هدوء الليل

الدخان طلع من بقّه ببطء وراسم على وشّه ابتسامة باردة ومستفزة، وأنا واقفة مكاني مش قادرة آخد خطوة واحدة لورا، حاسة إن الأرض بتلف بيا والسر اللي مخبياه عن العالم كله اتمسح في كلمة واحدة منه. حاولت أجمع ثباتي الانفعالي، بلعت ريقي بالعافية وقلتله بصوت هزّ ملامحه الخوف: “أنت مين؟ وعايز إيه؟” رمى السيجارة على الأرض وداس عليها بجزمته وهو بيقرب مني خطوتين، وعينيه لسه حادة ومثبتة في عيني، وطلع صوته الهادي تاني: “مش مهم أنا مين، المهم إنك ياسمين الدمنهوري، اللي أبوها قالب الدنيا عليها دلوقتي عشان طفشت من حفلة الشغل الكبيرة وموجودة في سباق غير قانوني وسط الشوارع”. قلبي دق بسرعة جنونية لما افتكرت الحفلة اللي هربت منها، وبصيت حواليا بخوف ليكون حد من رجالة أبويا مراقبني، بس هو ضحك ضحكة خفيفة وقال: “متقلقيش، أنا مش تبع أبوكي.. أنا سيف، وبقالي فترة بتابع الشبح اللي مكسر السباقات هنا، ومكنتش متخيل إن الشبح ده يطلع بنت راجل الأعمال اللي بينا وبينه حسابات قديمة أوي”. الكلمة الأخيرة دي نزلت عليا زي الصاعقة، حسابات قديمة؟ يعني هو مش مجرد واحد عرف سري بالصدفة، ده قاصدني وقاصد أبويا، ولما افتكرت إنه سابني أكسب السباق بمزاجه، فهمت إنها مكنتش جدعنة، دي كانت بداية لعبة كبيرة هو اللي بيحرك خيوطها. قرب مني أكتر لدرجة إني شميت ريحة برفانه المختلطة بريحة بنزين العربيات، وميل راسه وقال بهمس يرعب: “سبتك تكسبي النهاردة عشان متبوظيش هيبتك وسط الناس، بس من بكرة.. اللعب بجد، والسر ده تمنه غالي أوي يا بنت الدمنهوري، استني مني مكالمة”. سابني واقفة في مكاني، جسمي كله بيترعش من الصدمة، وركب عربيتة السودا وطار بيها في وسط الضلمة، وسابني محتارة وميتة من الرعب: يا ترى سيف ده ناوي على إيه؟ والسر اللي كان بيهربني من خنقة حياتي، هيتحول للكابوس اللي هيدمر عيلتي كلها؟العربية السودا اختفت في لمح البصر، سابت وراها خطين كوتش سود على الأسفلت ودخان مكتم مالي المكان، وأنا واقفة في مكاني زي الصنم. رجلي مش شايلاني، الخوذة في إيدي تقلت وكأنها حجر، والوش اللي حواليا وصوت الأغاني والمهرجانات اللي شغالة من عربيات الشباب بدأ يرجع لودني بالتدريج بعد ما كان مكتوم تماماً من الصدمة. سيف.. الاسم رن في دماغي وزلزل كل حتة فيا. حسابات قديمة؟ يعني إيه حسابات قديمة؟
لميت نفسي بالعافية، وحاولت أمشي بخطوات ثابتة عشان الميكانيكية بتوعي والشباب اللي في المكان ميحسوش بإن في حاجة غلط. ركبت عربيتي، قفلت الإزاز وبقيت لوحدي في الكابينة. شميت ريحة الجلد والعرَق والبنزين، الريحة اللي كانت دايماً بتديني إحساس بالحرية، النهاردة كانت خانقاني. حطيت إيدي على الدريكسيون وبقيت أبص لبرة من الإزاز الفيميه. الناس لسه بتهتف باسم “الشبح”، مش عارفين إن الشبح ده خلاص اتقصت ضوافره واتكشف ضهره.
دورت الموتور، الزئير بتاعه المرة دي مكنش حماسي، كان أشبه بأنين. طلعت بالعربية من ورا المصانع ودخلت على طريق أكتوبر الصحراوي، وبقيت أدوس بنزين مش عشان أكسب، المرة دي عشان أهرب. أهرب من فكرة إن حياتي المثالية المزيفة وحياتي السرية الحقيقية خبطوا في بعض في حادثة مروعة، واللي سايق العربية التانية هو شاب اسمه سيف، معاه مفتاح تدميري.
وصلت التجمع على الساعة اتنين بعد نص الليل. الشوارع كانت هادية، الفيلات الكبيرة نايمة في سلام ظاهري، بس جواها أسرار تهد جبال. ركنت عربيتي المتعدلة في الجراج السري اللي مأجراه باسم مستعار بعيد عن الفيلا بمسافة مش كبيرة، ونزلت مشي. هدوء الكومباوند كان بيستفزني، كل فيلا من دول وراها حكاية، بس حكايتي أنا شكلها هتبقى على كل لسان قريب.
تسللت من الباب الوراني للفيلا، عديت من المطبخ وطلعت السلم الرخام بخطوات زي القطط. أول ما دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، رميت نفسي على السرير بهدوم السباق وبقيت أبص للسقف. السقف العالي، النجفة الكريستال، الأوضة اللي مساحتها قد شقة كاملة، كل حاجة بتصرخ “فلوس ونفوذ”، بس أنا كنت حاسة إني مسجونة في قفص دهب، والنهارده السجان اتغير وبقى ليه وش مرعب.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط قوي على الباب. قمت مخضوضة، بصيت في المراية، وشي كان شاحب وعيني منمتش غير ساعتين. غيرت هدومي بسرعة ولبست فستان رقيق وهادي، الوش اللي أبويا وأمي بيحبوه. فتحت الباب لقيت داده مريم واقفة وبتقولي بقلق: “ياسمين هانم، فريد بيه قالب الدنيا وعايزك في مكتبه فوراً”.
بلعت ريقي. يا ترى عرف؟ هل سيف كلمّه؟ ولا الحفلة بتاعة إمبارح هي السبب؟ نزلت السلم وكل خطوة كانت بتوزن طن. وصلت لباب المكتب الخشب الأرو الكبير، خبطت ودخلت.
أبويا، فريد الدمنهوري، كان واقف ومديني ضهره، بيبص من الشباك الإزاز الكبير على الجنينة واللاوند المتقص بالمشط. راجل في أواخر الخمسينات، شعره الأبيض على الجناب بيديله وقار، وبدلته اللي متفصلة مخصوص بتعكس نفوذه. أول ما سمع صوته، لف وبصلي بنظرة حادة زي الموس.
”كنتي فين إمبارح يا ياسمين؟” صوته كان واطي، والهدوء ده عند أبويا معناه إعصار.
”أنا.. جالي صداع نصفي شديد يا بابا في الحفلة، ومحبتش أبوظ الأجواء أو ألفت الانتباه، فطلبت عربية ورجعت هنا نمت عل طول”، كدبت الكذبة اللي مجهزاه من بالليل، وحاولت أخلي صوتي ناعم ومفيش فيه أي رعشة.
قرب مني، حط إيده على كتفي وضغط ضغطة خفيفة بس كانت كفيلة تفكرني بمكاني: “انتي عارفة يعني إيه بنت فريد الدمنهوري تختفي من حفلة توقيع أكبر صفقة في تاريخ الشركة؟ عارفة إن الصحافة كانت بتسأل عليكي؟ إحنا مش ناس عادية يا ياسمين، إحنا اسم.. والاسم ده لازم يفضل نضيف ومثالي. تصرفات المراهقة دي مش عايزها تتكرر، مفهوم؟”
”مفهوم يا بابا، آسفة”، قلتها وأنا ببص في الأرض، مش من الاحترام، لكن من الخوف لا يشوف في عيني حقيقة “الشبح”.
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن جبل انزاح من على نفسي، بس الجبل الأكبر لسه مستنيني. رجعت أوضتي، ومسكت تليفوني. قعدت الساعات اللي بعد كده زي اللي مستنية حكم الإعدام. كل رنة تليفون كانت بتخلي قلبي يقف. مين سيف ده؟ وبيدور ورا أبويا ليه؟
على الساعة خمسة المغرب، التليفون رن. رقم غريب، مش متسجل.
خطفت التليفون وفتحت الخط بسرعة، ورحت في حتة ضلمة في البلكونة. “ألو؟”
جالي صوته الثابت، الهادي، اللي بيفكرني بريحة الكاوتش المحروق: “مساء الخير يا بنت الدمنهوري. لسه عايشة في دور البنت العاقلة؟”
”أنت عايز إيه يا سيف؟ اخلص وقولي طلباتك، عايز فلوس؟” قلتها بنبرة حدة بحاول أداري بيها رعشتي.
ضحك ضحكة قصيرة مستفزة: “فلوس؟ لو كنت عايز فلوس كنت كسبت السباق إمبارح وأخدت الرهان، بس أنا فلوس أبوكي مش هي اللي هتشفي غليلي. أنا عايزك انتي”.
”أنا؟ أنت اتجننت؟”
”متفهميش غلط يا قطة”، صوته اتحول لجدية تخوف، “أبوكي من عشر سنين دمر شركة أبويا، أخد منها العقود بالرشوة والنفوذ، وخلى أبويا يقضي بقية عمره في المستشفيات بجلطة لغاية ما مات مقهور. أنا مش عايز فلوسك، أنا عايز أكسر مناخير فريد الدمنهوري في أغلى حاجة عنده.. فيكي انتي، في سمعتك المثالية اللي بيتباهى بيها قدام مجتمع رجال الأعمال”.
دموعي نزلت من الصدمة، بس مسحتها بسرعة: “وأنا مالي بكل ده؟ أنا ذنبي إيه في صراعاتكم؟”
”ذنبك إنك بنته، وذنبك الأكبر إنك اديتيني الس..لاح اللي هقتله بيه من غير ولا نقطة دم. بكره بالليل، في سباق كبير أوي في السخنة. سباق الموت، مفيش فيه قوانين، والرهان المرة دي مش فلوس، الرهان هيبقى سرك. لو جيتي وكسبتيني، هقفل الصفحة دي وأنسى إن شفتك، وسرك هيموت معايا. لو مجيتيش، أو جيتي وخسرتي.. الفيديوهات والصور اللي معايا ليكي وانتي بتسوقي وبتتعاملي مع الميكانيكية في الورش هتكون على مكتب أبوكي وعلى صفحات السوشيال ميديا قبل ما الفجر يطلع. قدامك ٢٤ ساعة يا ياسمين.. فكري كويس”.
الخط قطع.
بقيت واقفة في البلكونة والهوا بيطير شعري، بس الهوا كان بارد زي التلج. اللعبة كبرت، ومبقتش مجرد هروب من الخنقة، دي بقت معركة حياة أو موت. سباق السخنة؟ ده طريق كله ملفات خطيرة وعلى جبل، والغلطة فيه بروح البني آدم.
قضيت الليلة دي بجهز. كلمت الأسطى عبده، الميكانيكي بتاعي اللي بأثق فيه وعارف سري من زمان. قلتله يعدل الموتور ويزود نيتروجين، ويراجع على الفرامل مية مرة. مكنتش قادرة أقوله السبب، بس هو حس من صوتي إن في كارثة.
”يا بنتي، السباق ده خطر عليكي، طريق السخنة بالليل بيبقى ضلمة كحل والشباب اللي هناك مبيسموش”، عبده قالها بخوف أبوي.
”لازم أتسابق يا عبده، مفيش حل تاني. ظبطلي العربية وأنا هكون عندك بكره بالليل”.
يوم السباق، الأجواء في البيت كانت عادية، ومحدش حاسس بالبركان اللي جوايا. نزلت اتعشيت مع أبويا وأمي، وكانوا بيتكلموا عن البورصة والأسهم، وأنا كنت ببص لأبويا وأقول في نفسي: “يا ترى أنت فعلاً دمرت عيلة سيف؟ يا ترى المثالية دي كلها وراها قهر للناس؟”
على الساعة عشرة بالليل، ادعيت إني تعبانة ودخلت أوضتي. استنيت لغاية ما البيت كله هدي، ولبست لبس السباق الأسود بتاعي، وخرجت من نفس الباب الوراني. المرة دي، مكنتش حاسة بالخوف، كان في طاقة غضب وجنون جوايا مخلية قلبي ميت.
وصلت السخنة. المكان كان مرعب بالمعنى الحرفي. العربيات واقفة على جنب الطريق الجبلي، كشافات النور بتضرب في السماء، وصوت المزيكا العالي بيرج الجبل. الجو كان حر، وريحة البحر مختلطة بريحة الكاوتش والسجائر.
نزلت من العربية، لمحت سيف واقف بعيد، لابس جاكيت جلد أسود وساند على عربيتة السودا اللامعة، وكأنه ملك المكان. أول ما شافني، رفع راسه وابتسم ابتسامة تحدي. مشيت ناحيته بخطوات ثابته، ووقفت قدامه.
”جيتي.. كنت واثق إنك هتيجي، بنت الدمنهوري متعودة تاخد التحدي”، قالها وهو بيبص في عيني.
”أنا هنا عشان أنهي القصة دي يا سيف. السباق ده هتكسب فيه ياسمين الشبح، وسرك والماضي بتاعك هتدفنهم هنا في الجبل”، صوتي مكنش فيه أي تراجع.
”هنشوف”، قالها وهو بيلبس خوذته، “السباق هيبدأ من هنا، وهينتهي عند أول بوابة في السخنة. الطريق طوله ٢٠ كيلومتر كله ملفات ومطبات.. اللي يوصل الأول ياخد كل حاجة”.
ركبت عربيتي، ربطت حزام الأمان الرباعي، ولبست الخوذة. حطيت إيدي على الفتيس، ورجلي على الدبرياج والبنزين. العربية كانت بتترعش تحتي من قوة الموتور بعد التعديل. سيف وقف بعربيته جنبي، وبصينا لبعض من ورا الإزاز.
شاب من المنظمين وقف في النص، رفع راية بيضا.
قلبي كان بيدق زي الطبلة، بس عيني كانت مركزة على الطريق الضلمة قدامي اللي منور بكشافات العربيات بس.
الراية نزلت.
العربيتين طاروا في نفس اللحظة. الكاوتشات صرخت على الأسفلت وطلعت دخان أبيض كثيف. سرعتنا وصلت لـ ١٠٠ كم في ثواني. سيف كان سايق بوحشية، مش هاممه أي حاجة، بيقفل عليا الطريق في كل ملف. الجبل كان على يميننا والهاوية على شمالنا، وأي غلطة بنص ملي معناه إن العربية هتتقلب من فوق الجبل.
في أول ٥ كيلومتر، سيف كان سابقني بنص عربية. كنت بحاول أعديه من اليمين، بس هو كان بيقرأ حركاتي ويقفل الزاوية بذكاء رهيب. الغضب جوايا بدأ يتحول لتركيز أعمى. افتكرت خنقة حياتي، افتكرت تحكم أبويا، واكتشفت إن السباق ده مش عشان أحمي سري وبس، السباق ده عشان أثبت لنفسي إني مش مجرد عروسة خشب في بيت فريد الدمنهوري.
دخلنا في منطقة ملفات ورا بعض، شبه حرف S. هنا بيبان السواق اللي بجد، مش اللي معاه موتور أقوى. دست فرامل خفيفة مع غرزة دريكسيون يمين في شمال، عملت “دريفت” مثالي، العربية لفت معايا على حركرك، وبقيت جنبه بالظبط، الإكصدام في الإكصدام.
بصيت عليه لمحة سريعة، شفته بيبصلي بنظرة ذهول، مكنش متوقع إن البنت الرقيقة بتاعة التجمع تقدر تعمل المناورة دي على طريق السخنة.
دوسنا بنزين مع بعض، والسرعة عدت الـ ٢٠٠ كم. الهوا كان بيخبط في العربية بقوة، وصوت الموتور كان بيزلزل وداني. البوابة بدأت تبان من بعيد، الأنوار بتاعتها بدأت تظهر وسط الضلمة. البوابة يعني النهاية.. يعني الخلاص أو الدمار.
فاضل كيلومتر واحد. عربيتي وعربيته لازقين في بعض، مفيش حد سابق التاني بسنتيمتر. سيف بدأ يضغط عليا، بيكسر عليا ناحية الجبل عشان يخليني أخاف وأدوس فرامل. صخر الجبل كان قريب من مراية عربيتي لدرجة إن شرار بدأ يطلع نتيجة الاحتكاك الفظيع.
”مش هخاف يا سيف.. مش هخاف”، صرخت بقوة جوا الخوذة ودست بنزين لآخر الدواسة، وفتحت النيتروجين.
العربية خدت دفعة مرعبة، طارت لقدام، وعديت عربية سيف بمقدار مترين. لمحت البوابة قدامي وخلاص هعدي خط النهاية وأعلن فوزي..
وفجأة.. ومن غير أي مقدمات.. ظهرت مقطورة نقل كبيرة مفيش فيها أنوار ورا، خارجة من لفة جانبية وبتقفل الطريق كله قدامنا!
عيني اتسعت من الرعب، السرعة فوق الـ ٢٠٠، والمسافة بيني وبين المقطورة مفيش.. لو دوست فرامل العربية هتتقلب وتنفجر، ولو كملت هدخل تحت المقطورة وأموت في ثواني! سيف ورايا ومفيش مساحة يهرب هو كمان.
في اللحظة دي، وفي جزء من الثانية، شفت الموت بعيني، والوقت كأنه وقف تماماً..اللحظة دي مكنش فيها وقت للتفكير، كان في بس غريزة البقاء والجنون اللي اتعلمته في الشوارع. لمحت حتة ممر ترابي ضيق جداً بين المقطورة وجسم الجبل، ممر ميكفيش عربية كاملة، بس مكنش عندي حل تاني.
بمنتهى العنف، كسرت الدريكسيون يمين ونزلت غيارين للموتور عشان أتحكم في الثبات. العربية صرخت، والجنب اليمين كشط في صخر الجبل بوشرار نار ملى الإزاز، والجنب الشمال كان بينه وبين عجل المقطورة سنتيمترات. سيف ورايا شاف اللي عملته، ولمح الممر ورايا، وبحركة انتحارية كسر ورايا بالظبط مستغل الفراغ اللي أنا فتحته.
عدينا إحنا الاتنين من جنب المقطورة وكأننا رصاصتين خرجوا من مسد..س واحد. أول ما طلعنا الأسفلت الفاضي تاني، دست فرامل اليد مع غرزة شمال عشان أسيطر على العربية اللي كانت بتلف مني، ووقفت بالظبط بعد خط النهاية بامتار، والموتور بيطلع دخان من كل حتة. عربية سيف وقفت جنبي بالظبط، وصرير كوتشاته كان بيهز السخنة كلها.
قعدت في كابينة العربية ونفسي سريع ومرعوب، قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة إنه هيطلع من صدري. قلعت الخوذة ورميتها على الكرسي اللي جنبي، وفتحت الباب ونزلت وأنا رجلي بتترعش. بصيت على عربيتي، الجنب اليمين كله اتمسح والصاج اطبق، بس أنا عايشة.
سيف نزل من عربيته هو كمان. مكنش بيضحك، ولا راسم الابتسامة الباردة دي. كان وشه شاحب، وعينيه فيها نظرة ذهول ورعب حقيقي، كأنه مش مصدق إننا خرجنا من بطن الموت. مشي ناحيتي بخطوات سريعة، ووقف قدامي وهو بياخد نفسه بصعوبة.
”انتي مجنونة؟” صوته طلع عالي وفيه نبرة خوف حقيقية لأول مرة، “كنتي هتموتي يا ياسمين! كنتي هتموتي عشان سباق؟”
بصيتله وعيني مليانة دموع، بس دموع غضب وقوة، وقربت منه وصرخت في وشه: “أنا مكنتش بموت عشان سباق! أنا كنت بموت عشان حريتي! عشان أثبتلك وأثبت لأبويا ولكل العالم إن مفيش حد يقدر يملي عليا شروطه أو يكسرني! أنا كسبت يا سيف.. كسبت السباق وكسبت حياتي، ودلوقتي سرّي هيفضل معايا، وحساباتك مع أبويا صفيها بعيد عني!”
سيف سكت تماماً. بص للأرض، وبعدين بصلي ونظرة التحدي والانتقام اللي كانت في عينيه اختفت، وحل مكانها احترام حقيقي وصادق. رجع خطوة لورا، طلع تليفونه من جيبه، ومسح الفيديوهات والصور قدام عيني، ولف الشاشة ليا عشان أتأكد.
”سرك في أمان يا ياسمين”، صوته رجع هادي بس المرة دي كان هدوء مفيش فيه خبث، “أنا كنت فاكرك مجرد بنت فرفورة عايشة في قفص دهب وبتتسلى، ومكنتش أتخيل إنك بتسوقي بقلب ميت كدا، ولا إنك شايلة جواكي كل الوجع ده من عيشتك. أبوكي دمر عيلتي، بس انتي ملوكيش ذنب. السباق انتهى.. وانتي اللي كسبتي كل حاجة.”
لف ضهره وركب عربيتة، ودور الموتور وطلع ببطء في طريق العودة للقاهرة، وسابني واقفة لوحدي تحت أنوار بوابة السخنة.
بصيت للسماء، وخدت نفس طويل وعميق لأول مرة من سنين. حسيت إن الخنقة اللي كانت في صدري اختفت تماماً. ركبت عربيتي المتبهدلة، ودورتها، ورجعت على بيتنا وأنا حاسة إني اتولدت من جديد. ياسمين الدمنهوري المثالية لسه موجودة قدام الناس، بس جواها “الشبح” اللي مبيخافش من الموت، واللي محدش في الدنيا كلها هيقدر يكسره تاني.




