انطربت من الموسيقي

“تبدأي حياتك على حساب خراب حياة أخوكِ؟” صرخ الحاج حسين وهو يرفع يده ويضرب الطاولة بكل قوته، لتهتز الكوبايات ويتناثر الكركديه المشبر على المفرش الأبيض كأنه قطرات دم. “أنا اللي غلطت… أنا وأمك اللي دلعناكِ وبوظناكِ… كنا بنقرص على مازن ونقول له معلش تعال على نفسك عشان أختك، لحد ما ربينا في بيتنا تعبان!”
التفتت أميرة إلى مازن وعيناها تشتعلان بالحقد:
“أنت دمرتني يا مازن… افتكر إنك أنت اللي هديت العيلة دي الليلة.”
رد مازن بهدوء شديد وهو يقف ويسير نحو الباب الخشبي للشقة ويفتحه على مصراعيه:
“أنا مهديتش حاجة يا أميرة. أنا بس كشفت الحقيقة اللي أنتم كنتوا مغميين عيونكم عنها بقالكم سنين. الشقة دي شقتي، طلعت بدمي وعرقي، ومحدش ليه عندي فيها شبر واحد. واللمة دي خلصت لحد كده.”
أشار بيده نحو الباب الخارجي وقال بصوت حازم لا يقبل النقاش:
“اتفضلوا… برة.”
نظرت الحاجة زينب إلى ابنها بدموع وتوسل:
“يا مازن… يا ابني إحنا ملناش ذنب… إحنا اتخدعنا زينا زيك…”
“عارف يا أمي…” قال مازن ونبرته لانت قليلاً لكنها ظلت صلبة كالصخر. “… وعشان كده أنا مش زعلان منكم، بس أنا محتاج أكون لوحدي دلوقتي. محتاج أنظف بيتي من الأثر اللي سابته الليلة دي. اتفضلوا خدوا بنتكم وروحوا، وشوفوا هتعالجوا المصيبة اللي عملتها دي إزاي.”
تحرك الحاج حسين ببطء، يبدو عليه الهرم فجأة وكأن عشر سنوات انضافت إلى عمره في هذه الليلة. جذب زوجته من يدها، ونظر إلى أميرة بنظرة خالية من أي مشاعر وقال لها بكلمة واحدة: “قدامي.”
خرجت أميرة بخطوات سريعة وهي تضرب الأرض بقدميها، ممتلئة بالغل والغضب، تلاها والداها بخطوات ثقيلة مكسورة.
أغلق مازن الباب خلفهم، واستند بظهره عليه لدقائق طويلة. شعر بعبء ثقيل ينزاح عن كاهله، لكنه في نفس الوقت شعر بفراغ غريب. التفت إلى الصالة؛ المحشي الدافئ الذي جلبته أمه كان قد برد تماماً، والكركديه الساقع تحول إلى بركة حمراء صغيرة على المفرش. تنهد بعمق، وسار نحو البلكونة الصغيرة.
استنشق الهواء النقي المنعش القادم من شوارع الدقي، ونظر إلى قصرية النعناع الصغيرة واهتم بها بيده. شعر بأنه استرد حياته، واسترد جدرانه التي تعب في طلائها ثلاث مرات.
جلس على أحد الكرسيين في البلكونة، وأمسك بهاتفه ليمسح كل تلك الصور والفيديوهات التي كانت تثقل روحه، مقرراً أن يغلق هذه الصفحة تماماً ويبدأ من جديد، حراً، ودون أي شعور بالذنب تجاه أحد.



