الانتظار

جوا العربية، كان السكات له صوت مرعب، أعلى من صوت المطر اللي نازل يرزع على السقف. مصطفى الشناوي فضل باصص قدامه على العربيات اللي واقفة ومبتتحركش في زحمة المحور، وإيديه لسه متبتة على الدريكسيون لدرجة إن عروق إيديه النحيفة كانت بارزة ومشدودة. الصدمة ما خلتوش يعيط، الصدمة نشفت الدم في عروقه. الراجل اللي عاش 71 سنة يهد ويبني، الراجل اللي كان بكلمة منه بيقعد حيتان السوق على ركبهم، حس في اللحظة دي إنه عريان، وإن السهم اللي ضربه في ضهره ما جاش من غريم ولا منافس، ده جه من صلب خطيته.. من ابنه.
سحب نفس طويل ومكتوم، كأنه بيحاول يملى رئته بهوا مسموم. بص للموبايل اللي مطفي على الكرسي اللي جنبه، الكاميرا لسه كانت شغالة في خلفية عقله، صورة نرمين بالإيشارب الحرير بتاع مراته الغالية “كريمة” وهي بتضحك، وصوت شريف وهو بيخطط لدفن أبوه وبيع فيلته. مصطفى دور العربية بهدوء غريب، هدوء ما قبل العاصفة، وكسر الدريكسيون وخرج من زحمة المحور لأول نزلة تقابله. هو مش راجع التجمع، ومش هيموت موتة ربنا اللي مخططين لها.
في نفس الوقت، جوه الفيلا الكبيرة في التجمع الخامس، كانت نرمين واقفة قدام المراية اللي في الصالون، بتظبط الإيشارب الحرير وتلفه حوالين رقبتها بدلال، وتبص لنفسها بإعجاب. شريف كان لسه قاعد على مكتب أبوه، بيفر في الدوسيه الأزرق اللي فيه عقود أراضي الساحل. بس ملامحه ما كانتش رايقة زي نرمين، كان فيه هزّة في إيده، وكل شوية يبص ناحية الباب كأن مصطفى هيدخل عليه في أي لحظة.
شريف نفخ بضيق وقال: “نرمين، أنا مش متاح لي الغلطة دي. أبويا مش غبي، لو حس بأي حاجة قبل ما الموضوع يتم، إحنا مش هنشوف الشمس تاني. أنتي عارفة مصطفى الشناوي ممكن يعمل إيه؟ ده لو غضب هيمحينا من الدنيا.”
نرمين لفت له ببرود، ومشيت بخطوات بطيئة وواثقة لحد ما وقفت جنبه، حطت إيدها على كتفه وضغطت عليه: “جرى إيه يا شريف؟ فين قلبك؟ الراجل خلاص رجله والقبر، وبخلان عليك بفلوسه اللي مش هتعرف تاكلها وهو عايش. البودرة دي دكتور مدحت مأكد لي إنها بتدوب في الشاي، ومبتظهرش في أي تحليل سموم، بتعمل هبوط حاد مفاجئ في عضلة القلب. يعني قضاء وقدر يا حبيبي. جمد قلبك، إحنا بنأمن مستقبلنا ومستقبل عيالنا اللي جايين.”
شريف بلع ريقه وبص للدوسيه: “والشغالة؟ أم السعد؟ أنا شوفتها بتبص لنا نظرات غريبة وهي خارجة الصبح. تفتكري حست بحاجة؟”
نرمين ضحكت باستهزاء: “أم السعد دي آحرها تطبخ وتكنس، تلاقيها بس مستغربة إننا ما سافرناش الغردقة. بكره لما يرجع، هعمل نفسي تعبانة وأقول له رجعنا من المطار عشان جالي مغص مفاجئ، والسيناريو هيمشي زي السكينة في الحلاوة. المهم دلوقتي، الخزنة دي بتتفتح ازاي؟” شاورت بصباعها على اللوحة الزيتية القديمة اللي ورا المكتب، واللي عارفين إن الخزنة السرية مستخبية وراها.
شريف قام ووقف قدام اللوحة، ولمس الإطار الخشب بتاعها: “الباسورد مع أبويا، مستحيل يكتبه في حتة. بس أنا لمحته مرة وهو بيفتحها، كان بيبدأ بتاريخ ميلاد أمي، وبعدها أربع أرقام تانية معرفهاش. هجرب كذا تركيبة لحد ما تظبط.”
بينما هما عايشين في وهم الخطة الكاملة، كانت أم السعد قاعدة في الأوضة الصغيرة بتاعتها في حديقة الفيلا، جسمها كله بيرتعش. هي شافتهم الصبح وهم بيطلعوا الشنط وبيتظاهروا بالسفر، وشافت نظرة الغدر في عينين نرمين. أم السعد ربت شريف مع أمه الله يرحمها، وعارفة طبع الولد ضعيف وبيمشي ورا مراته، بس ما تخيلتش إن الجبروت يوصل بيهم لدرجة القتل. لما دخلت المطبخ بالصدفة وسمعتهم بيتكلموا عن “البودرة” و”السكتة القلبية”، لفت الدنيا بيها. ما لقتش قدامها غير إنها تبعت للمسج للحاج مصطفى، وهي عارفة إنها كده بتخاطر بأكل عيشها ويمكن بحياتها، بس ضميرها ما سمحلهاش تسكت.
الحاج مصطفى ما كانش سايق ورايح لأي مكان وخلاص، عقله التعلب كان شغال بأقصى سرعة. نزل في منطقة مصر الجديدة، صف العربية قدام عمارة قديمة من عمارات زمان، وطلع الدور الثالث. خبط على باب شقة مكتوب عليها يافطة نحاس صغيرة: “الأستاذ عادل جلال – المحامي بالنقض”.
عادل جلال مش مجرد محامي الشناوي، ده صاحب عمره، اللي بدأ معاه من الصفر، ودفنوا أسرار السوق سوا.
لما الباب اتفتح، وشاف عادل شكل مصطفى، ووشه المخطوف وعينيه الصاحية بزيادة، عرف إن فيه كارثة.
عادل شد مصطفى لجوه وقفل الباب: “خير يا مصطفى؟ شكلك مش مريحني. إيه اللي جابك في المطر ده ومن غير عربيتك وسواقك؟”
مصطفى قعد على الكرسي بتعب، بس ضهره فضل مفرود كأنه لسه في اجتماع مجلس إدارة. طلع الموبايل وحطه على المكتب قدام عادل: “افتح الفيديو ده يا عادل، واسمع ابني.. ابني اللي من دمي وهو بيخطط لدفنتي.”
عادل لبس نظارته وشغل الفيديو. مع كل ثانية بتعدي، كانت ملامح المحامي العجوز بتتغير من الزهول للغضب الشديد. لما الفيديو خلص، عادل قلع النظارة ورماها على المكتب وبص لمصطفى بسكات.
مصطفى اتكلم بصوت شرخ: “شفت يا صاحبي؟ شفت شريف اللي خسرت بسببه نص أصحابي عشان أداري على بلاويه؟ شفت نرمين بنت الحسب والنسب اللي خطبتها له عشان تفرح قلبه؟ عايزين يموتوني بالسم يا عادل.. بالسم عشان يورثوا الفيلا وأراضي الساحل ويسافروا دبي.”
عادل اتنفس بصعوبة وقال: “الموضوع ده مش محتاج محامي يا مصطفى، ده محتاج البلاغ فوراً. دي جناية شروع في قتل وتآمر. أنا هكلم لواء في المباحث صاحبي دلوقتي يلمهم من الفيلا زي الفراخ.”
مصطفى رفع إيده بسرعة ومنعه: “لا! لو البوليس دخل دلوقتي، نرمين تعلب وهتطلع منها، والبودرة دي هيرموها ومحدش هيثبت حاجة، وشريف هيطلع عبيط ومش فاهم حاجة. أنا مش عايزهم في السجن يا عادل.. السجن رحمة. أنا عايزهم يعيشوا ويموتوا وهم بيشحتوا اللقمة، عايزهم يشوفوا الإمبراطورية دي وهي بتضيع من بين إيديهم وهم صاحيين.”
عادل بصل بصدمة: “ناوي على إيه يا شناوي؟”
مصطفى ابتسم ابتسامة مرعبة، ابتسامة ما ظهرتش على وشه من أيام معارك السوق الكبيرة في التمانينات: “هنلعب معاهم نفس اللعبة. هما فاكرين إني هرجع البيت بكره؟ أنا هرجع.. وهشرب الشاي بتاعهم كمان. بس بمزاجي.”
بدأت الخطة تتحرك في نفس الليلة. مصطفى ما رجعش الفيلا، بات في شقة قديمة مملكته في الزمالك محدش يعرف عنها حاجة حتى ابنه. وتاني يوم الصبح، اتصل بدكتور رأفت، صاحبه ودكتور العائلة الكبير اللي بيثق فيه ثقة عمياء. حكى له كل حاجة ووراه الفيديو. دكتور رأفت كان مذهول، وطلب من مصطفى إنه يحلل البودرة دي فوراً لو عرف يجيب منها عينة.
رأفت قال لمصطفى: “يا مصطفى، اللي بيتكلموا عليه ده غالباً مادة اسمها ‘الديجيتاليس’ المستخلصة بتركيز عالي، أو أعشاب سامة بتلعب في كهربا القلب. دي فعلاً بتبان كأنه هبوط حاد لو اللي بيكشف دكتور طوارئ عادي ومش متخصص أو لو مفيش تشريح جنائي. أنت بتلعب بالنار لو دخلت البيت ده تاني.”
مصطفى رد عليه بثقة: “أنا الشناوي يا رأفت، والموت ما بيخوفنيش. أنا بس محتاج منك خدمة.. تلات أيام بالظبط، وتجيني الفيلا ببلاغ إن جالي أزمة، وتعمل دورك زي ما هقولك.”
في اليوم الثالث، العصر، عربية مصطفى الشناوي دخلت من بوابة الفيلا في التجمع.
أم السعد كانت واقفة في المطبخ، لما سمعت صوت العربية قلبها سقط في رجليها. طلعت بسرعة وشافته وهو نازل من العربية، ملامحه كانت هادية كأن مفيش حاجة حصلت. بصلها نظرة سريعة، نظرة فيها امتنان وفي نفس الوقت أمر بالسكوت التام. أم السعد فهمت وهزت راسها ودخلت جوه.
شريف ونرمين كانوا قاعدين في الليفينج، أول ما سمعوا صوت خطواته، نرمين قامت بسرعة ورسمت على وشها ابتسامة الشوق واللاهفة، وشريف وراها بيحاول يظهر طبيعي.
نرمين جريت عليه: “حمد الله على السلامة يا عمي! خضينا عليك، تليفونك كان مقفول من إمبارح، وشريف كان هيموت من القلق.”
مصطفى اتصنع التعب، وحط إيده على دماغه: “الله يسلمك يا بنتي. الشبكة كانت ضايعة مني في أراضي الجونة، والواحد كبر وما بقاش يستحمل السفر والطرق. أهلاً يا شريف.. عامل إيه يا حبيبي؟”
شريف قرب وباس إيد أبوه، وإيده كانت بترتعش: “الحمد لله يا بابا، حمد الله على سلامتك. المطار كان زحمة أوي الصبح لما سبتنا، وإحنا تعبنا في السكة ونرمين جاها مغص شديد، فاضطرينا نلغي حجز الغردقة ونرجع للبيت عشان نطمن عليك.”
مصطفى طبطب على كتف شريف ببرود: “ولا يهمك يا بني، الغردقة مش هتشير، المهم صحة مرأتك. أنا داخل المكتب أريح شوية عشان دماغي بتلف.”
دخل مصطفى المكتب، وقفل الباب وراه. أول حاجة عملها إنه بص للوحة الزيتية. لمح تراب خفيف واقع على الأرض تحتها، عرف إن شريف حاول يفتح الخزنة وفشل. قعد على كرسيه، وفضل مستني.
بعد نص ساعة، الباب خبط. دخلت نرمين وشايلة صينية عليها فنجان شاي أخضر بالنعناع، الشاي اللي مصطفى متعود يشربه كل يوم العصر.
نرمين حطت الصينية بدلال وقالت: “عملتلك الشاي بإيدي يا عمي، و حطيتلك فيه الأعشاب المهدئة اللي بتحبها عشان الصداع يروح. اشربه وهو سخن.”
مصطفى بص لفنجان الشاي، وبص في عينيها مباشرة. نرمين ثبتت عينيها لثانية، بس لمعة الغدر كانت واضحة للي فاهم.
مصطفى قال لها: “تسلم إيدك يا نرمين يا بنتي. أنتي زي بنتي اللي مخلفتهاش والله. اندهي لي شريف يقعد معايا شوية عقبال ما أشربه.”
نرمين خرجت وهي طايرة من الفرحة، وراحت لشريف همست له: “دخلت له الشاي، وهو بيطلبك. ادخل اقعد معاه عشان يشربه قدامك، وم تخرجش إلا والفنجان فاضي.”
شريف بلع ريقه ودخل المكتب. لقى أبوه قاعد وسرحان، وفنجان الشاي قدامه بيطلع بخار.
شريف قعد على الكرسي اللي قدامه: “خير يا بابا؟ طلبني؟”
مصطفى بص له بحنان مصطنع: “عايز اتكلم معاك في مستقبل الشغل يا شريف. أنا كبرت، وأراضي الساحل والعقود الجديدة لازم أنت اللي تستلمها. الدوسيه الأزرق اللي على المكتب ده فيه كل حاجة.”
شريف عينيه لمعت لما سمع سيرة الدوسيه والأراضي: “بجد يا بابا؟ أنا تحت أمرك، وأنا جاهز أشيل عنك كل حاجة.”
مصطفى رفع الفنجان وقربه من بقه، شريف حبس أنفاسه وهو باصص للفنجان. مصطفى خد بؤ صغير، وشريف حس إن قلبه هيقف من الإثارة.
مصطفى حط الفنجان وقال: “الشاي دلع شوية يا شريف، قوم هات لي السكر من على البوفيه اللي وراك ده.”
شريف لف ضهره بسرعة وراح يجيب السكر. في اللحظة دي، وبسرعة وتكنيك خفي، مصطفى دلق الشاي كله في شجيرة زينة صغيرة كانت محطوطة في فخار جنبه على الأرض، وساب في الفعر بؤ صغير خالص، وحط الفنجان مكانه.
لما شريف لف بالسكر، لقى الفنجان فاضي تقريباً.
مصطفى مسح بقه بمنديل وقال: “خلاص يا بني، شربته كله، الصداع كان هيموتني. هات السكر خليه هنا.”
شريف وشه نور وابتسم براحة رهيبة: “بالف هنا وشفا يا بابا. هسيبك تريح بقى عشان دوا الضغط يشتغل.”
خرج شريف ونرمين كانت مستنياه ورا الباب، أخدته ونزلوا الجنينة. شريف قال لها بنبرة انتصار: “شربه كله.. الفنجان خلص.” نرمين ضحكت وحضنته: “عد التنازلي بدأ يا شريف. كلها يومين وتكون الحاج مصطفى الشناوي الجديد.”
الخطة كانت ماشية بالملي. مصطفى فضل في مكتبه، وتاني يوم بدأ يتظاهر بالتعب والإرهاق، وكان بيقفل على نفسه ويرمي الأكل والشاي اللي بيجيبوه في الحمام، وياكل من معلبات وبسكوت كان مخبيهم في درج مكتبه السري. شريف ونرمين كانوا شايفين “الضحية” بتضعف قدام عينيهم ومستنيين اللحظة الحاسمة.
في اليوم الثالث بالليل، الساعة جت 11. مصطفى كان قاعد في الصالون معاهم، وفجأة بدأ يتنفس بصعوبة، وحط إيده على صدره وصوته طلع مخنوق: “آه.. صدري.. مش قادر اتنفس يا شريف.. الحقني يا بني..”
شريف وقف مكانه متجمد، ونرمين غمزت له بعينيها عشان يثبت. نرمين اتصنعت الخضة وقالت: “مالك يا عمي؟ شريف! كلم الإسعاف بسرعة!”
شريف طلع الموبايل وعمل نفسه بيكلم الطوارئ، بس هو كان بيضرب أرقام غلط وبيتظاهر إنه مفيش خطوط مجمعة.
مصطفى وقع من على الكرسي على السجادة، وجسمه بدأ يتنفض تمثيل متقن من راجل بيصارع الموت. نرمين قربت منه وعملت نفسها بتبكي: “يا حبيبي يا عمي! الإسعاف هتيجي حالا!” وهي في السر بتبص لشريف وتتبسم.
في اللحظة دي، الباب الخارجي للفيلا اتفتح بقوة، ودخل دكتور رأفت ومعاه اتنين ممرضين بشنط إسعاف كاملة، ووراهم الأستاذ عادل جلال المحامي.
شريف ونرمين اتصدموا. جابهم إيه دول دلوقتي وفي الوقت ده بالذات؟!
دكتور رأفت جري على مصطفى اللي كان واقع، وبدأ يعمل نفسه بيكشف عليه بالسمّاعة ونبضه. رأفت بص لشريف ونرمين بزعيق: “الراجل بيموت! عنده هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف في عضلة القلب! شيلوه معايا فوراً على عربية الإسعاف الطايرة بره!”
شريف اتلعثم: “دكتور رأفت؟ جيت ازاي؟ إحنا لسه كنا بنكلم الإسعاف..”
عادل جلال رد بحسم وهو بيزق شريف: “مصطفى كان مكلمني من ساعة بيقول إنه تعبان، وأنا كلمت دكتور رأفت وجينا جري. اوعوا من الوش!”
الممرضين شالوا مصطفى على نقالة، ودكتور رأفت حط له ماسك أكسجين (مش متوصل بحاجة بس للتمويه)، وخرجوا بيه بسرعة البرق بره الفيلا وركبوه العربية وطاروا.
في الصالون، نرمين لفت لشريف وعينيها بتطلع شرار من الفرحة: “الخطة نجحت! الراجل ودع خلاص! دكتور رأفت بنفسه قال توقف في عضلة القلب وهبوط حاد! يعني مفيش شبهة جنائية! الخزنة يا شريف.. الخزنة فورا قبل ما المحامي يرجع ويحط حراسة!”
شريف جري مع نرمين على المكتب. شريف وقف قدام اللوحة وخلعها ورماها على الأرض. وبدأ يجرب الباسوردات. نرمين كانت واقفة وراه بتفرك في إيديها: “خلص يا شريف! افتح!”
شريف كتب تاريخ ميلاد أمه، وبعدين افتكر كلمة أبوه القديمة “الشناوي بدأ من سنة 75”. كتب 1-9-7-5.. وتك! الخزنة اتفتحت.
نرمين صرخت بصوت واطي من الفرحة. شريف مد إيده وسحب رزم الفلوس الكاش، الدهبب، وعقود ملكية الشركات والأراضي. حطوا كل حاجة في شنطة هاندباج كبيرة كانت معاهم.
نرمين قالت بجشع: “يلا بينا على المطار، نطلع على دبي ومن هناك على مامي. الفلوس دي تعيشنا ملوك.”
شريف شال الشنطة وهو بيترعش: “يلا.. يلا بسرعة قبل ما حد يبلغنا بخبر الوفاة رسمياً ونضطر نقعد للعزا.”
خرجوا من الفيلا وجريوا على عربية شريف، حطوا الشنطة في الكنبة اللي ورا، وشريف دور العربية وطلع بأقصى سرعة ناحية مطار القاهرة. طول الطريق، نرمين كانت بتضحك وتخطط هتعمل إيه بالفلوس، وتشتري بيت فين في دبي، وشريف بدأ يحس إنه خلاص بقى حر، ومفيش “بابا” تاني يتحكم فيه ويحاسبه على المليم.
وصلوا صالة 3 بمطار القاهرة. ركنوا العربية في الموقف، وشالوا الشنطة الثقيلة ودخلوا الصالة. شريف طلع الموبايل عشان يحجز أول طيارة طالعة على دبي أو أي حتة في الخليج.
وهما واقفين قدام شاشات المواعيد، نرمين لفت وشها وفجأة جسمها اتصلب، صرختها اتمتعت في زورها، وشها بقى أبيض زي الأموات.
شريف بص لها باستغراب: “في إيه يا نرمين؟ مالك تنحتي كدا ليه؟”
نرمين شاورت بصباع بيترعش ناحية بوابة الخروج.
شريف لف ومص، وجاله ذهول خلاه يقع على ركبه والشنطة اتزحلقت من إيده على الأرض.
من بوابة الخروج، كان داخل الحاج مصطفى الشناوي بطوله، هيبته كاملة، لابس بدلة سودا شيك جداً، ومفرود الظهر مفيش فيه أي أثر للتعب أو الموت. وعلى يمينه الأستاذ عادل جلال المحامي، وعلى شماله ظابط شرطة برتبة عقيد و معاه أربعة أمناء شرطة.
مصطفى مشى بخطوات بطيئة وثابتة لحد ما وقف قدام شريف ونرمين اللي كانوا شبه الأصنام من الرعب والزهول.
مصطفى بص لشريف بنظرة كسرة مخلوطة بقسوة مرعبة، وقال بصوت هز الصالة: “كنت فاكر إنك مسافر الغردقة يا شريف؟ ولا دبي؟”
نرمين لسانها اتقل: “ع.. عمي؟ أنت عايش؟ ازاي؟ دكتور رأفت قال..”
عادل جلال ضحك بسخرية: “دكتور رأفت ده صاحب الشناوي من قبل ما أنتي تتولدي يا شاطرة. والتمثيلية اللي شوفتوها في الفيلا دي كانت عشان تخرجوا بـ ‘الحرز’ بنفسكم وتثبتوا نية السرقة والهروب.”
شريف بدأ يعيط بانهيار ويمسك في رجل أبوه: “بابا! سامحني يا بابا! هي السبب! نرمين هي اللي وزتني! هي اللي جابت البودرة وقالت لي هنعمل كذا وكذا! أنا ابنك يا بابا.. ارحمني!”
مصطفى زق رجل شريف بعيد عنه بقرف، وبص للظابط وقال: “اتفضل يا فندم. الفيديو اللي معاك فيه تخطيطهم للقتل بالسم، والشنطة دي فيها أموالي وعقود شركتي اللي سرقوها من الخزنة بعد ما افتكروا إني مِت. الجريمة كاملة الأركان.”
العقيد قرب وقيد إيدين شريف ونرمين بالكلابشات. نرمين بدأت تصرخ وتسب وتلعن في شريف وفي مصطفى، وشريف كان بيجر رجله في الأرض وهو بيبكي زي الأطفال و يصرخ: “يا بابا مش هعيش في السجن! هتموتني يا بابا!”
مصطفى وقف باصص ليهم والكلابشات في إيديهم وهم بيتجروا قدام الناس في المطار. شريط عمره كله عدا قدام عينيه، تعبه في تربية ابنه، حبسه لكل أسراره عشان يحميه، وفي الآخر نهايته كانت هتبقى بفنجان شاي مسموم من إيد البنت اللي دخلها بيته.
عادل جلال حط إيده على كتف مصطفى: “خلاص يا مصطفى.. العدل أخد مجراه. الراجل مات، والشناوي فضل.”
مصطفى لف ضهره ومشي ناحية الباب، وهو حاسس بوزن سنينه كلها فوق كتافه. ركب عربيتة مع عادل، ورجعوا الفيلا.
لما دخل الفيلا، لقى أم السعد مستنياه بدموعها. مصطفى بص لها وقال: “البيت بيتك يا أم السعد، ومن بكره الفيلا دي هتتكتب باسمك وباسم عيالك، أنتي اللي صونتي العيش والملح.”
قعد مصطفى في مكتبه، بص للكرسي الفاضي اللي شريف كان حاطط رجله عليه. فتح الدرج السري، وطلع منه الدوسيه الأزرق الحقيقي، وولع ولاعة ورماها في العقود، وفضل باصص للنار وهي بتاكل كل الأراضي والشركات اللي عاش حياته بيجمعها عشان ابن ما يستاهلش.
النار كانت بتنور الوش العجوز في الضلمة، ومصطفى الشناوي أخد نفس طويل، وعرف إن الرحلة انتهت، بس النهاية، هو اللي كتبها بإيده.النار كانت بتاكل العقود والورق، ورماد الإمبراطورية اللي بناها الحاج مصطفى الشناوي كان بيتطاير في هوا المكتب الضلمة، كأنه بيعلن نهاية عصر كامل. بس وسط صوت الحريق الهادي، موبايل مصطفى رن.
رنة غريبة، رقم مش متسجل.
مصطفى بص للموبايل بنظرة باردة، ورد وصوته لسه فيه شرخ الحزن: “أيوة.. مين؟”
جاله صوت ضحكة خبيثة من الناحية التانية، ضحكة هزت كيانه ورجعت الدم يغلي في عروقه من تاني. الصوت قال له: “فاكر إنها خلصت يا شناوي؟ فاكر إنك لما تحبس العيل الخايب ومراته الحرباية تبقى كسبت؟ أنت حرقت ورق مالوش قيمة.. الحوت الكبير لسه صاحي.”
مصطفى وقف على رجله، وعينيه اتسعت من الصدمة: “دكتور مدحت؟”
الصوت رد بنبرة كلها تحدي: “برافو يا حاج، لسه ذاكرتك حديد. شريف ونرمين كانوا مجرد عرائس خشب في إيدي، والبودرة اللي شربتها دي ما كانتش عشان تموتك فجأة.. دي كانت مجرد البداية. افتح الخزنة تاني يا شناوي، وبص في الرف الفوقاني خالص.. شوف السلاح اللي أنا سايبهولك جوه بيتك من سنين.”
الخط قطع.
مصطفى رما الموبايل وجري على الخزنة المفتوحة، مد إيده في الرف الفوقاني المستخبي، وصوابعه لمست حاجة غريبة.. علبة قطيفة سودا. فتحها بسرعة، ولقى جواها تقرير طبي قديم جداً بتاريخ من 15 سنة، وعينات دم، وورقة مكتوبة بخط إيد مراته الله يرحمها “كريمة”.
مصطفى فتح الورقة وإيديه بترتعش، وقرأ السطور الأولى اللي خلت الركبتين اللي شالوا جبال تتهد، والأرض تلف بيه. كريمة كانت كاتبة: “مصطفى.. لو قرأت الورقة دي يبقى أنا مِت، ويبقى مدحت نفذ تهديده. شريف مش..”
قبل ما يكمل قراية السطر، النور انقطع في الفيلا كلها فجأة، وصوت خطوات هادية وبطيئة بدأت تتحرك في الصالة بره المكتب، خطوات حد واثق وعارف تفاصيل البيت حتة حتة في الضلمة.
مصطفى حط الورقة في جيبه، وسحب طبنجته من درج المكتب، وعمرها في الضلمة، وهو حاسس إن السرداب اللي فتحه على نفسه مش هيقفل إلا بدم جديد.مصطفى وقف مكانه في الضلمة، كأنه تمثال خشب، كاتم نِفسه والطبنجة في إيده موجهة ناحية الباب. صوت الخطوات كان بيقرب.. هادي، ومنتظم، وبين كل خطوة والتانية ثقة مرعبة.
فجأة، صوت كبريت بيتشخط.
النور الضعيف بتاع عود الكبريت نوّر وش راجل واقف في فتحة باب المكتب. ملامحه هادية، شعره شايب تسريحة دقيقة، ولابس بالطو أسود شيك رغم المطر اللي بره. ده كان دكتور مدحت.
مدحت رمى عود الكبريت على الأرض وداس عليه برجله، ورجع المكتب للضلمة تاني، وقال بنبرة باردة: “نزل السلاح يا مصطفى. لو كنت عايز أقتلك، كنت متّ من 15 سنة يوم ما ماتت كريمة.”
مصطفى صوته طلع زي زئير الأسد العجوز: “أنت إيه اللي جابك هنا يا مدحت؟ ومراتي الله يرحمها علاقتها بيك إيه؟ انطق بدل ما أقسم قلبك نصين بالرصاص!”
مدحت ضحك ضحكة مكتومة، وولع قداحة فضة وساب نارها منورة بينه وبين مصطفى: “اضرب يا شناوي.. اضرب عشان تموت السر تماماً. بس قبل ما تضرب، كمل السطر اللي في جيبك. السطر اللي كريمة كتبته قبل ما أموتها بالبطيء بنفس البودرة اللي نرمين حاولت تديهالك.”
مصطفى إيده اترعشت، وبعين واحدة فضل مثبت السلاح على مدحت، وبالإيد التانية طلع الورقة من جيبه، وقربها من نور القداحة الضعيف. عينيه وقعت على السطر اللي مكملش قرايته:
“شريف مش ابنك يا مصطفى.. شريف ابن مدحت. هو هددني يقتلك ويخرب بيتك لو ما وافقتش أخليه يشيل اسمك ويورث إمبراطوريتك. أنا فضلت الموت على إني أكسرك، بس كان لازم أقولك الحقيقة.”
الدنيا لفت بمصطفى. الصدمة المرة دي ما كانتش سهم في الضهر، دي كانت رصاصة في النخاع. 30 سنة عايش في وهم، بيربي، ويكبر، ويحمي، ويداري على بلاوي عيل سِكّير وخاين، وفي الآخر يطلع مش ابنه! ويطلع ابن الراجل اللي واقف قدامه بكل برود!
مصطفى نزّل السلاح غصب عنه، كأنه فقد القدرة على الحركة، وهمس: “يعني.. شريف.. ابنك أنت؟”
مدحت قفل القداحة ورجع الضلمة تاني: “أيوة ابني. أنا اللي وزيت نرمين عليه، وأنا اللي خططت لكل حاجة عشان يورثك بالـقانون، وياخد الشناوي جروب كلها، وتبقى فلوسك وشقا عمرك رجعوا لأصحابهم الحقيقيين. بس الغبي.. الغبي طمع واستعجل، ومشى ورا كلام حرمه وبوظوا طبختي اللي بقالي سنين بسويها على نار هادية.”
مصطفى حس بمرارة في بقه، بس التعلب العجوز جواه ما ماتش. سحب نفس طويل، وقال بصوت رجع قوي وثابت فجأة: “وطالما الطبخة باظت، وابنك الخايب لابس الكلبشات ورايح لـحبل المشنقة بتهمة التآمر على قتلي والسرقة.. جاي هنا ليه دلوقتي؟”
مدحت قرب خطوة، وصوته بقى حاد زي الموس: “جاي أخلص الحساب القديم. شريف ضاع، والإمبراطورية ضاعت.. يبقى مفيش داعي تعيش أنت كمان وتتهنى بيها. البودرة اللي في الشاي يا مصطفى، أنت ما دلقتاش كلها في الزرع.. نرمين حطت لك منها في دوا الضغط بتاعك من أسبوع، والنسبة وصلت للدم وخلاص بتلعب في كهربا قلبك. خمس دقايق بالظبط، والشناوي هيبقى مجرد تاريخ.”
مصطفى ابتسم في الضلمة، ابتسامة نورت وشه العجوز بهيبة مرعبة، ورفع الموبايل اللي في إيده التانية.. شاشته كانت منورة، وكان فيه مكالمة شغال عدادها بقالها 10 دقايق.
مصطفى قال بهدوء: “أنت دكتور شاطر يا مدحت، بس حمار في السوق. فاكرني هقعد معاك من غير ما أأمن نفسي؟ المكالمة دي مع سيادة العقيد اللي لسه قابض على ابنك في المطار.. وهو بره باب الفيلا دلوقتي وسامع اعترافك كله بالصوت والصورة، من أول قتل كريمة لحد اعترافك بالسم.”
وش مدحت اتقلب، وفي ثانية واحدة، الباب الخارجي للفيلا اتهد، وكشافات الشرطة نوّرت المكان كله. مدحت حاول يهرب ناحية شباك المكتب، بس أمناء الشرطة هجموا عليه زي الضباع وكلبشوه في لِحظة.
العقيد دخل وبص لمصطفى باحترام: “حمد الله على سلامتك يا حاج مصطفى. أظن كدا الحساب قفل تماماً.”
مصطفى هز راسه بتعب، وبص لمدحت وهو بيتجر بره الفيلا وهو بيصرخ وبيلعن.
لما الفيلا فضيت تماماً، والنور رجع اشتغل، مصطفى قعد على كرسيه. كان حاسس بوجع في صدره، مش من السم، من قهرة الدنيا. بص للرماد بتاع العقود اللي لسه في الأرض، وبص لصورة كريمة المتعلقة على الحيطة.
مسح دمعة هربت من عينيه، وأخد نفس طويل.. نفس راجل خسر كل حاجة، بس كسب كرامته. قفل النور بإيده، وخرج من الفيلا، وساب وراه كل السنين والفلوس، وقرر يعيش الباقي من عمره في هدوء، بعيد عن دنيا ما تسواش.



