انطربت من الموسيقي

انطلقت من الشاشة الموسيقى الصاخبة المصاحبة لأول فيديو، صدى الضحكات العالية والطبول ملأ الصالة الهادئة، ليقطع حبل الصمت الذي خيم على المكان كالكفن.
لم تكن الصورة الأولى مجرد لقطة عابرة في سهرة بالزمالك؛ بل كانت مقطع فيديو عالي الجودة، تظهر فيه أميرة وهي ترقص ببراعة وخفة وسط حلقة من أصدقائها، ممسكة بـ “شيشة إلكترونية” وتنفث دخانها بكثافة، بينما تضحك ملء شدقيها وتتبادل النكات مع شاب يرتدي ساعة ذهبية باهظة الثمن ويحتضن كتفها بأريحية شديدة.
شهقة الحاجة زينب لم تكن مجرد رد فعل عادي، بل كانت شهقة امرأة شعرت فجأة بأن الأرض تميد من تحتها. كادت أن تسقط من فوق المقعد لولا أن يد زوجها الحاج حسين تداركتها، وإن كان هو الآخر قد تجمدت عيناه على الشاشة، وتلاشت ملامح الوقار والحياد من على وجهه، ليحل محلها خليط من الذهول والصدمة التي ألجمت لسانه.
“أميرة…”
همست الحاجة زينب باسم ابنتها بنبرة مرتجفة، وكأنها تبحث في ملامح الفتاة الواقفة على الشاشة عن ابنتها المريضة المسكينة التي كانت تحتضنها منذ ثوانٍ. تطلعت إلى أميرة الحقيقية الجالسة بجوارها، فوجدتها قد تحولت إلى ما يشبه ج/ثة هامدة؛ وجهها الذي كان يبدو باهتاً بفعل التمثيل أصبح الآن شاحباً حقيقةً، كأوراق الشجر الجافة في الخريف. تراجعت إلى الخلف، وحاولت سحب الشال الصوف الذي ترتديه لتدفن وجهها فيه، لكن يدها خانتها وظلت معلقة في الهواء.
قال مازن بصوت هادئ، هدوء يسبق العاصفة، وهو يمرر بيده على شاشة هاتفه ليعرض المقطع التالي:
“ده كان يوم الخميس اللي فات يا أمي. نفس الخميس اللي كلمتيني فيه بتعيطي وتقولي لي إلحق أختك بتموت وضغطها واطي ومش قادرة ترفع راسها من على السرير. نفس الليلة اللي أنا نزلت فيها وجريت على الصيدليات بنصاص الليالي عشان أقرأ روشتات وأجيب أدوية، وفي الآخر سبت الشغل وتخصم مني يومين عشان أفضل جمبها… وهي كانت بتتعالج في الرووف توب بالزمالك، زي ما أنتم شايفين.”
تحرك الحاج حسين في مقعده، وظهرت عروق جبهته نافرة وهو يحدق في الشاشة، ثم التفت إلى ابنته وقال بنبرة غاضبة مكتومة:
“الكلام ده بجد يا أميرة؟ أنتِ كنتِ هناك؟”
حاولت أميرة أن تستجمع شتات نفسها، وبدأت نبرة الضعف تتلاشى ليحل محلها الهجوم الدفاعي، وهو الس/لاح الذي طالما أتقنته:



