وتد الارض بقلم سمسمه

راضي اتصدم من قوتها، مكنش متخيل إن البنت اليتيمة الكسيرة اللي خرجت من دار أبوها بدموعها وبقجة هدومها هتقف قدامه في وسط المحل وعيونها بتطق شرار بالمنظر ده. تراجع خطوتين لورا وهو بيحاول يلملم هيبته اللي اتهزت قدام الزباين اللي في المحل، والي بدأوا يتهامسوا ويبصوا له بنظرات كلها شك وغضب.
حط إيده في جيبه وحاول يبتسم ابتسامته الصفرا المعتادة وقال بصوت مبحوح وهو بيشاور بصباعه بتهديد: “ماشي يا مريم.. أعلى ما في خيلك اركبيه. بس افتكري كويس.. اللي بيلعب مع الكبار بيستحمل الخسارة، والمحاكم دي بتاكل الضعيف وتفوت القوي.”
ساف ساف في مشيته وهو خارج من المحل، وجوا صدره نار بتغلي. مكنش خايف من مريم كشخص، كان خايف من الشهامة اللي ظهرت فجأة في طريقها، وخايف أكتر من يونس. يونس الصعيدي مكنش مجرد راجل شاري أرض، ده كان وتد، والوتد في الريف لما بيتدق في الأرض مبيخلعوش غير صاحبه.
عدت الأيام والبلد كلها مكنش ليها سيرة غير قضية مريم وراضي. الإشاعات اللي راضي هدد بيها بدأت تظهر فعلاً؛ ناس تطلع تقول إن مريم طمعانة في شقا أبوها وعايزة تظلم ابن عمها اللي وقف مع أبوها في مرضه، وناس تانية كانت عارفة البير وغطاه وبيدعوا لمريم في سرهم عشان عارفين جبروت راضي ووساخته.
أما مريم، فكانت كل يوم بعد ما تخلص شغلها في المحل، تروح لبيت خالتي بدرية، تقعد على الكنبة الإسطمبولي القديمة، وتطلع جواب أبوها. تقرأ كلامه المرتعش وتعيط، بس مكنش عياط قهر، كان عياط شحن طاقة. كانت بتحس بصوت أبوها الحاج صابر وكأنه بيهمس في ودنها: “متسيبيهمش يتهنوا بلقمة حرام يا بنتي.”
وفي يوم العصر، الباب خبط. فتحت مريم ولقت يونس واقف على عتبة البيت، لابس جلابيته الصعيدي السمرا وعلى كتفه شاله الأبيض، وعيونه فيها رجولة وهيبة تطمن الخايف.
وقف يونس بعيد خطوة احتراماً للبيت وأهله وقال بصوت جهوري مريح: “مساء الخير يا ست مريم. كيف حالك وحال صحتك؟”
مريم نزلت طرحتها على وشها شوية وقالت بامتنان: “الحمد لله يا سي يونس.. اتفضل، خالتي بدرية جوة، اتفضل ارتاح في المندرة.”
يونس دخل وقعد، وخرجت خالتي بدرية ترحب بيه وهي بتدعي له: “نورتنا يا ابن الأصول، والله البلد كلها بتتحاكى بجدعنتك يا يونس يا ولدي.”
يونس هز راسه بتواضع وقال: “الجدعنة دي فرض علينا يا خالة بدرية. الأرض اللي شربت عرق الحاج صابر مينفعش تتروي بفلوس حرام وظلم. أنا جيت أقولكم إن الأستاذ رفعت المحامي اتصل بيا واصل، وقالي إن القضية اتحددت جلستها الأسبوع الجاي في محكمة بنها.”
مريم قلبها دق بسرعة وحست برهبة: “الأسبوع الجاي يا يونس؟! تفتكر الحق هيبان؟ راضي مش سهل، وأكيد محضر ناس تشهد زور في المحكمة.”
يونس بصلها بنظرة كلها ثقة وقال بلهجته الصعيدية الواضحة: “لو جاب ديب من ديلها يا ست مريم، الحق ليه صاحب، وصاحبه واقف حي ميموتش. الأستاذ رفعت مجهز مفاجأة مكنتش على البال، وورق راضي كله هيتفرتك في الجلسة. أهم حاجة تلمي شتات نفسك وتكوني قوية واصل قدام القاضي.”
الأسبوع ده مر على مريم كأنه سنة. راضي مكنش قاعد ساكت؛ كان بيلف على شهود الزور، يدفع لده قرشين، ويوعد ده بقطعة أرض، ويهدد التالت بقطع عيشه لو نطق بكلمة حق. وصل بيه الجبروت إنه راح لعم فوزي البقال، الراجل العجوز الغلبان اللي شهد مع مريم، ودخل عليه المحل بالليل.
راضي سحب كرسي وقعد قصاد عم فوزي وقال بلؤم: “جرى إيه يا عم فوزي؟ بقيت تروح المحاكم وتشهد ضد أسيادك؟ نسيت إن الدكان ده مبني على أرض تبع ملكنا؟”
عم فوزي، بإيدين مرتعشة ووش مليان تجاعيد الزمن، بص لراضي وقال: “يا راضي يا بني، أنا راجل رجلي والقبور، ومقدرش أقابل ربنا بشهادة زور. أبوك صابر الله يرحمه جاني هنا قبل ما يموت بأسبوع، وكان بيبكي زي العيل الصغير ويقولي إنه مش فاكر هو مضى على إيه لوعية الورق اللي أنت جبتهاله. عايزني أكذب وأقول إنه كان في وعيه؟”
راضي خبط على الترابيزة بغشم وقال: “لو شهدت بالكلام ده في المحكمة، تلم بضاعتك دي وتطلع برة الدكان في نفس اليوم.. والبوليس هيكون هنا يرميك في الشارع!”
عم فوزي سكت، ونزلت دمعه من عينه. التهديد كان تقيل على راجل عجوز ملوش عائل غير الدكان ده.
وجاء يوم الجلسة المرتقب.
قاعة المحكمة في بنها كانت زحمة، والجو حر ومخلوط بريحة الورق القديم وتوتر الناس. مريم كانت قاعدة على المقعد الخشبي الطويل، ماسكة إيد خالتي بدرية اللي عمالة تسبح وتستغفر بصوت واطي. على الناحية التانية، كان قاعد راضي، لابس بدلة غالية أول مرة يلبسها، وحواليه محاميين كبار بشنط جلد فخمة، وشه مفيش فيه أي ندم، بالعكس، كان بيبص لمريم بنظرة استهزاء كأنه يملك المحكمة بحالها.
وفي الصف اللي ورا مريم، كان قاعد يونس. وجوده كان زي الجبل اللي ساند ضهرها. لابس جلابيته النضيفة، باصص لقدام بعيون حادة ومركزة، ومستني اللحظة الحاسمة.
دخل حاجب المحكمة ونادى بصوت جهوري زلزل القاعة: “محكمة!”
كل اللي في القاعة وقفوا احتراماً للمنصة. دخل رئيس الدائرة، مستشار وقور بوش بشوش وعيون ذكية تقرأ اللي في القلوب قبل السطور. قعد على منصته وبدأ يستعرض الرول ويقرا القضايا لحد ما وصل لقضيتهم.
”القضية رقم 1405 مدني بنها.. مريم صابر ضد راضي عبد الرحمن!”
وقف الأستاذ رفعت محامي مريم، ووقف قصاده المحامي الكبير اللي راضي مشغله بفلوسه.
بدأ محامي راضي الكلام بكل ثقة وتكبر، وصوته رن في القاعة: “يا سيادة الرئيس، الدعوى المقامة من المدعية ليس لها أي أساس من الصحة القانونية. نحن أمام عقد بيع وشراء موثق ومسجل بالشهر العقاري، وموقع ومبصوم عليه من البائع المرحوم صابر عبد الرحمن بكامل إرادته ووعيه. المدعية أقامت هذه الدعوى بدافع الحقد والطمع بعد وفاة والدها، وتريد تجريد موكلي من أرض اشتراها بماله الخاص وحر ماله. نطالب برفض الدعوى وتغريم المدعية.”
القاضي بص للأوراق وهز راسه، وبعدين بصفة للأستاذ رفعت وقال: “دفاع المدعية.. اتفضل.”
الأستاذ رفعت خطى خطوتين لقدام بكل ثبات، وبدأ يتكلم بصوت واثق ومقنع: “سيادة القاضي، نحن لا ننكر أن هناك توقيعاً وبصمة على العقود، ولكننا نطعن بالجهل والتدليس والاستغلال. البائع، المرحوم صابر، لم يكن في كامل قواه العقلية وقت توقيع هذه العقود. لقد تم استغلال مرضه وتقدمه في السن وحالته النفسية بعد وفاة زوجته، لجعله يوقع على أوراق لا يعلم محتواها تحت مسمى إدارة الأموال وتأمين ابنته مريم.”
محامي راضي قاطعه بحدة: “أين الأدلة على هذا الكلام المرسل؟ العقد شريعة المتعاقدين، وصحة التوقيع ثابتة!”
الأستاذ رفعت بص للقاضي وقال بابتسامة هادية: “الأدلة حاضرة يا فندم. أولاً، أقدم لعدالة المحكمة تقريراً طبياً معتمداً من مستشفى بنها العام والوحدة الصحية، يثبت أن المرحوم صابر كان يعاني من قصور شديد في الدورة الدموية المخية، مما أدى إلى عته شيخوخي وتشتت في الوعي قبل وفاته بستة أشهر، وهي الفترة التي تم فيها تحرير تلك العقود المزعومة.”
قدم رفعت الحافظة للقاضي، اللي بدأ يقرأ التقرير بتمعن واهتمام.
تابع رفعت: “ثانياً، أطلب الاستماع لشهادة الشهود الذين عاصروا المرحوم في أيامه الأخيرة وشهدوا على عدم وعيه وإدراكه لما يدور حوله.”
القاضي بصل لحاجب المحكمة وقال: “نده على الشهود.”
خرج عم فوزي البقال. مريم لما شافته قلبها وجعها، كانت خايفة يكون تهديد راضي جاب نتيجة معاه. وقف عم فوزي قدام القاضي، وشه شاحب وصوته بيترعش.
القاضي: “حلف اليمين يا حاج فوزي، وقولي إيه اللي تعرفه عن حالة الحاج صابر الله يرحمه في أيامه الأخيرة؟”
عم فوزي حلف اليمين، وبص لراضي اللي كان بيبص له بنظرة توعد تخوف بلد كاملة. عم فوزي بلع ريقه، وبص لمريم اللي كانت بتبص له بعيون مكسورة ومليانة رجاء. في اللحظة دي، شهامة الراجل العجوز انتصرت على خوفه.
بص عم فوزي للقاضي وقال بصوت عالي وواضح: “يا سيادة القاضي، صابر الله يرحمه كان صاحبي وعشير عمري. في شهوره الأخيرة مكنش بيعرف يميز بين الجنيه والخمسة جنيه. كان يجي يقعد معايا ويبكي ويقولي ‘راضي خلاني أمضي على ورق كتير وقالي إنه بيأمن مريم بنتي، بس أنا حاسس إنه بيسرقني وأنا مش قادر أمنعه ولا عارف أنا مضيت على إيه’. صابر مكنش واعي يا فندم، راضي استغل مرضه وكسرته وسرق شقاه وشقى بنته اليتيمة.”
محامي راضي صرخ: “اعتراض يا فندم! الشاهد رجل طاعن في السن وشاهد زور ولديه خلافات سابقة مع موكلي!”
القاضي رفع إيده بحدة ليسكت المحامي: “الاعتراض مرفوض. كمل يا أستاذ رفعت.”
الأستاذ رفعت قال بصوت قوي: “سيادة القاضي، مفيش شك في نزاهة وشهامة عم فوزي. ودلوقتي، بقدم لعدالة المحكمة المفاجأة الكبرى.. جواب بخط يد المرحوم صابر وبتوقيعه، كتبه قبل وفاته بأيام قليلة، يستنجد فيه بابنته ويوضح أن راضي استغله وجعله يوقع على بياض.”
المحامي التاني صرخ: “هذا الجواب مزور ومصطنع!”
رفعت رد عليه بسرعة: “نحن نطالب بإحالة الجواب للطب الشرعي لمضاهاة الخط والتحقق من صحته، ونحن واثقون تمام الثقة من النتيجة. ولكن، هناك شاهد آخر.. شاهد اشترى جزءاً من هذه الأرض المغتصبة، ولكنه رفض أن يشارك في الظلم وجاء ليشهد بالحق.”
القاضي: “انده على الشاهد التاني.”
الحاجب: “يونس أبو الحسن!”
وقف يونس بكل هيبته، ومشي بخطوات ثابتة لحد ما وقف قدام القاضي. حلف اليمين وعيونه ثابتة مش بتترعش.
القاضي: “قول شهادتك يا يونس.”
يونس: “يا سيادة القاضي، أنا راجل صعيدي جيت القليوبية هنا عشان أستقر وأشتري حتة أرض أزرعها بقرشي الشقيان بيه في الغربة. راضي جاني وباعلي الحوض البحري من أرض الحاج صابر بمليون جنيه. ولما جيت أستلم الأرض، عرفت قصة الست مريم وعرفت إن راضي ده نصب على عمه واستغل مرضه. ولما واجهته، حاول يرشيني ويديني أرض تانية وتمن الأرض دي مرتين عشان مقفش مع الست مريم في المحكمة وعشان مكتبش العقد اللي يثبت لعبه بالتواريخ.”
يونس طلع أصل عقد الشرا اللي راضي كتبهوله، وقدمه للقاضي وقال: “ده العقد اللي كتبه معايا يا فندم.. والتاريخ اللي مكتوب فيه يثبت إن راضي كان بيبيع الأرض للناس من قبل ما يعمل إجراءات التسجيل الرسمية للورق اللي سرقه من عمه، وده يثبت التدليس والنية المبيتة للنصب من أول يوم.”
القاعة سادها صمت رهيب. راضي وشه بقى لونه أصفر زي الليمونة، وعرقه بدأ يسيل على بدلتة الغالية. المحامي بتاعه بصله بقلة حيلة وبدأ يهمس له بصوت واطي ومرتبك.
القاضي نظر للأوراق الطبية، وللعقد اللي قدمه يونس، وللجواب المكتوب بخط يد الحاج صابر. كان باين على وش المستشار إنه فهم الحقيقة كاملة، وخبرته الطويلة كشفت قدامه اللعبة القذرة اللي راضي عملها مع عمه الراجل العجوز المريض.
القاضي بص لراضي وقال بنبرة قوية هزت أركان القاعة: “المحكمة قررت إحالة الجواب وعقود البيع المبرمة بين المتهم راضي والمرحوم صابر إلى مصلحة الطب الشرعي – قسم أبحاث التزييف والتزوير – لمضاهاة التوقيعات والخطوط، وتحديد مدى وعي وسلامة الإرادة للبائع وقت التوقيع، وتأجيل الجلسة لشهر من تاريخه لورود التقرير.”
مريم تنهدت بعمق وحست إن هم جبل انزاح عن صدرها، الجواب هيروح للطب الشرعي، والحق اللي راضي حاول يدفنه تحت التراب هيبان بالدليل العلمي والقانوني.
خرجوا من قاعة المحكمة للشارع. الشمس كانت دافية وريحة الحرية بدأت تملأ صدر مريم من جديد.
راضي خرج وهو بيشتم ويهدد، ركب عربيته وقفل الباب وراه بغل، وهو عارف إن نهايته القانونية بدأت تقرب، وإن الورق اللي بناه على كذب هينهار قدام تقرير الطب الشرعي.
مريم وقفت قدام يونس وعم فوزي والأستاذ رفعت. عيونها كانت بتلمع بالدموع، بس المرة دي كانت دموع فرح وامتنان.
بصت لعم فوزي وقالت بصوت مخنوق من التأثر: “أنا مش عارفة أقولك إيه يا عم فوزي.. وقفتك معايا دي وشهادتك بالحق فوق راسي من فوق. أنا عرفت بتهديد راضي ليك بالدكان، ومسامحاش نفسي إني حطيتك في الموقف ده.”
عم فوزي طبطب على كتفها بحنان أبوي وقال بابتسامة صافية: “يا بنتي، العمر مفيش فيه قد اللي راح، وأنا مقدرش أقابل رب كريم بذنوب وظلم يتامى. الدكان يروح وتيجي دكاكين، بس شرف الكلمة وراحة البال ملهمش تمن. متقلقيش عليا، ربك هو الرزاق.”
مريم لفت ليونس، وبصت في عيونه اللي كانت مليانة رجولة وجدعنة نادرة في الزمن ده. تاهت الكلمات من لسانها، ومكنتش عارفة تعبر عن اللي جواها لراجل مكنش يعرفها من شهرين، والنهاردة بيخاطر بفلوسه وأرضه وشقاه عشان يحمي حقها.
قالت بصوت رقيق ومرتعش: “وأنت يا يونس.. أنا مديونة لك بحياتي كلها. لولا وجودك وشهادتك والعقد اللي قدمته، مكنش حد صدقني. أنا بجد مش عارفة هشيل جميلك ده إزاي.”
يونس عدل شاله وبصلها بنظرة دافية مفيش فيها أي طمع ولا غرض وقال بصوت رجولي واثق: “جميل إيه يا ست مريم واصل؟ أنا معملتش غير اللي يرضي ربي ويريح ضميري. أرض الحاج صابر لازم ترجع لصاحبها الأصلي، والجدعنة ملهاش تمن عندنا في الصعيد. أنا واقف معاكِ للآخر، لحد ما ترجعي بيتك وتاخدي مفتاحه بإيدك.”
خالتي بدرية دعت ليونس من قلبها: “ربنا يبارك في أصلك ويرزقك من وسع يا بني، ويكتبلك في كل خطوة سلامة.”
مر الشهر وكأنه دهر كامل.
خلال الشهر ده، راضي حاول بكل الطرق إنه يتواصل مع مريم عشان يعمل معاها تسوية ويدفع لها قرشين وتسيب القضية، بس مريم كانت قوية زي الصخر ورفضت تقابله أو تسمع صوته. يونس كان بيطمن عليها من بعيد لبعيد، يمر على محل البقالة يسلم عليها ويطمن إن مفيش حد بيتعرض لها، ويمشي وهو سايب وراه أثر من الطمأنينة والأمان في قلب مريم اللي بدأ يدق بضربات مختلفة كل ما تشوفه.
وجاء يوم الجلسة الحاسمة.
القاعة كانت أهدى المرة دي، بس التوتر كان مالي الأركان. دخل القاضي، ومسك التقرير الوارد من الطب الشرعي.
ساد صمت تام في القاعة، لدرجة إن مريم كانت سامعة ضربات قلبها وهي بتدق في صدرها زي الطبل.
القاضي بص لراضي بنظرة غضب وحسم، وجلس في مقعده، وفتح المحضر وبدأ يقرأ منطوق الحكم بصوت زلزل جدران القاعة:
”باسم الشعب.. حكمت المحكمة حضورياً: أولاً، ببطلان عقود البيع المبرمة بين المرحوم صابر عبد الرحمن والمتهم راضي عبد الرحمن، لثبوت التدليس واستغلال الحالة المرضية والذهنية للبائع وانعدام وعيه وإرادته وقت التوقيع بناءً على تقرير الطب الشرعي المعتمَد. ثانياً، رد حيازة وأرض وعقار ‘سيدي صابر’ بالكامل وبكافة مشتملاتها إلى الوريثة الوحيدة مريم صابر عبد الرحمن. ثالثاً، إحالة أوراق القضية إلى النيابة العامة لتحريك الدعوى الجنائية ضد المتهم راضي عبد الرحمن بتهمة التزوير والنصب والاستيلاء على أموال قاصر بطرق احتيالية!”
مريم صرخت من الفرحة ووقعت على ركبها وهي بتبكي وتسجد لربنا في وسط القاعة. دموعها نزلت تغسل تراب الوجع والظلم اللي عاشته شهور طويلة. خالتي بدرية كانت بتزغرد بفرحة هزت القاعة، ويونس وقف مكانه وعيونه بتلمع بانتصار وشرف حقيقي.
أما راضي، فوقع على الكرسي كأن حد ضربه بطلقة في قلبه. وشه بقا أزرق وضهره انحنى، وعساكر المحكمة قربوا منه عشان يتحفظوا عليه بطلب من النيابة بعد صدور الحكم الجنائي ضده. بص لمريم بنظرة انكسار وندم، بس الندم ده جيه متأخر أوي.. بعد ما خسر كل حاجة: شرفه، وأرضه، وحريته.
بعد يومين من الحكم، مريم وقفت قدام بوابة بيت أبوها في أرض “سيدي صابر”.
البيت الأبيض ذو القراميد الحمرا كان مستنيها، الورد البلدي والياسمين اللي أمها زرعته كان دبلان شوية بس ريحته لسه مالية المكان. مريم كانت ماسكة مفتاح البيت بإيد بتترعش، بس المرة دي كانت رعشة فرح وبداية جديدة.
يونس كان واقف وراها، ساند ضهره على جذع شجرة برتقال قديمة، بيبص عليها بفرحة واحترام كبير.
مريم لفت وبصت ليونس وعيونها مليانة مشاعر كتيرة مكنتش قادرة تخبيها تاني: “أنا رجعت بيتي يا يونس.. بس البيت ده مش ليا لوحدي. الأرض دي شافت جدعنتك، وأنت خسرت فلوسك عشان ترجعلي حقي.”
يونس خطى خطوة ناحيتها، شال طاقيته وبص للأرض بخجل رجولي وقال بصوت دافي وهادي: “أنا مخسرتش حاجة يا ست مريم. فلوس الدنيا تروح وتيجي، بس الوقفة دي بالدنيا وما فيها. ودلوقتي، حقي رجعلي بوجودك في مكانك الطبيعي وسط أرض أبوكِ.”
مريم قربت منه خطوة، وبصت في عينيه وقالت بنبرة مليانة أمل وحب حقيقي: “يونس.. الأرض دي محتاجة راجل بجد يراعيها ويحييها من تاني.. راجل بشهامتك وأصلك. الأرض دي ملكي.. بس أنا متمناش حد يشاركني فيها وفي عمري الجاي غيرك أنت. تفتكر الصعيد هيرضى يستقر في أرض بنها؟”
يونس اتصدم من كلامها، بس وشه اتملى بضحكة صافية نابعة من قلب راجل حب بصدق وبدون طمع. عينيه لمعت بفرحة مكنش يحلم بيها وقال بلهجته الصعيدية الدافية: “الصعيد لو لقى الأرض الطاهرة والقلب الطيب اللي زيك يا مريم.. يرمي جشوره ويدق وتده هنا وميمشيش واصل طول العمر.”
ضحكت مريم والدموع في عيونها، وحست لأول مرة من يوم ما مات أبوها بأمان حقيقي ملوش نهاية.
ولكن، وسط الفرحة دي والبداية الجديدة، مريم ويونس مكنوش يعرفوا إن راضي، وهو ورا القضبان مستني محاكمته، كان لسه جواه غل منتهي الروعة والوساخة، مكنش هيرضى بالهزيمة بسهولة كدة، وكان فيه سر تالت لسه أبوها الحاج صابر مخبيه في أرض “سيدي صابر”.. سر لو ظهر، هيقلب كيان البلد كلها وهيخلي مريم ويونس في مواجهة خطر مكنش على البال ولا الخاطر!
تفتكري يا سما إيه هو السر اللي الحاج صابر مخبيه في الأرض؟ وإيه اللي راضي ناوي يعمله من ورا السجن عشان يدمر فرحتهم؟ لو عايزة نعيش المغامرة الجاية والصراع الجديد، قوليلي يا حبيبتي ومستنية رأيك في الجزء ده!مريم حطت المفتاح في الباب، وصوت التكة بتاعته وهي بتفتح البوابة كان كأنه بيعلن نهاية كابوس طويل وبداية حياة جديدة. يونس كان واقف جنبها، عينه على الغيط والأرض اللي أخيراً رجعت لأصحابها. الهوا دافي وريحة البرتقال والتراب المبلول بالمطر القديم مالية المكان، كأن الأرض نفسها بتتنفس الصعداء وبترحب بـ مريم بعد غياب.
بس الفرحة دايماً بيجي معاها خوف مستخبي، والسر اللي سابه الحاج صابر مكنش مجرد ورق أو كلمة في جواب.
مريم سابت يونس برة ودخلت البيت. الأوض مقفولة، والتراب مغطي الكنب الكسوة القديم. مشيت بخطوات بطيئة لحد أوضة أبوها. ريحة الصندل والكتب القديمة لسه معلقة في الهوا. قعدت على السرير ودموعها نزلت وهي بتفتكر صوته وحنيته. يونس دخل وراها بخطوات هادية، وقف على الباب وقال بنبرة كله احترام: “يا ست مريم.. البيت محتاج توضيب، وأنا بعت أجيب كام راجل من غفر الغيط عشان ينضفوا الداير ويرتبوا الدنيا، متشيليش هم واصل.”
مريم بصت له بامتنان وقالت: “تعباك معايا يا يونس.. لولاك مكنتش هعرف أدخل البيت ده تاني.”
يونس ابتسم وقال: “تعبك راحة يا بنت الأصول.”
وهما بيتكلموا، عساكر المحبوسين في المركز كانوا بينقلوا راضي لزنزانة الترحيلات في سجن طرة بعد ما النيابة أمرت بحبسه على ذمة قضية التزوير والنصب. راضي مكنش نايم؛ الغل كان بياكل في قلبه زي السوس. في زاوية الزنزانة الضلمة، كان قاعد مع واحد مسجون قديم اسمه “سيد العتم”، راجل وراه حكايات وضهر في الممنوع.
راضي همس لـ سيد وعيونه بتطق شرار: “أنا مش هسيبهم يتهنوا يا سيد.. الأرض دي فيها كنز، وأنا عارف البير وغطاه. عمي صابر الله يرحمه مكنش فلاح غلبان بس، ده كان لاقي حاجة تحت بيت سيدي صابر ومخبّيها، وكان خايف يتكلم ليروح فيها.”
سيد العتم بصل بفضول وسأله: “وحاجة إيه دي يا راضي؟ آثار؟”
راضي ضحك بمرارة: “آثار وسلاح من أيام الحرب.. صندوق حديد مدفون تحت جدران البيت القديم، فيه دهب ووثائق تخلي رقاب كبارات البلد في إيدينا. عمي صابر كتب مكان الصندوق ده في مذكرات قديمة كان شايلها في سحارة السرير بتاعه. أنا كنت بدور عليها ومالحقتش ألاقيها قبل ما يونس الصعيدي ومريم يطردوني.”
سيد العتم مال عليه وقال بصوت واطي: “طب وإحنا نطول الصندوق ده إزاي وأنت محبوس وورا الحديد؟”
راضي ابتسم بخبث: “ليا رجالة برة.. “عوض” و”بركات”، هما عارفين شغلهم كويس. هيروحوا يقلبوا البيت في وسط الليل، ولو يونس وقف في طريقهم.. يندفن في الأرض اللي فرحان بيها.”
في نفس الليلة، في بيت “سيدي صابر”، مريم كانت قاعدة مع خالتي بدرية في الصالة بعد ما نضفوها. الجو كان هادي، والليل رمى سكونه على الغيط. مريم حست بإنقباض في قلبها فجأة، قامت تتمشى في الأوضة وراحت لسحارة السرير القديم بتاع أبوها عشان تلم الهدوم والكتب.
وهي بتشيل الملايات القديمة، إيدها خبطت في لوح خشب مخلوع تحت السحارة. مريم استغربت، شالت اللوح ولقت صندوق خشب صغير مقفول بقفل حديد مصدي. قلبها بدأ يدق بسرعة. جابت مفك وحاولت تفتح القفل لحد ما اتكسر في إيدها.
جوة الصندوق، لقت أجندة قديمة مجلدة بجلد أسود، وجنبها كيس قماش تقيل. فتحت الأجندة ولقت خط أبوها واضح وصريح، بس الكلام المكتوب كان يخوف:
”بنتي مريم.. لو تقري الكلام ده، هكون أنا بين إيدين ربنا. الأرض دي مش مجرد طين وجميز.. تحت البيت القديم في الحوض الشرقي مدفون صندوق حديد من أيام جدي. الصندوق ده فيه أوراق الملكية الحقيقية لخط سكة حديد قديم وأملاك العيلة اللي الحكومة أممتها زمان ورجعت بقرار محكمة، ومعاها سبايك دهب كنا مخبينها من أيام الثورة. راضي عرف بالسر ده وكان عايز يقتلك عشان ياخده. يا مريم، الصندوق ده لعنة، لو راضي حط إيده عليه هيهد البلد فوق دماغك.. إياكِ تقولي لـ راضي على مكانه.”
مريم حست إن الدم هرب من عروقها. بصت من الشباك على الغيط الضلمة، وحست إن فيه عيون بتراقبها من وسط الشجر.
في نفس اللحظة، كان فيه حركة غريبة برة البيت. يونس كان نايم في العشة اللي في الغيط جنب السور اللبن اللي بيبنيه. صحي فجأة على صوت خشخشة خوص البرتقال وحركة رجلين خفيفة. سحب بندقيته الخرطوش اللي مرخصة معاه وخرج بحذر في الضلمة.
شاف خيالين ماشيين بحذر ناحية جدار البيت الأبيض، ومعاهم فأس وشكاير سودة.
يونس صرخ بصوت هز السكون: “مين هناك يا ولد الأديب؟! اقف عندك!”
الخيالين اتفزعوا، وبسرعة واحد منهم طلع مطواة قرن غزال والتاني سحب فرد خرطوش وضرب طلقة في الهواء عشان يخوف يونس.
مريم سمعت صوت ضرب النار جوة البيت، صرخت وخرجت تجري وهي ماسكة الأجندة في إيدها، وخالتي بدرية وراها بتصرخ: “الحقونا يا ناس.. حرامية في الغيط!”
يونس متراجعش، رمى نفسه ورا جذع شجرة جميز عشان يتفادى الطلقة، وضرب خرطوشة في الهوا وهو بينادي: “يا عوض يا بركات! أنا عارفكم وعارف ريحتكم ووساختكم.. راضي مش هينفعكم من ورا السجن!”
الحرامية لما لقوا يونس مش خايف وصوته مسمع في العزبة، والناس بدأت تصحى على صوت ضرب النار وجايين بالجلاليب والكشافات، خافوا يتفضحوا ويتسجنوا. عوض صرخ في بركات: “اِلزم الفرار يا ولد.. البلد كلها صحيت!”
جريوا بسرعة واختفوا وسط شجر البرتقال الكثيف والضلمة قبل ما حد يمسكهم، بس يونس مسبهمش كدة. جري وراهم لحد السور الخارجي ولقى تليفون من تليفوناتهم وقع في الأرض وهو بيجروا.
مسك التليفون، ونفخ بضيق وهو بيمسح العرق عن جبينه. مريم جرت عليه وهي بتترعش من الخوف: “يونس! أنت كويس؟ جرى لك حاجة؟”
يونس بص لها وطمنها بعيونه: “أنا زين يا ست مريم، متخافيش واصل. الشجر حماني، والكلاب دول جريوا زي الفئران لما شافوا رجالة البلد جايين.”
الناس اتلمت حواليهم، ويونس شكرهم وطمنهم إن الموضوع محاولة سرقة بسيطة وعدت. بس لما الكل مشي ورجعوا جوة البيت، مريم قفلت الباب ووشها شاحب، وحطت الأجندة القديمة والصندوق الخشب قدام يونس على الترابيزة.
وقالت بصوت مرعش: “السر طلع أكبر من الأرض والبيت يا يونس.. راضي مكنش عايز يطردني عشان الحقد بس، راضي بيدور على الكنز والورق ده.”
يونس قرا اللي مكتوب في الأجندة، وعيونه وسعت من المفاجأة والدهشة. بص لمريم وقال بنبرة مليانة تصميم وقوة صعيدية: “راضي دمر نفسه ودلوقتي عايز يدمرك معاها.. الصندوق ده لازم نطلعه إحنا الأول ونسلمه للمجلس الحزبي والشهر العقاري عشان نثبت حقك بشكل رسمي، والدهب ده يتحط في البنك بأمانك.. والكلاب اللي بعتهم راضي أنا هعرف أجيبهم إزاي بالتليفون اللي وقع منهم ده.”
مريم بصت ليونس وحست إن الصراع مخلصش، بالعكس.. الصراع الحقيقي لسه بيبدأ، والمرة دي مش في المحاكم بالورق بس، دي مواجهة بالدم والنار وسط غيطان القليوبية!
تفتكري يا سما يونس ومريم هيقدروا يوصلوا للصندوق الحديد المدفون قبل ما رجالة راضي يرجعوا تاني وبقوة أكبر؟ وإيه اللي هيحصل لما يفتحوا التليفون اللي وقع من الحرامية؟ قوليلي لو عايزة نكمل الإثارة دي في المشهد الجاي!يونس مكنش من الرجالة اللي تستنى الضرب لما يجيلها لحد عندها؛ ده راجل صعيدي واكل وشرب من صوان الجبل، وعارف إن الضربة اللي متموتش تقوي. مسك التليفون اللي وقع من الحرامية، وبدأ يقلب فيه بسرعة وعيونه بتلمع بذكاء حاد، لحد ما لقى رقم متسجل باسم “الباشا الكبير”، وكان لسه متصل بيهم من نص ساعة بس. يونس فهم اللعبة علطول؛ الرقم ده مكنش لراضي اللي محبوس ورا الحديد، ده كان رقم محامي راضي الخاص، اللي بيحرك الرجالة دي من برة عشان يلحقوا يسرقوا الكنز قبل ما الحكومة تحط إيدها عليه أو مريم تكتشفه.
يونس بص لمريم وقالها بثقة تهز جبال: “يا ست مريم، الحرامية دول مش هيرجعوا الليلة خلاص لأنهم اتفضحوا، بس المحامي السكير ده مش هيسكت وهيحاول يبعت ناس تانية غريبة ميعرفوش البلد. إحنا مفيش قدامنا وقت.. الصندوق ده لازم يطلع الليلة دي وقبل شروق الشمس، والشرطة لازم تكون عندها علم بكل خطوة.”
مريم بلعت ريقها وهزت راسها بالموافقة، رغم إن ركبها كانت بتخبط في بعضها من الخوف، بس وجود يونس جنبها كان بيحسسها بإنها محاطة بجيش كامل. جابوا الفؤوس والكشافات، وخرجوا هما الاتنين ومعاهم خالتي بدرية اللي فضلت واقفة على أول الداير تدعي ليهم وتقرأ آية الكرسي بقلب مرعوش. مشيوا في وسط غيط البرتقال، والضلمة كانت كحل، ومفيش صوت غير حفيف الشجر وصوت خطواتهم على التراب المبلول. وصلوا للحوض الشرقي، عند جدار البيت القديم المهجور اللي جدهما بناه من طوب لبن قبل ميت سنة.
يونس بدأ يحفر بكل عزم وقوة، عضلات كتافه كانت بتتحرك مع كل ضربة فأس وهو بينزل في الأرض بعزم شقا عمره كله. مريم كانت بتنضف التراب وراه بكشاف صغير، وعيونها مدمعة وهي بتدعي: “يارب استرها معانا.. يارب رجعلنا حقنا واكفينا شر ولاد الحرام.” بعد حوالي ساعة من الحفر المتواصل والعرَق المصبوب، الفأس خبطت في حاجة حديد متينة عملت صوت رنين عالي في سكون الليل.
يونس كتم نفسه وبدأ يحفر بإيديه بسرعة البرق لحد ما ظهر قدامهم صندوق حديد أسود كبير، مربوط بجنازير ومقفل بقفل ضخم من بتاع زمان. يونس ومريم اتعاونوا وشالوا الصندوق اللي كان تقيل جداً وطلعوه على وش الأرض. في اللحظة دي بالذات، وقبل ما يفرحوا، سمعوا صوت خطوات سريعة بتقرب وصوت تزييق خشب الشجر.
يونس بسرعة رمى التراب فوق الحفرة وسحب بندقيته الخرطوش ووقف قدام مريم يحميها بضهره. من بين الشجر ظهر عوض وبركات ومعاهم تلات رجالة غراب، شايلين شوم ومطاوي، وفي إيد واحد منهم طبنجة سمرة بتلمع تحت ضوء القمر.
بركات ضحك ضحكة قذرة وسخة وقال: “وقعتوا في الفخ يا صعيدي.. سيب الصندوق ده واطلع منها بالمعروف، وإلا والله هتدفن في الحفرة اللي حفرتها بإيدك دي، والبنت دي مفيش حد هيسمع عنها خبر تاني.”
مريم صرخت واستخبت ورا يونس، ويونس رفع بندقيته وعمرها بصوت قوي رن في الغيط كله وقال بكل ثبات وعزة نفس: “لو راجل فيكم يخطى خطوة واحدة ناحية الأرض دي! أنا يونس أبو الحسن، والدم عندي أرخص من التراب لو حد فكر يمس شرفي أو يسرق شقايا. جربوا كدة تقربوا وشوفوا مين اللي هيندس تحت الطين الليلة دي!”
الحرامية ترددوا لحظة من هيبة يونس وبندقيته، بس الراجل اللي معاه الطبنجة رفع سلاحه وصوب على صدر يونس وهو بيقول بشر: “البندقية دي مش هتلحق تضرب غير طلقة واحدة يا صعيدي، وإحنا هنصفيك قبل ما تلمس الزناد.”
وقبل ما صباع الراجل يتحرك على الزناد، الغيط كله اتملى فجأة بضوء أحمر وأزرق قوي بيتحرك بسرعة، وصوت سرينات عربيات الشرطة هز أرجاء المكان كله. يونس ابتسم بثقة وهدوء؛ مكنش غبي، ده قبل ما يخرج يحفر كان كلم الأستاذ رفعت المحامي وبلغه باللي حصل واداله تليفون الحرامية، والمحامي بدوره بلغ مأمور مركز بنها اللي كان متحمس جداً يقبض على بقية عصابة راضي بتهمة السرقة بالإكراه.
قوة من الشرطة ورجال المباحث هجموا على المكان من كل ناحية وضيقوا الخناق على الحرامية. معاون المباحث صرخ بصوت عالي: “ارمي السلاح أنت وهو! المحل كله محاصر!”
الحرامية رموا السلاح في الأرض وركبهم سابت، واتقبض عليهم متلبسين بالسرقة والشروع في القتل في وسط الغيط والصندوق الحديد قدامهم كدليل مادي ميتفلتش منه. الظابط قرب من يونس وطبطب على كتفه وقال: “الله ينور عليك يا يونس يا بطل.. أنت بجد راجل بـ١٠٠ راجل. الصندوق ده والورق اللي جواه هيتحرزوا ويروحوا النيابة مع المحضر، والكلاب دول ليلتهم سودة هما ومحامي راضي اللي كنا بنراقب تليفونه أصلاً.”
بعد أسبوع واحد من الليلة العصيبة دي، الشمس كانت بتشرق بجمال ودفا ملوش مثيل فوق أرض “سيدي صابر”.
النيابة العامة فتحت الصندوق الحديد بحضور الأستاذ رفعت ومريم ويونس. المفاجأة كانت مذهلة؛ الصندوق كان جواه سبايك دهب قديمة تساوي ملايين، بس الأهم من الدهب كانت حجج وأوراق الملكية الأصلية الموثقة لخط سكة حديد قديم وأراضٍ زراعية شاسعة كانت الحكومة أممتها زمان ورجعت بقرار محكمة لصالح عيلة صابر ومكنش حد يعرف عنها حاجة. الأوراق دي خلت مريم مش مجرد صاحبة بيت وخمس فدادين، دي بقت واحدة من أكبر وأغنى ملاك الأراضي في القليوبية كلها بحق قانوني لا غبار عليه.
راضي في سجنه لما عرف بالحكم وبقبض رجالته ومحاميه، انهار تماماً وجاتله جلطة خفيفة شلت حركته، واتحكم عليه بالسجن المشدد ١٥ سنة بتهم التزوير والنصب والتحريض على السرقة بالإكراه والقتل، عشان يقضي بقية عمره ذليل ومكسور ورا القضبان، عقاباً ليه على طمعه وظلمه ليتمة من دمه ولحمه.
وفي عصر يوم جميل، كانت مريم واقفة في جنينة البيت الأبيض، لابسة فستان بسيط ووشها منور وضحكتها راجعة تملى الدنيا تفاؤل وأمل. الياسمين والورد البلدي سقتهم بإيديها ورجعت ليهم الروح من تاني.
يونس قرب منها بخطوات هادية، لابس جلابيته الصعيدي البيضاء النضيفة وشاله اللي بيطير مع الهوا، وبص للأرض وبص لها بعيون مليانة حب وتقدير وقال بصوت دافي: “مبروك يا ست مريم.. الأرض رجعت، والورق والدهب بقوا في الحفظ والصون، وحق أبوكِ الله يرحمه رجع والبلد كلها بقت بتتحاكى بنصرتك وشرفك.”
مريم بصت في عيون يونس الطيبة، العيون اللي حامتها في وقت الشدة ومطمعتش فيها ولا في ملوين جنيه، وقالت بصوت مليان مشاعر صادقة ودافية: “البركة فيك يا يونس.. الأرض دي ملهاش قيمة من غيرك، والفلوس والدهب دول ولا يسووا حاجة قصاد وقفتك وجدعنتك وشهامتك معايا. أنا مش عايزة دهب ولا عايزة أراضي يا يونس.. أنا مش عايزة من الدنيا دي غيرك أنت، تكون سندي وحمايتي وشريك عمري وأيامي اللي جاية.”
يونس وشه احمر بخجل الفرسان والأبطال، وبصلها بابتسامة صافية طالعة من أعماق قلبه وقال بنبرة صعيدية أصيلة تهز المشاعر: “وأنا شاري يا بنت الأصول.. شاري عمرك وشاري قلبك قبل أرضك وشقاكي. وربنا يقدرني وأكون لكِ السند والضهر اللي يحميكِ من غدر الزمن وميخليش دمعة واحدة تنزل من عينك تاني واصل.”
خالتي بدرية خرجت من البيت وهي شايلة صينية شربات الورد وبتزغرد بأعلى صوت عندها، والزغروطة رنت في غيط البرتقال ووصلت لآخر حدود “سيدي صابر”، لتعلن للدنيا كلها إن الحق لو وراه مطالب وجدع يحميه.. عمره ما يضيع أبدًا!





