صوت السرينات عالى

المياه والدم نزلوا على البلاط الرخام.. وقت الولادة جه، وفي ظروف كابوسية.

سحبتني عربية إسعاف كانت واقفة بره. وفي المستشفى، الدكاترة دخلوني العمليات فوراً ولادة قيصرية طارئة. تحت أضواء غرفة العمليات الساطعة، وأنا بين الحياة والموت، كنت بفتكر كل لحظة ظلم، وكل مسحة دموع.

وبعد ساعات طويلة من الخوف.. سمعت الصوت.

صوت صرخة عالية.. صرخة طفل نقي نازل للدينيا.

الدكتورة شالته وجابته جنبي، طفل صغير بملامح بريئة، عينيه مقفولة وإيديه الصغيرة بتتحرك في الهوا.

“مبروك يا مريم.. يوسف جه بالسلامة، وطفل زي الفل.”

دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع حرية، دموع انتصار. بوسته في رقبته الصغيرة وورمستله: “نورت الدنيا يا يوسف.. من النهاردة، إحنا بتبدأ حياتنا الحقيقية.”

عدت ست شهور..

أنا قاعدة في مكتبي الجديد في وسط البلد. الشركة اللي أسستها بفلوسي الخاصة بعد ما استرديت كل حقوقي وشروطي القانونية من عيلة العمراني. القض..ية هزت الرأي العام، الحاج شاكر أخد 15 سنة سجن، وسيف أخد 10 سنين في قضايا التزوير والنصب، وممتلكاتهم كلها اتصادرت لحساب الدولة والضحايا.

الباب خبط، ودخلت سكرتيرتي:

“أستاذة مريم.. المحامي بتاعك بره ومعاه أوراق قض..ية الطلاق والخلع النهائي، وفيه محامي تاني جاي من طرف سيف بيه من السجن.”

“خليه يدخل.”

المحامي دخل وحط الملف قدامي، وبصلي بقلة حيلة وقال:

“أستاذة مريم.. موكلي سيف بيترجاكي.. هو طالبت الجواز منك تاني بعد ما يخرج، وبيقولك إنه مستعد يكتب كل حاجة باسمك وباسم يوسف، وبيعترف إنه ظلمك وأكل حقك.. وبيقولك إنه بيموت في السجن من غيرك ورؤية ابنه.”

بصيت للورق، وبعدين بصيت للشبابيك المطلة على القاهرة كلها.. كان يوسف نائم في سريره الصغير في ركن المكتب هادي ومطمن.

مسكت القلم الأزرق، ووقعت على أوراق الخلع النهائي والتنازل الكامل عن أي صلة بعيلتهم.

قفلت الملف وبصيت للمحامي بابتسامة ثقة:

“قول لسيف.. الحساب اتقفل خلاص. وقوله إن ولي العهد الحقيقي.. كبر، ومش محتاج لعيلتكم ولا لفلوسكم، عشان بيتربى في شمس النظافة مش في ضل الجري..مة.”

المحامي أخد الورق ومشي.

أنا قمت من على الكرسي، مشيت ناحية يوسف وشيلته بين إيديا. بصيت من الشباك للعربيات والناس في الشارع.. الشمس كانت طالعة ودت الدفا للمكان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *