سفينه الهلاك

صعق مما قرأه، ولولا معرفته بخط ابنته لكان اتهمه بالكذب، هرول مسرعًا لغرفة ابنته ولحق به أحمد غير عابئ بدخوله لمنزل ذلك السليط، فتح باب غرفة ابنته على مصرعيها، فاندهش حينما وجدها ترتدي اسدال صلاتها وتمسك بيدها كوب من المياه وباليد الاخرى قرص (الغلة) ، تستعد لتناوله، عينيها المتورمة من البكاء نقلت له بنظرتها ما خاضته طوال تلك الساعات، انتقلت عينيها البنية لمن يقف خلف ابيها، فابتسمت وهي تهمس بصوتها الشاحب:
_أحمد!
تخطئ ابيها وأسرع اليها، فابعد ما تحمله عن يدها وهو يعاتبها بوجعٍ:
_ماذا تفعلين بحق الله؟ هل جُننتي!
تدفقت دمعاتها بحرقةٍ وهي تتأمله، وقال بصوتها المحتقن:
_سأفعل أي شيء حتى لا أكون لغيرك..حتى وإن اختارت المو.ت.
واستطردت ببسمة صغيرة تعاكس دمعاتها:
_ألم تفعلها من قبل.. اختارت السفر للخارج بتلك الطريقة من اجل الزواج بي!
خانته دمعاته،ومع ذلك جاهد لخروج صوته الثابت:
_أنا لا أناسبك أسمهان..فلتنسي أمري وامضي حياتك مع من اختاره لكِ أبيكِ.
جذبت الحبة عن يده وهي تواجهه بانكسار:
_ حسنًا.. المو.ت أهون لي حينها.. ولا تظنها المرة الاخيرة التي سأحاول بها التخلص من حياتي.
كادت بوضعها بفمها وأحمد عاجز عن انتشالها منها، فلم تتوقف الا حينما تحرك أباها وقال بدموع انهمرت لتزيح قسوته حينما شعر بأنه على حافة فقدان ابنته الوحيدة:
_لا تفعلي يا عزيزتي.. لست امانع ارتباطك بأحمد.. سأفعل أي شيء لأجلك.. والآن القى ما بيدك.
تطلعت اليه بعدم تصديق، فوزعت نظراته بينه تارة وبين أحمد تارة اخرى، وضعت الكوب عن يدها وابتعدت لتسجد على سجادة صلاتها سجدة شكر لما نجدها الله من ارتكاب ذنب كبيرًا كالانتحار، انقاذها من المو.ت وهي تحمل اثمًا كبيرًا هكذا..
خرج أحمد من غرفتها وقبل أن يخرج من منزلها قال لابيها:
_أعلم بأن رفضك لي من البداية لاجل ابنتك،لك الحق باختيار الصالح لها،لذا أعدك بأنني لن أعود لخطبتها الا وأنا أستحقها حتى وإن تطلب الأمر أن أعمل ليلًا ونهارًا.
وخرج لمنزله وعقله عاجز عما سيمضي به، فعاد لعمله الذي بغضه يومًا لمبلغه الضئيل الذي يمنحه له صاحب الورشة، ومع ذلك لم يشعر بالضجر مثلما كان يفعل، كان يحرص كل شهرٍ أن يوفر جزء من المال، حتى تمكن بعد عامًا كاملًا من شراء مستلزمات مهنته بتصليح السيارات، وقام بفتح الچراج الخاص بمنزله، وحوله لورشة كاملة جاهزة لاستقبال السيارات، قضى أول شهرًا محطمًا كليًا حينما لم يجني افتتاح ورشته ثمارها، ومع ذلك لم يستسلم وبرقبته وعدًا لحبيبته ومسؤولية عائلته، ومع أول (زبون) زاره رسم بسمة الأمل، وخاصة حينما أخبره:



