غيرنا الخطط

كل مكان. ولما رجعت البيت لقيت ندى قاعدة في أوضتها وپتبكي بكتير، وبمجرد ما شافتني قالت بصوت متهدج
ماما.. زملاتي في المدرسة كلهم عرفوا.. واحدة قالتلي إن جدتي الكبيرة كانت حرامية وسرقتك من جدتي التانية.. والتانية قالتلي إنك مش عارفة مين أمك ومين أبوكِ.. ومحدش بيتكلم معايا دلوقتي!
قعدت جنبها وضممتها لقلبي وقلبت راسها على كتفيّ.. حسيت پألم في صدري ما يتوصفش.. كنت فاكرة إن الحقيقة هتحررنا، بس طلعت بتجيب معاها ألم تاني من نوع تاني
يا حبيبة قلبي.. اللي بيتكلموا مش عارفين الحكاية كلها.. ومش لازم نعيش حياتنا عشان نرضيهم.. المهم إننا نعرف إحنا مين ونكون متأكدين من نفسنا.
بس ده صعب يا ماما.. لما الكل بيبصلك ببصّة غريبة..
أعرف.. وأنا كمان حاسّة بده.. بس الصعوبة دي مش معناها إننا غلط.. معناها إننا بنمرّ بوقت صعب وهنعدّيه مع بعض.
في نفس اليوم جالي اتصال من شريف.. صوته كان مضطرب جداً
داليا.. سمعتي اللي بيحصل؟
سمعت.. الكلام انتشر بره البيت تماماً.
هدى سمعت الكلام برضه.. وهي مقفّلة على نفسها في البيت من امبارح ومش بترد على حد.. رحت لها الباب وقفت ساعة ومش عاوزة تفتح.
قلبي اتوجع عليها رغم كل اللي عملته.. مهما كانت الأسباب، هي كبرتني وخدمتها وحبيتها طوال 38 سنة، ومش ممكن أتخلّى عنها في اللحظة دي أبداً
أنا رايحة لها دلوقتي.
الجزء التاسع بين الباب والقلب
وصلت لبيت هدى.. المكان اللي كنت أعتبره بيتي طول عمري، وباب كان بيفتح لي دايماً بكل حب، لقيتوه مقفول بكل قوة.. خبطت بخفّة في الأول، وبعدين بقوة أكتر
يا ماما.. افتحي.. أنا داليا..
مفيش رد.. بس سمعت صوت حركة من جوا.. كانت عاوزة تفتح بس مش قادرة
أنا عارفة إنك سمعاني.. ومش جاية أعاتبك ولا أحاكمك.. جاية أقولك إننا مع بعض في ده كلّه.. مهما حصل.. إحنا عيلة.
فضلت واقفة عند الباب ربع ساعة كاملة.. بتكلم بهدوء، بذكّرها بأيام زمان، بالأكل اللي كانت بتعمله، بالحكايات اللي كانت تحكيها لي وأنا صغيرة.. ولو إن بعض الحكايات كانت مش حقيقية، بس الإحساس بالدفء اللي كان بيملأ المكان ده كان حقيقي بكل تأكيد.
فجأة سمعت صوت القفل.. الباب اتفتح ببطء.. وشفتها واقفة قدامي بملابسها اللي مش مرتبة، وشعرها المتفرفت، وعيناها اللي غارقة في الحزن.. شفتها مش الأم المزيفة اللي كنت شايفاها قبل كده.. شفتها إنسانة مکسورة خاڤت طوال عمرها وخسړت كل حاجة في لحظة
كنت فاكرة إنك هتكرهيني وتسيبيني.. زي ما الكل بيعمل..
دخلت وقعدت جنبها على الكنبة اللي كنت أجلس عليها وهي تحكي لي قصص قبل النوم
أنا مش هكرهك.. بس محتاجة وقت عشان أفهم كل ده.. وأنتِ كمان محتاجة وقت.
خفت.. خفت لما نادية تيجي تاخدكِ.. خفت لما أعرف إنك هتحبيها أكتر مني.. كنت شايفة إنك كل ما تشبهيها كل ما تبعدي عني..
أنا مش هتبعد عن حد.. بس لازم أعرف أمي كمان.. مش معنى إن لي أم تانية إنكِ مش مهمة.. أنتِ اللي ربيتني.. وأنتِ اللي تعبتي عليّ.. ده مش هيتغيّر أبداً مهما حصل.
بكت هدى پصرخة طويلة كأنها بتفكّ قيد كان في قلبها من سنين.. حكتلي كل حاجة من الأول.. كيف إنها كانت تحب أبي من صغرها.. وكيف إنه تزوج نادية وهي اټجرحت.. وكيف لما ټوفي أبوها واتترك لي صغيرة، شافتها كفرصة.. كفرصة تملأ الفراغ اللي كان في قلبها.. بس الفراغ ده ما اتملاش، بل كبر وكبر معاه الخۏف والغيرة والكذب لحد ما أكل كل حاجة.
خرجت من عندها وقلبي تقيل ومخفوق في نفس الوقت.. الطريق مش هيسهل أبداً، بس أخيراً مشيتوه بصدق لأول مرة.



