انت بطلي

تبكي الظلم ..
و تبكي الغدر ..
تبكي شرفها ..
و تبكي عملها الذي تحبه ..
ظلت تبكي لساعات حتى أعياها البكاء و نامت مجهدة ..
**********
كان المساء قد حل حين استعد إبراهيم للذهاب لصافي .. و سلم على أمه و هم بالخروج و لكنه توقف للحظات مفكرا .. إنه ﻻ يريد أن ينفرد بصافي مرة أخرى .. فهو ﻻ يدري أيستطيع أن يكبح جماح نفسه هذه المرة أم ﻻ ..
فالتفت إلى أمه قائلاً : بقولك يا أمي ما تيجي معايا ؟
استعجبت أمه قائلة : آجي معاك ! بس أنا ماستعدتش .. مش كنت تقولي من بدري !
تقدم إليها إبراهيم مستحثاً إياها :يللا بس أنا هقعد أستناكي .. مينفعش أخطبها لوحدي بطولي كدة ..
قامت أمه متعجبة و هي تقول : و هي يعني لسه هتعرفك ..
قال لها إبراهيم برجاء : يللا بس يا أمي ..
قالت له بنفاذ صبر :طيب طيب بس متسربعنيش كدة ..
جلس إبراهيم ينتظر أمه حتى إنتهت من ارتداء ملابسها و اصطحبها معه في سيارته إلى منزل صافي .. و لم ينس و هو في طريقه أن يشتري لها هدية قيمة من أغلى العطور الفرنسية ..
دخل إبراهيم العمارة مع أمه و ألقى على الحارس التحية و هو يبتسم قائلا : السلام عليكم .. ازيك يا راجل يا طيب ..
تعجب الحارس من تبدل حاله هكذا و رد عليه التحيه : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .. أهلا و سهلا يا سعادة البيه
سأله إبراهيم و هو يتجه للمصعد : صافي فوق مش كدة ..
أومأ الحارس برأسه إيجابا مؤكدا على كلامه ..
فشكره إبراهيم و دلف هو و أمه إلى المصعد ..ليصعد بهما إلى شقة صافي .. التى مازالت نائمة ..
دق إبراهيم جرس الباب مرة و مرة .. فانتبهت صافي من نومها و فتحت عينيها المتورمتين بصعوبة .. مستنكرةً من ذا يا ترى الذي سيزورها اﻵن ..
ذهبت و نظرت من خلف الباب فوجدته إبراهيم .. و كانت تشتاق إليه كثيرا خاصةً و هي في هذه الحالة .. ففتحت بسرعة و ألقت نفسها في ح-ضنه باكية و هي تقول : إبراهيم .. أنا محتاجالك قوي .. و ظلت تبكي …
توتر إبراهيم من فعلتها تلك و من منظرها .. و شعر بالحرج الشديد من أمه ، التي تعجبت من فعلتها هي اﻷخرى و من منظرها ..
فإلى جانب ملابسها التي لم تعتد أن تراها بها ، و التي لا تستر كل جسدها .. كانت عيناها متورمتان و الكحل التى كانت تضعه في عينيها قد سال محدثا خطين أسودين على وجنتيها ..
كان حالها يدعو للشفقة .. و لكنها تنحنحت منبهةً صافي لوجودها ..
التفتت صافى إليها و تركت إبراهيم لتحتضنها باكية و هي تقول : ماما .. الحمد لله إن إنتوا جيتوا أنا كنت محتاجالكوا قوي ..
ربتت عليها أم إبراهيم و سألها إبراهيم منزعجا : فيه إيه بس مالك .. إهدي أرجوكي عشان نفهم إيه اللي حصل ..
ظلت صافي تبكي بشدة في حض-ن أم إبراهيم و لا ترد ..
فتوتر إبراهيم و تلفت حوله قائلا : طب ندخل جوه ممكن !! بدل وقفتنا عالسلم دي !!
فقالت أم إبراهيم و هي تؤمِّن على كلام إبنها : أيوة صح .. تعالى ندخل جوه ..
دخلوا جميعا ، و صافى تسير و هي ما زالت متعلقة بأم إبراهيم لا تريد أن تبتعد عنها .. أغلق إبراهيم الباب خلفهم و جلسوا على مقاعد غرفة الاستقبال .. و هو يقول لها : لازم تتكلمي فيه إيه قلقتيني عليكي ..
نظرت صافي بعيون باكية و قالت بكلمات متقطعة بنشيجها : فصلوني من الشغل و كانوا بيبصولي بصات رهيبة !!
و عادت للبكاء مرة أخرى .. ربتت عليها أم إبراهيم .. محاولة تهدئتها .. و تراجع إبراهيم في مقعده و هو يزفر حانقا .. و لاذ بالصمت .. فقد كان يتوقع حدوث مثل ذلك ..
قالت أم إبراهيم لصافي محاولة تهدئتها : طب يا بنتي خلاص بقى كفاية كدة عياط .. اللي حصل حصل .. و اللي جرالك يا بنتي ييجي ايه في اللي بيجرا للناس .. استهدي بالله كدة يللا و و قومي اغسلي وشك .. و صلي ركعتين يهدوكي .. قومي بس يللا ..
انصاعت لها صافي و اعتدلت قائلة : حاضر يا ماما .. بس أنا ..
قاطعتها أم إبراهيم و هي تقول ولا بس ولا حاجة يللا .. و همت بالوقوف و هي تقول : يللا أنا هاجي معاكي .. و كمان أتفرج على شقتك الحلوة دي ما شاء الله .. و ابتسمت في محاولة منها لدفع صافي للابتسام و لكن صافي قامت في صمت متجهةً للحمام بصحبة أم إبراهيم ..
ظل إبراهيم في مجلسه صامتا و هو يشعر بالغضب و الحنق .. تزداد رغبته في الانتقام لصافي .. و لام نفسه على تلكؤه في البحث وراء الجناة .. و لكن الاحداث تتوالى و لا تترك له فرصة لإلتقاط الأنفاس ..
كان ما حدث لصافى هو عين ما يخشاه .. فقد اهتزت ثقتها في نفسها كثيرا بعدما رأت ردود الأفعال على الحادثة التي تعرضت لها .. و هو الذي كان يخفي عنها أي شيء يٌنشر فيه تشهير بها .. و يريها فقط ما يرفع قدرها و يعظم من كلمتها التي قالتها في وجه الظلمة ..
أحس بها ضعيفة للغاية عندما ارتمت في حض-نه كورقة شجر خريفية ذابلة .. كان يود لو احتضنها بدوره , ليسحب حزنها و يحبسه بين أضلعه و لا يراها تبكي هكذا أبدا ..
زفر ضيقاً و قام من مجلسه و اتجه للنافذه و فتحها ليتجدد هواء المكان ..
كانت منظر النيل الذي تطل عليه النافذة ساحرا .. فأخذ يتأمله و هو يفكر .. هل يفاتح صافي في الزواج الآن ليخرجها مما هي فيه .. أم أن الظروف لم تعد مواتية لأن يطلب منها طلباً كهذا ..
تنهد حائراً و هو يتابع قارباً مزداناً بالأضواء الملونة يشق مياه النهر و تعلو منه أصوات الزغاريد .. فاعتدل في وقفته مبتسماً و استبشر خيرا بهذا العرس الذي يمر من أمامه .. و قرر أن يتمم ما جاء من أجله ..




