اخويا بعتلي

داليا.. الحقيني يا بنتي. أخوكي محمود قال إن أمك بتموت في العمليات، وإني لازم أدفع مقدم المليون ونص. سحبت الفلوس كلها من البنك وجاي أديهالو.. أمك هتعيش يا داليا؟
حسيت بسكين بيقطع في قلبي. الراجل الطيب ده كان مستعد يتحرم من اللقمة عشان ينقذ مراته، وهي ومحمود كانوا بيستغلوه بأبشع طريقة.
أخدت نفس عميق وقلت له بصوت هادي ومتمكن
يا بابا.. اسمعني كويس، وما تتخضش. ماما كويسة جداً وما فيهاش أي حاجة.
بابا بصلي بعدم فهم
يعني إيه؟ الدكتور قال جلطة ومحتاجة قسطرة ودعامات فوراً!
طلعت الموبايل، وشغلتله الفيديو اللي سجلته من ورا باب الأوضة السري. صوت محمود وهو بياخد نصيبه، وصوت أمي وهي بتطلب ال 250 ألف عشان تغير العربية، وصوت الدكتور وهو بيبتزهم.
بابا كان بيسمع وهو مذهول. عينيه كانت بتتسع بصدمة مش قادر يستوعبها. إيديه اللي ماسكة إيصال الفلوس اتعصرت، ودمعة سخنة نزل على خده المجعد.. مش دمعة حزن على مرضه، دي كانت دمعة انكسار راجل اكتشف إن بيته اللي بناه بعرقه كان مبني على خيانة.
أمك يا داليا؟.. محمود ابن عمري؟ بيتاجروا بمرضي وخوفي؟
مسكت إيده بقوة
يا بابا، الفلوس دي مش هتروح لشبر في المستشفى. حط الفلوس دي في جيبك حالاً، ورجعها البنك بكرة الصبح. أنا هاخد حقك وحقي بالقانون، والنهاردة الكابوس ده ينتهي.
رجعت لطرقة الطوارئ. كان محمود واقف مع الدكتور أحمد فؤاد قدام مكتب الحسابات. محمود كان مبتسم وبيحسب في سرّه الفلوس اللي هتوصله، والدكتور كان بيراجع ورقة القرض الخاص بشركة التمويل المشبوهة عشان يضمن نسبته.
قربت منهم بهدوء. محمود أول ما شافني، غير ملامح وشه لتمثيلية الحزن
داليا! عملتي إيه؟ البنك وافق على التحويل؟ والدكتور جهز غرفة العمليات خلاص.
بصيت للدكتور أحمد فؤاد وقلت له
يا دكتور.. هو حضرتك متأكد إن التشخيص جلطة حادة في الشريان التاجي الخلفي؟
الدكتور ارتبك لحظة، بس عدل نظارته وقال بثقة مزيفة
أيوة طبعاً، والتقرير موجود والمريض حالتها حرج..
قطعت كلامه وأنا بطلع من شنطتي أوراق رسمية وبحطها على المكتب قدام موظف الحسابات
غريبة جداً.. لأن التقرير المبدئي للتحاليل ورسم القلب اللي أخدته الممرضة أول ما ماما دخلت بيأكد إن المؤشرات الحيوية سليمة 100، ومافيش أي إنزيمات قلب مرتفعة!
محمود وشه اتغير وزعق
إنتي بتقولي إيه يا داليا؟! إنتي هتفهمي أكتر من الدكتور؟ الفلوس فين؟!
ابتسمت ببرود وطلعت الموبايل ووصلته بسماعة خارجية صغيرة، وشغلت التسجيل الصوتي في الطرقة على أعلى صوت.
صوت محمود ضرب في أرجاء المكان
هتاخد ال ألف بتوعك.. كل اللي
مطلوب منك تثبت إن عندها جلطة.. وسيب داليا تمضي على ورقة القرض!
وصوت أمي
وانت خلي بالك من ال ألف بتوعي.. هغير العربية قبل العيد!
الطرقة كلها اتجمعت على الصوت. موظفين الحسابات، الأطباء، والممرضات. الدكتور أحمد فؤاد وشه بقى زي الجثة، وشفايفه بدأت تترعش. محمود اتجمد مكانه وهو بيبصلي بذهول ورعب
داليا.. إنتي.. إنتي بتسجلي لنا؟!
أنا مش بس بسجل يا محمود..
في اللحظة دي، دخل بابا الطرقة وهو ماسك عصايته، ووراه دخل 3 ضباط من شرطة الأموال العامة ومباحث المستشفيات.
الظابط قرب مني وقالي
الأستاذة داليا حسن؟
أيوة يا فندم. أنا المحامية داليا حسن، وبقدم بلاغ رسمي ضد الدكتور أحمد فؤاد بتهمة التزوير في محررات رسمية وتقارير طبية، وضد شقيقي محمود حسن بتهمة النصب والإكراه والتزوير واستغلال أوراق لغسيل أموال، وضد إدارة المستشفى للإهمال.
الدكتور حاول يهرب، بس أفراد الشرطة مسكوه فوراً وقيدوه بالكلبشات.
محمود جرى عليا وهو بيصرخ وبيمسك في إيدي
داليا! إنتي بتعملي إيه؟! أنا أخوكي! وماما جوة.. هتودي أمك وأخوكي ؟!
نفضت إيده عني بكل قسوة وبصيت في عينيه
الأخ ما بيسرقش أخته ومابيبعهاش لشركات غسيل أموال.. والابن ما بيمصش دم أبوه العجوز ويستغل خوفه. إنتوا ماكنتوش عيلة، إنتوا كنتوا عصابة وأنا كنت الضحية اللي بتصرف عليكم!
خرجت أمي من الأوضة على صوت الصريخ، وكانت ماشية على رجليها وزي الفل، من غير أي أجهزة. بس لما شفت الشرطة والكلبشات في إيد محمود والدكتور، وقفت مكانها واتصدمت.
بصتلي وزعقت بدموع تمثيلية
داليا! إنتي بتعملي إيه في أخوكي؟! بسببه؟!
قربت منها وقفت قدامها بثبات
أنا مش بس يا ماما.. أنا قدمت طلب للنيابة بالحفظ على كل الحسابات اللي مني خلال ال 8 سنين اللي فاتوا، وبلاغ بنصب وفبركة فواتير. والعربية اللي كنتِ عايزة تغيريها ب 250 ألف من دم بابا؟ الفلوس رجعت لحساب بابا خلاص.. وإنتي ومحمود هتتحاسبوا على كل قرش!
أمي بصت لبابا واستعطفت
يا حسن! الحقني يا حسن.. بنتك بتضيعنا!
بابا بص لها بعينين ميتة، مافيهاش أي أثر للضعف القديم، وقال بصوت قوي ومسموع للكل
إنتي اللي ضيعتي نفسك وضيعتي ابنك يا ورقاء.. أنا طلقتك يا طاهرة، ومالكيش عندي غير المحاكم، واللي عملتوه فيا وفي داليا هتتدفعوا تمنه بالقانون.
بعد 6 أشهر..
كنت قاعدة في مكتبي الجديد في القاهرة، الشمس طالعة والجو صافي.
محمود أخد حكم 5 سنين بتهمة النصب والتزوير والشروع في الابتزاز وشراكة في قضايا تمويل مشبوهة.
والدكتور أحمد فؤاد اتسحبت منه رخصة ممارسة المهنة وأخد 7 سنين .
أما أمي، فكانت بتواجه قضايا النصب والاستيلاء، وعايشة في بيت أختها معزولة ومحدش من القرايب بقى يطيق يكلمها بعد ما الحقيقة كلها اتكشفت بالصوت والصورة.
بابا عاش معايا في شقتي الجديدة، رجعتله صحته ونفسيته، ورجعتله تحويشة عمره اللي كان هيضيعها الطمع.
تلفوني رن، كان بابا بيسألني
داليا يا بنتي.. هترجعي بدري النهاردة؟ عملتلك الأكل اللي بتحبيه.
ابتسمت من قلبي، ولأول مرة من 8 سنين حسيت بأمان حقيقي وبرحة بال.
ساعة وأكون عندك يا حبيبي.. حضر نفسك عشان طالعين نجيب العربية الجديدة اللي كنت نفسك فيها.
قفلت التلفون وبصيت من شباك مكتبي.. اتعلمت إن العيلة مش بالدم، العيلة هي اللي بتصونك وتحميك، وإن السكوت عن الحق والتضحية للناس الغلط مش طيبة.. دي طيبة صاحبها. والنهاردة، أنا ابتديت حياتي الحقيقية!
تمت

