كان بقالي ١٩ يوم بس خارجة من السجن. لحد وقتها، كنت كل ما أسمع باب بيتقفل، أقوم مفزوعة، فاكرة إن السجّان جاي يناديني. ودلوقتي… أختي داليا واقفة قدامي في جنينة بيت مش بتاعي، وبتهددني بكل برود. واللي وجعني أكتر… إنها كانت لابسة الساعة الدهب اللي بابا جابهالي قبل ما يتوفى. بصيت للظرف، وقلت بهدوء: خدي فلوسك… إنتِ وجوزي أخدتوا مني أربع سنين من عمري… مش هتعرفوا تشتروا اللي باقي. ابتسمت بسخرية وقالت: لسه فاكرة إنك تقدري تكسبينا؟ علشان تفهموا إزاي وصلت للحظة دي… لازم أرجع لأول يوم خرجت فيه من السجن. أنا ياسمين، عندي ٣٦ سنة. قضيت تقريبًا أربع سنين من حكم خمس سنين… في قضية تورطت فيها زوراً. قبل السجن… كان عندي شركة ناجحة لتوريد المستلزمات الطبية، وفيلا في الشيخ زايد، وجوز كنت فاكرة إنه سندي. لكن أول ما خرجت، ملقيتش معايا غير شنطة هدوم صغيرة، وحوالي ٥٠٠ جنيه، وسابقة جنائية قفلت في وشي أي باب رزق. جوزي “كريم” استولى على الشركة، وأختي “داليا” مسكت الحسابات، والفيلا اكتشفت أنها مرهونة من غير ما أمضي على ورقة واحدة. بعد محاولات فاشلة للبحث عن شغل بسبب ظروفي، شفت إعلان على واجهة سوبر ماركت في مدينة نصر: “مطلوب سيدة للإقامة الكاملة للرعاية المنزلية، المرتب ٣٠٠٠ جنيه أسبوعيًا”. مكنش عندي حاجة أخسرها، روحت العنوان في التجمع الخامس. فتحتلي الباب سيدة جليلة اسمها الحاجة “فطمة”، بملامحها الهادئة ووقارتها. سألتني لو أعرف أطبخ وأمسك حسابات، وابتسمت لما قلتلها إني أقدر أعمل الاتنين بكفاءة. قبل ما أوافق، صارحتها بكل حقيقتي وإني كنت في السجن. بصتلي بهدوء وقالت جملة عمري ما هنساها: أنا سألتك تعرفي تشتغلي ولا لأ… مسألتكيش حياتك كانت كاملة ولا لأ. في البيت ده، ولأول مرة من أربع سنين، نمت وأنا حاسة بالأمان. لكن بعد أيام، بدأت ألاحظ مراقبة غريبة للبيت وعربيات تقف قصاده، لحد ما في يوم، وأنا قاعدة مع الحاجة فاطمة، فتحت موضوع وسألتني عن سبب دخولي السجن. حكيت لها القصة كاملة؛ إزاي وثقت في جوزي وأختي، وإزاي اتعملت تحويلات ملايين باسمي وأنا في المستشفى مع حماتي، وشهادة كريم ضدي وأوراق داليا المزورة. الحاجة فاطمة سمعتني للآخر، وبعدين طلعت لي ورقة فيها اسم ورقم تليفون محقق مالي كفء اسمه “الأستاذ حسام عزت”، وقالتلي: كلميه، اللي وراه حق ما يخافش. والمفاجأة الأكبر كانت لما الحاجة فاطمة ورتني رسالة وصلتها من “داليا” بتعرض عليها فلوس عشان تطردني، ومعاها صورة بيتي القديم وهو معروض للبيع، وفيها تحذير بالتخلص مني قبل ما تكتشف الحقيقة في عقود الملكية. مكنش فيه وقت للتفكير، طلبت الأستاذ حسام، وحكيت له تفاصيل القضية. طلب مني أجيله الصبح وبكل المستندات القديمة اللي كنت مخبياها. تاني يوم في مكتبه بوسط البلد، بدأ يفحص الأوراق بعناية شديدة. وبعد ساعة من الصمت، رفع راسه وقال بابتسامة ثقة: داليا وكريم سابوا وراهم أدلة واضحة. التوقيعات على التحويلات مقلدة بطريقة رديئة، والأهم إن التوكيل العام اللي كان باعتيه كريم كان ملغي قبل التحويلات دي بأسبوعين أصلاً! يعني كل بيع أو نقل ملكية للفيلا أو الشركة باطل بطلان تام. حسيت إن روحي رجعتلي، وأن حقي راجع لا محالة. رجعت بيت التجمع بقوة وثقة جديدة. وبالليل جاني اتصال مرعوب من داليا بتقول إن كريم هرب والشرطة موجودة في بيت بابا القديم. رديت بكل هدوء: الموضوع خلص يا داليا… استني مني المفاجأة بكره الصبح. وتاني يوم الصبح، توجهت برفقة الأستاذ حسام وقوة من مباحث الأموال العامة إلى بيت بابا القديم، ومعانا التقارير المفثبتة لتزوير العقود والتلاعب البنكي. لما وصلنا، كانت داليا في حالة انهيار وصدمة لما شافتنيمع الشرطة. قدم الأستاذ حسام الأوراق الرسمية، وأصدرت الجهات الأمنية أمر ضبط وإحضار لداليا وكريم بتهمة النصب والتزوير والاستيلاء على أموال بطرق غير مشروعة. تم القبض على كريم في كمين على الطريق الصحراوي وهو محاول الهرب لأسكندرية، واتخذت الإجراءات القانونية الكاملة. في خلال شهرين، رجعت شركتي، ورجعت لي فيلا الشيخ زايد بحكم قضائي نهائي، ورجع لي كل قرش اتسرق مني بفوائده القانونية. كنت واقفة في جنينة بيت الحاجة فاطمة، بشرب الشاي الصباحي، وحطت إيدها على كتفي بحنان وهي بتقول: الواحد لما بينظف قلبه من الحقد، ربنا بيرزقه باللي يعوضه أضعاف. بصيت لها وابتسمت من قلبي… ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إني بقيت أنا، ياسمين الحقيقية؛ مش السجينة ولا المكسورة، بل الست اللي قدرت تبني نفسها من جديد وترجع حقها كامل. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”