها وحدفته في رجل إسماعيل، الراجل اختل توازنه، وفي نفس اللحظة انطلقت رصاصة… بس يا ترى الرصاصة دي طلعت من مسدس مين؟ ومين اللي وقع على الأرض سايح في دمه؟انطلقت الرصاصة، ودوى صوتها في جدران البيت القديم كأنه رعد زلزل المكان.
في نفس اللحظة، باب الأوضة اتكسر تماماً، ودخل الرائد عمر وقوات العمليات الخاصة والضوء الكشاف بتاع طبنجاتهم عمى العينين. إسماعيل الهواري وقف مسمّر في مكانه، وبص لبطنه اللي بدأت تنزف بغزارة… الرصاصة كانت من مسدس خالد اللي كان أسرع في رد فعله بعد ما مريم شتتت انتباه إسماعيل بالكرسي.
إسماعيل وقع على ركبه، السلاح اتزحلق من إيده، وبص للحاج عبد العزيز المنصوري بنظرة كلها غل وحسرة، وقال بصوت حشرجة بيقطع: “ضيعتوني… ضيعتوا عيلتي…”.
الحاج عبد العزيز قرب منه، وبص له من فوق لتحت بمنتهى القوة وقال له: “ربنا اللي جاب حقنا يا إسماعيل. ذنب البنت اللي ذلتوها، والفلوس اللي سرقتوها، وعمري اللي ضاع في السجن… كل ده خلص النهاردة. ونادين بنتك راحت للي خلقها بعد ما رفضتوا تعالجوها بالحلال وكنتوا عايزين تسرقوا دم الغلابة”.
عمر كلبش إسماعيل وهو بينزف، والإسعاف دخلت شالته تحت حراسة مشددة عشان يتنقل للمستشفى ومنها لزنزانة انفرادية مش هيخرج منها غير على حبل المشنقة.
بعد الليلة المرعبة دي، رجع الأمان أخيراً لعيلة المنصوري.
بمساعدة الرائد عمر والنيابة العامة، خالد قدر يثبت بالتزوير والورق القديم إن كل شركات وممتلكات عيلة الهواري اللي في التجمع والبورصة هي في الأصل ملك للحاج عبد العزيز المنصوري وتم الاستيلاء عليها بنفوذ وورق مزور. المحكمة حكمت برد كل الثروة لأصحابها الحقيقيين.
بعد سنة كاملة…
الفيلا الكبيرة اللي في التجمع الخامس، اللي مريم عاشت فيها سنين بتبكي وتخدم، اتغيرت تماماً. اليافطة اللي على الباب بقى مكتوب عليها “مؤسسة مريم المنصوري لرعاية وتأهيل الأطفال المفقودين”. مريم مابقتش البنت الخايفة، بقت سيدة أعمال ناجحة ومسؤولة عن مؤسسة خيرية ضخمة، وكمّلت دراستها في البرمجة وبقت بتدير تكنولوجيا المؤسسة بنفسها.
في جنينة الفيلا، كانت الشمس طالعة دافية، والحاج عبد العزيز قاعد على كرسي مريح وبيشرب الشاي وهو مبتسم، وجنبه خالد لابس بدلته وشكله مبهج بعد ما بقى من أكبر الجراحين في الشرق الأوسط.
مريم قربت منهم وهي لابسة فستان شيك جداً، ووشها منور وبشرتها راجعة لها ضحكتها الصافية. خالد بص لها وفرحان بنجاحها وقال لها: “شايفة يا مريومة؟ المكان اللي انذليتي فيه، بقيتي إنتي صاحبته ومصدر الأمان لكل طفل تائه في مصر”.
مريم دمعت من الفرحة وحضنت أخوها وأبوها وقالت: “الحمد لله يا خالد.. طول ما الوجع وراه صبر، ربنا بيعوض، وإنت كنت العوض الحقيقي ليا من أول يوم شوفتني فيه في أوضة العمليات”.
وفي اللحظة دي، تليفون مريم رن برقم غريب، فتحت الخط وسمعت صوت ممرضة من سجن القناطر بتقول لها برعب: “يا فندم.. شاهيناز الهواري قبل ما تموت في زنزانتها النهاردة الصبح، سابت ليكي جواب سري مع إدارة السجن، وبتقولك فيه إن نادين ما كانتش بنتها الحقيقية… وإن السر الكبير لسه ما اتكشفش!”.
مريم لفت وبصت لخالد والخط قطع، وعينيها اتملت بالحيرة من جديد… كأن الحكاية لسه قفلها ما اتقفلش!





