حكايه في ليل

فتحت اللاب توب، وصوت مروحة الجهاز كان هو الصوت الوحيد المسموع في هدوء المطبخ بعد ما الساعة عدت اتنين بالليل. النور الأبيض بتاع الشاشة عكس على النظارة الطبية اللي كنت لابساها، وبإيد بترتعش من كتر القهر، فتحت الدوسيه الأزرق. الورق اللي جواه كان بارد، بس بالنسبة لي كان زي الجمر اللي هيحرق كل السندات المزيفة اللي عيلتي عاشت فيها.
​أول ورقة كانت كشف حساب بنكي باسم ابني طارق، كشف حساب سري مش هو ده اللي بيمشي بيه حاله قدامي ويقعد يشتكي من قلة الفلوس ومصاريف المدارس والعيشة. الحساب كان فيه رقم يصحي النايم، تلاتة مليون جنيه كاش دخلوا في حسابه من حوالي شهرين دفعة واحدة. ومن مين؟ من شركة مقاولات مشبوهة، شركة صاحبها يبقى ابن خالة رانيا، المحامي “مدحت الفايد”.
​قعدت أرجع بضهري على الكرسي الخشب وأنا بفتكر كل تفصيلة. رانيا وطارق متجوزين من سبع سنين، وطول السبع سنين دول وأنا بعامل رانيا كأنها بنتي اللي مخلفتهاش، كنت بشتري خاطرها بلقمتي، وبشيل عنها ولادها في الويك إند عشان تخرج تتفسح وتعيش سنها. بس الغدر لما بيجي من بره بيوجع، ولما بيجي من لحمك ودمك بيموت.
​القصة بدأت من تلات أسابيع، لما جالي تليفون بالصدفة من أستاذ توفيق، المحامي القديم بتاع جوزي الله يرحمه. توفيق راجل عشرة عمر وصاحب بيت، كلمني ونبرة صوته كانت مرعوبة: “الحقي يا هدى.. في حد بيستعلم في الشهر العقاري عن عقد ملكية الشقة بتاعتك، ومش حد غريب، ده مكتب المحامي مدحت الفايد، ومعاه توكيل عام رسمي باسم ابنك طارق”.
​يومها الدنيا لفت بيا، طارق؟ ابني اللي قعدت أدادي فيه بعد وفاة أبوه؟ ابني اللي بعت دهبي وعربيتي عشان يدخل الجامعة البريطانية وميحسش إنه أقل من صحابه؟ بيحاول يبيع الشقة من ورايا؟
​ما واجهتوش، التجربة علمتني إن المواجهة من غير دليل بتخلي الحرامي يهرب ويلبس وش الضحية. نزلت بنفسي، وبتاريخي كمديرة مدرسة سابقة وعلاقاتي اللي بنتها في سنين، قدرت أوصل لكل حاجة. الدوسيه الأزرق ده ما كانش فيه بس كشف الحساب، كان فيه كمان “عقد بيع ابتدائي” مزور للشقة بتاعتي، شقة مصر الجديدة اللي ثمنها دلوقتي يعدي العشرة مليون جنيه بسبب موقعها ومساحتها. العقد كان مكتوب فيه إن أنا بعت الشقة لطارق بمبلغ رمزي من سنتين! والبصمة والتوقيع؟ تزوير محترف ومتقن جداً، بس يفوت على أي حد إلا أنا، لأن خطي وبصمتي حافظاهم بالمسطرة.
​والأدهى من كده، كان فيه صور فوتوغرافية مطبوعة، لرانيا وطارق وهم قاعدين في كافيه مع مدحت الفايد، ومعاهم الشيكات والفلوس. رانيا كانت بتضحك في الصور نفس الضحكة الصفرا اللي ضحكتها لي في المطبخ من شوية وهي بتقولي: “عيلتي بتموت في شقتك”.
​”أه.. هما فعلاً بيموتوا في شقتي، لدرجة إنهم جايين يستلموها بوضع اليد في ليلة رأس السنة”، همست لنفسي والدموع خلاص جفت في عيني واتحولت لكتلة من الحجر. الخطة بتاعتهم كانت واضحة زي الشمس؛ رانيا هتعزم الـ 25 فرد بتوع عيلتها، هيدخلوا الشقة بحجة السهرة، وبعدين هيبدأوا يتدرجوا في القعاد، خالها اللي جاي من طنطا هيقول مش قادر يسافر وهيبات، وأختها وعيالها هيقعدوا كام يوم، وفجأة هلاقي نفسي غريبة في بيتي، ومحاصرة بجيش من عيلتها، لحد ما يفرضوا الأمر الواقع ويطلعوا لي عقد البيع المزور ويقولوا لي: “يا طنط، الشقة بقت بتاعة طارق، وإحنا قعدنا خلاص، اتفضلي شوفي لك مكان تاني أو اقعدي في أوضة الشغالين”.
​سمعت صوت خطوت بره المطبخ. قفلت اللاب توب بسرعة ورجعت الدوسيه جوه الدرج وقفلته بالمفتاح. كانت رانيا، نازلة تشرب ومفكرة إني نمت. لما شافتني قاعدة في الضلمة، اتخضت ورجعت خطوة لورا.
​— “بسم الله الرحمن الرحيم! خضيتيني يا طنط.. أنتِ لسه صاحية؟”
بصيت لها وابتسمت نفس الابتسامة الطيبة اللي هي عارفاها، الوش الخشبي اللي كنت بلبسه لما بكون بكشف طالب غشاش في اللجنة: “أبشرك يا رانيا، كنت بفكر في كلامك.. ولقيت إن عندك حق. دي ليلة رأس السنة، والعيلة لازم تتجمع، وأنا مش هكسر بخاطرك قدام أهلك”.
​عنيها لمعت بطمع وجشع ما قدرتش تخبيه: “بجد يا طنط؟ يعني موافقة؟”
— “موافقة طبعاً يا حبيبتي. اجهزي بس وقولي لمامتك وأختك وخالك رأفت إن الشقة شقتهم، ومن بكره الصبح ابعتي لي اللستة عشان نجهز كل حاجة على أحدث طراز. أنا عايزة الليلة دي تكون ليلة ما تتنسيش لعيلتك كلها.. ليلة العمر يا رانيا”.
​رانيا قربت مني وبستني من كتفي بنفاق: “ربنا يخليكي لينا يا طنط هدى، ومتحرمش منك أبداً، أنا هكلم ماما حالاً أفرحها”.
طلعت رانيا تجري على فوق وهي فاكرة إنها انتصرت، وإن الست العجوزة كبرت وخرفت وخافت من زعل ابنها. وأنا فضلت قاعدة مكاني، ببص على صينية البسبوسة وبقول في بالي: “فعلاً.. هتبقى ليلة ما تتنسيش”.
​تاني يوم الصبح، البيت اتقلب لخلية نحل. رانيا كانت بتتحرك في الشقة كأنها صاحبة الملك، بتؤمر وتنهي، وتتصل ببتوع الفراشة عشان يجيبوا كراسي وترابيزات زيادة للصالون. طارق نزل الشغل وهو مش قادر يحط عينه في عيني، كان بيتهرب من الكلام معايا، وكل ما أحاول أفتح معاه موضوع، يقولي: “معلش يا أمي مستعجل، رانيا مجهزه كل حاجة متقلقيش”. كان حاسس بالذنب، بس الطمع كان أقوى من نبرة صوته.
​أنا بقى ما قعدتش ساكتة. كلمت أستاذ توفيق المحامي وقولت له: “توفيق.. الدوسيه جاهز، والورق كله كامل. أنا عايزة البلاغ يتقدم في مباحث الأموال العامة ونيابة التزوير، بس مش عايزة أي إجراء رسمي يتنفذ غير يوم 31 ديسمبر، الساعة 9 بالليل بالدقيقة”.
توفيق سكت ثواني وقال لي بقلق: “يا هدى، طارق ابنك.. طارق لو البلاغ ده مشي في سكته، وفي عقد مزور وتواطؤ مع مكتب مدحت الفايد، فيها سجن مش أقل من تلات لخمس سنين. أنتِ قد القرار ده؟”
​غمضت عيني، واقتربت من الشباك وبصيت على الشارع. افتكرت طارق وهو صغير لما كان بيسخن وأفضل صاحية جنبه طول الليل، وافتكرت طارق وهو كبير وهو بيمضي على ورق يرمي أمه في الشارع عشان خاطر مراتها وأهلها.
— “طارق هو اللي اختار يا توفيق. اللي يبيع أمه عشان شقة، ما يستاهلش يشيل اسمها. نفذ زي ما بقولك، وخلي القوة تطلع في المعاد”.
​الأيام مرت بسرعة، ويوم ورا يوم والشقة بتتملي بحاجات عيلة رانيا. كراتين شيبسي، قزايز كولا، أكياس خضار. رانيا جابت مامتها، الست “صفية”، قبل المعاد بيومين بحجة إنها تساعد في التوضيب، بس الحقيقة إن صفية كانت جاية تقيس المساحات وتشوف هتقعد في أنهي أوضة.
​كنت قاعدة في الصالة لما سمعت صفية بتقول لرانيا بصوت واطي في المطبخ: “الصالون ده واسع أوي يا رانيا، لما الست هدى تنقل تقعد في الشقة الصغيرة اللي في المرج بتاعة أختها، إحنا ممكن نفتح الأوضة دي على دي ونعمل ليفينج كبير للعيال”.
رانيا ردت عليها بضحكة مكتومة: “كله بترتيب يا ماما، بس نخلص من الليلة دي والكل يشهد إننا بقينا هنا، وطارق معاه العقد المسجل خلاص، ومحدش يقدر يخرجنا”.
​كنت بسمع الكلام ده وأنا بقطع ensalada de manzana (سلطة التفاح) اللي بيحبوها، وببتسم. “تمام.. كملوا أحلامكم”.
​وجاءت الليلة الموعودة. ليلة 31 ديسمبر.
الساعة كانت 7 بالليل. الشقة كانت بتغلي. الـ 25 فرد وصلوا كلهم. الصالون والسفرة املوا على الآخر. خالها رأفت الراجل الضخم اللي لابس بدلة واسعة وقاعد حاطط رجل على رجل وبيتأمر على الشغالين اللي بيمشوا بالصواني. طنط صفية لابسة دهبها كله وقاعدة في صدر المكان كأنها الحماة مش أنا. أولاد أخت رانيا بيجروا في الممرات ويوقعوا الأكل على السجاد القطيفة اللي حافظت عليه سنين.
​رانيا كانت لابسة فستان سواريه أحمر، وبتتحرك وسط الضيوف كأنها ملكة متوجة، وطارق واقف جنبها بيوزع شربات ويبتسم بابتسامة باهتة، عينيه كانت بتدور عليا في الشقة، لاني من أول السهرة كنت قاعدة في أوضتي ومخرجتش.
​الساعة بقت 8:30 بالليل. رانيا خبطت على باب أوضتي ودخلت، وشها كان منور من الفرحة والنصر: “طنط هدى.. الأكل كله جاهز بره، والناس بتسأل عليكي، مش هتيجي تقعدي معانا وتباركي اللمة؟”
بصيت لها، كنت لابسة فستان أسود شيك جداً، وحاطة ميكب خفيف، وشكلي كان هادي لدرجة تخوف.
— “جاهزة يا رانيا. يلا بينا نطلع للضيوف”.
​لما خرجت، الصالون سكت لحظة. صفية وقفت وقالت بنفاق: “أهلاً يا هدى يا حبيبتي، منورة بيتك.. معلش بقى تعبناكي معانا في العزومة دي، بس رانيا بنتك وأهلي هما أهلك”.
قعدت على الكرسي الرئيسي في الصالون، وبصيت لـ 25 بني آدم اللي قاعدين ياكلوا ويشربوا في ملكي، وقولت بصوت عالي سمعه الكل: “منورين يا جماعة.. فعلاً مصر الجديدة منورة بيكم، ويا رب تكون الشقة عجبتكم”.
​خالها رأفت قال وهو بيمسح إيده في المنديل: “الشقة ما شاء الله يا مدام هدى، موقع لقطة، وتشطيب زمان اللي ما يتعوضش.. طارق ورانيا يعرفوا يختاروا الصراحة”.
لقطت الكلمة وقولت: “يعرفوا يختاروا؟ يقصدوا إيه يا رأفت بيه؟”
طارق وشه اتقلب ألوان وحاول يتدخل: “أمي.. خالو رأفت يقصد إن الشقة ذوقها حلو.. بس كده”.
رانيا بصت لطارق بنظرة حادة كأنها بتقوله “دا وقتها”، وقامت وقفت في نص الصالة، وطلعت من شنطتها ورقة مطوية، وقالت بصوت مسموع للكل: “لأ يا طارق، ما بقاش فيه داعي للمدارية، طالما العيلة كلها هنا، وطالما طنط هدى برضاها وافقت على العزومة، لازم الكل يعرف الخطوة الجديدة”.
​الصالون كله انتبه. طارق مسك إيد رانيا وقال لها بصوت واطي: “رانيا.. بلاش دلوقتي، قولت لك بعدين”.
صفية اتدخلت: “سيبها يا طارق، ده حقكم وفرحتكم”.
رانيا فتحت الورقة وقالت وهي بتبص لي بتحدي وقاحة ملوش مثيل: “طنط هدى.. إحنا نقلنا ملكية الشقة دي باسم طارق من سنتين بعقد بيع مسجل، والشقة دي من النهاردة بقت بيتنا إحنا، وأنا عزمت أهلي هنا عشان بنحتفل ببيت المحكوم الجديد. وطبعاً أنتِ منورة فوق راسنا، والأوضة الجوانية دي بتاعتك طول العمر، بس عشان الحدود تكون واضحة من الأول قدام الكل وما يحصلش زعل”.
​الـ 25 فرد سكتوا، نصهم كان عارف باللعبة وبان على وشهم الضحك الخبيث، والنص التاني اتفاجئ بس سكت تضامناً مع رانيا.
طارق وطي راسه في الأرض، مش قادر يبص في عيني.
​أنا قمت وقفت بالراحة خالص. ما صرختش، ما عيطتش، ما انهرتش زي ما رانيا كانت متوقعة ومجهزة نفسها عشان تقولي “يا طنط ضغطك هيعلى”. بصيت في ساعة الحيطة الكبيرة.. كانت الساعة 8:55 بالليل.
​— “خلصتي كلامك يا رانيا؟” قولت الكلمة دي بمنتهى الهدوء.
رانيا استغربت من برودي: “أيوه يا طنط.. ده العقد اهو، لو حابة تشوفي توقيعك وبصمتك”.
— “التوقيع والبصمة اللي على الورقة دي، هما نفسهم اللي في الدوسيه الأزرق اللي متقدم في مباحث الأموال العامة من تلات أيام”.
​الكلمة نزلت على الصالون زي الصاعقة. طارق رفع راسه بسرعة وعينيه اتسعت من الرعب: “أمي؟ أنتِ بتقولي إيه؟”
— “بقول إن العقد اللي في إيد مراتك ده مزور يا طارق. وبقول إنك استغليت التوكيل العام اللي عملتهولك عشان تدير بيه شؤون المعاش، وزورت عقد بيع بتاريخ قديم عشان تسرق شقة أمك اللي طفحت الدم عشان تبنيها”.
رانيا وشها اصفر وبدأت تتهته: “أنتِ.. أنتِ بتخرفي بتقولي إيه؟ ده عقد حقيقي!”
​— “العقد ده مزور، والشركة اللي حلت لك التلاتة مليون جنيه في حسابك السري يا طارق، صاحبها المحامي مدحت الفايد اللي قاعد معاكم في الكافيه يوم 4 نوفمبر الساعة 4 العصر وبيتفق معاكم على تزوير الإمضاء.. الصور والتحويلات البنكية وكشف الحساب السري وتحريات الأموال العامة كلها في النيابة دلوقتي”.
​طارق جسمه كله بدأ يترعش، الورق اللي في إيد رانيا وقع على الأرض. صرخ في رانيا: “مش قولت لك بلاش؟ مش قولت لك أمي مش سهلة؟ ووديتنا في داهية!”.
صفية وقفت تزعق: “أنتِ بتتبلي على بنتي وجوزها عشان مش عايزة تسيبي الشقة؟ إحنا عيلة الفايد، إحنا نوديكي في داهية!”.
​وفي اللحظة دي.. الساعة دقت 9 بالليل بالتمام.
جرس الباب رن ضربات قوية ومتتالية. ضربات ما يضربهاش ضيف جاي يسهر. ضربات ليها هيبة تخلي القلوب تقف.
​الكل اتجمد في مكانه. بصيت لرانيا اللي كانت واقفه زي الصنم، وقولت لها: “ادخلي افتحي يا رانيا.. الضيوف الأهم وصلوا، برضه ليلة رأس سنة ولازم نرحب بالكل”.
​طارق جري على الباب وفتحه بإيد بتترعش.
بره الباب، كان واقف ظابط شرطة بملابس رسمية، ومعاه أمينين شرطة، وجنبهم أستاذ توفيق المحامي وهو ماسك قرار رسمي صادر من النيابة العامة.
​الظابط خطى جوه الشقة، عينه دارت على الـ 25 فرد اللي واقفين مرعوبين، وبص لطارق ورانيا وقال بصوت جهوري هز الحيطان:
— “المتهم طارق عبد الحميد، والمتهمة رانيا الفايد.. معانا أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهمة التزوير في أوراق رسمية، والاستيلاء على مال الغير والنصب”.
​رانيا بدأت تصرخ وانهارت على الأرض: “ماما الحقيني! طارق اتصرف!”
صفية جريت على الظابط: “يا باشا في إيه؟ دي خناقة عائلية، دي حماتها وبتتبلى عليها!”.
الظابط أشر لأمين الشرطة: “كل اللي ملوش صفة في الشقة دي يتفضل بره حالاً، وإلا هيتاخد بتهمة التستر واقتحام ملكية خاصة. الشقة دي شقة المدام هدى، ومعانا قرار تمكين وتفتيش”.
​خالها رأفت أول واحد سحب نفسه وأخد مراته وعياله وطلعوا على السلم جري، والـ 25 فرد اللي كانوا جايين يقعدوا بوضع اليد، اتوزعوا في ثواني بره الشقة وكل واحد كان بيداري وشه من الفضيحة على السلم وسط جيران العمارة اللي خرجوا يتفرجوا.
​الكل مشي.. ما بقاش في الشقة غير طارق ورانيا المكلبشين، وصفية اللي قاعدة تعيط في الأرض.
طارق بص لي والدموع ماليّه عينيه ونزل على ركبه: “أمي.. عشان خاطر أبويا.. سيبيني، أنا ابنك، هضيع، مستقبلي هيضيع والوظيفة هتروح!”.
​وقفت قدامه، وبصيت في عينيه لأخر مرة كأم: “اللي يبيع أمه يا طارق عشان حتة أرض أو شقة، بيبقى هو اللي ضيع مستقبله بإيده. أنت مش ابني.. أنت مجرد نسخة مسخ من طمع رانيا وأهلها. اتفضل مع الباشا، والمحكمة هي اللي هتقول كلمتها”.
​الظابط سحب طارق ورانيا بره الشقة، وقفلوا الباب وراهم. الصمت رجع تاني للمكان. الصمت النظيف.
​مشيت في الصالة الواسعة، وبصيت على الكراسي الفاضية، والأكل اللي سابوه. رحت المطبخ، فتحت التلاجة، طلعت علبة سلطة التفاح وقعدت على الترابيزة لوحدي. أكلت معلقة، وابتسمت وأنا ببص على الشباك والمطر اللي بدأ ينزل بغزارة بره.
​الدنيا كانت هادية ونظيفة. الساعة عدت 12 بالليل.. السنة الجديدة بدأت، وأنا بدأت معاها حياتي من جديد، حرة في بيتي، ومن غير أي تعبان يشاركني فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *