اول ماقولت

​لحد اللحظة دي، كانت مجرد احتمال.
​بس وأنا واقف جنب صندوق الجوابات، في حاجة اتغيرت.
​الاحتمال بقى خطة.
​وفجأة، الخطة دي بقى لها ميعاد محدّد.
​مي وهشام لسه فاكرين إن “العالة الكسلان” اللي قاعد في أوضة الدور الثالث ما حيلتوش حتة يروحها.
​ما كانوش يعرفوا هما غلطانين لأي درجة.
​وقريب أوي، كانوا هيعرفوا بنفسهم أنا كان قدامي كام اختيار بالظبط.
الجزء الثاني والأخير
​عرض الحاجة ماجدة كان الشرارة اللي حركت كل حاجة.
​السبت اللي بعده، عملت الفطيرة للحاجة ماجدة، وفي العزومة الضيوف كلوها وانهالوا عليا بالطلبات. في خلال أسبوعين بس، كنت بأعمل عشر فطاير في اليوم، والطلبات نازلة عليا زي المطر من أهل المنطقة كلهم.
​مي وهشام ما كانوش فاهمين أنا بأعمل إيه. بالنسبة لـ مي، أنا كنت مجرد “الخدام” اللي بينضف البيت وبيعمل أكل ريحته مالية الشارع.
​في يوم، وأنا نازل الشارع، كلمت المحامي بتاعي وشوفت يافطة “للبيع” اللي قدام البيت. اشتريت الشقة الدورين اللي قصادهم كاش، وبدأت أجهزها عشان تبقى بيتي الجديد، وفي نفس الوقت أخدت ترخيص لمخبز صغير قادمه.
​في يوم الأحد، مي نزلت الصبح ولقيتني قاعد في الصالة بأشرب القهوة ومريح على الكنبة، والبيت ما اتنضفش.
​زعقت بقلة أدب: “أنت اتجننت؟ فين النظافة؟ وفين الألفين جنيه بتوع الشهر ده؟”
​هشام كان واقف جنبها وساكت زي العادة.
​قمت وقفت بالراحة، طلعت ورقة “قواعد البيت” من جيبي، وقطعتها نصين قدامهم.
​”أنا مش هدفع حاجة، ومش هنضف حاجة تاني،” قلت بهدوء.
​مي صرخت: “يبقى تطرد بره البيت ده فوراً! أنت عالة وما حيلتكش قرش!”
​ابتسمت، ومسكت الشنطتين بتوعي اللي كنت مجهزهم من بالليل، ومسكت إيد آدم وفريدة وقلت لهم: “تعالوا يا حبايب جدو نعدي الشارع نشوف بيتي الجديد.”
​مي وهشام مشيوا ورانا وهما بيصرخوا وفاكرين إني اتجننت، لحد ما فتحت باب الشقة الدورين بالمفتاح ودخلنا. مي كانت مصدومة ومبهورة بالمكان، وهشام مش فاهم حاجة.
​مي قالت بغل: “أنت أجرت المكان ده بفلوس مين؟ أكيد سرقتنا أو استسلفت!”
​في اللحظة دي، عربية سودا فخمة وقفت قدام البيت، ونزل منها المحامي بتاعي ومعه الأوراق.
​المحامي سلم عليا وباركي: “مبروك يا حاج نبيل، أوراق ملكية البيت والمخبز جاهزة، وشركة المحلات الكبيرة بتاعتك أرباحها الاترفعت السنة دي 30%.”
​هشام بلم وشه اتقلب: “سلسلة محلات؟ بابا… أنت مش كنت مجرد بياع في محل بقالة؟”
​بصيت له وقلت له: “أنا بدأت بـ محل بقالة صغير، بس طورت شغلي وعملت أكبر سلسلة محلات في الجيزة والقاهرة. أنا كبرتك وما رضيتش أقولك عشان تعتمد على نفسك، بس للأسف طلعتك ما بتعرفش تقف على رجلك وسايب مراتك تهين أباك عشان قرشين.”
​مي أول ما سمعت كلمة “سلسلة محلات” وشها أصفر، وطريقتها اتغيرت 180 درجة. قربت مني بابتسامة صفرا وقالت: “يا عم نبيل! إحنا بنهزر معاك، ده بيتك وبيت ابنك، تعال ارجع معانا إحنا مش قصدنا حاجة!”
​قلت لها بصرامة: “بيتي هو اللي أنا واقف فيه ده. وأنتم الاتنين ما لكمش أي قرش عندي ولا في أملاكي.”
​هشام حاول يتكلم ويترجاني، بس أنا رفعت إيدي ووقفته: “أنت اخترت تسكت لما مراتك رمت أكيلي في الزبالة وهانت كرامتي. السكوت كان اختيارك يا هشام، وتحمل عواقب اختيارك.”
​عدت الأيام، وفتحت المخبز الصغير تحت بيتي الجديد، وبقى أشهر مكان لخبز فطاير التفاح في المنطقة. آدم وفريدة بقوا ييجوا يقضوا معايا معظم الوقت، يأكلوا فطير ويلعبوا في الجنينة برحتهم من غير قواعد ولا تحكمات.
​هشام ومي حاولوا يعتذروا ميات المرة، بس أنا فضلت محتفظ بمسافتي.
​ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت بالراحة الحقيقية. مش عشان بقيت غني، ولا عشان أثبت لهم إني مش عالة… بس عشان أخيرًا بقيت عايش في مكان يحترمني، ومع ناس بيحبوني عشان أنا جدو نبيل، مش عشان الفلوس.
تمت

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *